للأسف، الزواج مُلزِم يا صديقي، الزواج ملزم يا أستاذة، مُلزم بأشياء كثيرة قد لا ينص عليها شرع بشكل مباشر، ولا يقيدها عرف، ولا يثبتها كاتب العقد، ملزم بمساحة كبيرة واسعة جدا، أكبر مساحة في الدنيا، للفضل، والتضحية، والصبر، والتحمل، والإخلاص، والجهد.
الزواج ملزم للرجل بأن يفني عمره في إسعاد زوجته وأولاده، في أن يجلب لهم القمر بدلًا من المصابيح، وأن يجلب لهم الشمس في صباحات الشتاء القارسة، وأن يشتري لهم السرور ولو بنصف عمره، وأن يحميهم ولو برقبته، وأن يغنيهم ولو بفقره، وأن يضحي بأيامه ولياليه مقابل لقمات شهية مشبعة تسد رمقهم..
وأن يزرع زهرة شبابه بعرقه وعمله، ويهديها لهم إلى آخر العمر وقد أدى ما عليه وزيادة.
الزواج ملزم للمرأة بأن تغادر الاعتماد إلى المسؤولية وأن تدع صفاء البال إلى انشغاله، وأن تفني وقتها في الرعاية العاطفية والنفسية والبدنية لمن تحب وأن تفكر فيما سنأكل اليوم وماذا ستطهو ومتى تنظف البيت وكيف تعد السفرة، وكيف ترسم البسمة على وجه العائد عابسًا من شظف عمله طوال النهار..
ثم تحمل في بطنها كرة كبيرة ستكون طفلًا بعد أشهر ترضعه حتى ينفطم وتُلزم مع أبيه بتربيته حتى تعده رجلًا وتتركه يحارب الدنيا وقلبها عليه ودعواتها إليه، ويتغير شكل جسمها مع الوقت من سنة الحياة والزواج، دون أن تندم يومًا.
الزواج ملزم وهو عقد بالاتفاق، لا يُضرب أحد على يده حتى يقدم عليه، في عادته، فلا مجال للمَنّ فيه، ولا يعني أبدًا شقاؤه انطفاء حلاواته، لكنها العين التي تختار ما يلائم قلبها، وما أحقره من عبد هذا الذي يعدد تكليفات الله ولا يذكر ألطافه...
فالزواج هناءٌ كبير لمن أحسن الاختيار ووفق فيه واتقى الله في من يحب، وفي ليله ونهاره جلاء أحزان وصفاء صدور وانكشاف كُرَب ورفع بلاءات، وفيه عفاف وكفاف، وسكن وسكون، وفيه اضطرابات يتبعها عوض، ورضا من الله عظيم.
الزواج ملزم وفيه من الصحبة ما تعجز عنه أي فلسفة في الدنيا، فلا تجمع قلبين بعيدين إلا أقدار الخالق، ولا يجمع جسدين في بيت واحد إلا لطف الكريم، ولا يبقي لهما حياة دافئة معًا يتقاسمان فيها كل شيء بطيب نفسٍ إلا إلهٌ حنّان.
الزواج ملزمٌ بالواجبات وملزمٌ بأداء الحقوق وملزمٌ بمساحات التفاهم التي بين هذا وذاك، فيصير اتفاقًا أقراه هما لا شرع ولا عرف، فيمكن لها أن تعمل مع رعاية بيتها بل يحمل عنها بعض مشقته ليمكنها من نجاح تتطلع إليه وهي كذلك تتنازل في أمور له حتى تخلي سبيله من هموم تحبسه، وتبقى مودتهما..
الزواج ملزم لأن الإنسان في الدنيا ملزَم بأمانة أشفقت الجبال أن يحملنها، وبرسالةٍ تقتضي منه أن يعيش في حياته عائلًا لا عالة، وبأسرةٍ يكوّنها برزق الله له فلا يدّخر جهدًا في رعايتها كما يحب ربه ويرضى، تكون له ذخرا يملأ عليه حياته ويمد له عمره.
وزُبدة الفكر السليم في الزواج والإنجاب والأسرة والتضحية ألا تحسب عمرك ينقضي من أجل آخرين، وإنما أن تنظر لهم بحبٍّ أنهم امتدادك في الأرض، فتدرك هل قصر عمرك بزواجك أم امتد به أضعاف ما أردت عيشه بنفسك.
جاري تحميل الاقتراحات...