17 تغريدة 245 قراءة Sep 02, 2022
الحمد لله وبعد..
في الفترة السابقة قضيتُ زمنًا غير قليل في تتبّع وتحسس أخبار المنعزلين اجتماعيًّا، المطرودين من كنف الصداقة المريح، من ليس لديهم دائرة اجتماعية واضحة تحتضن أفراحهم وأحزانهم على نحو راتب، سواء منهم من يكتفون بالإقامات المؤقتة العابرة في شلل الآخرين،
أو من لا يجدون حَرَمًا من الصداقة يؤويهم، فيجلسون على رصيف العلاقات.
كان هذا التتبع مدفوعًا بأمر شهدتُه في نفسي حتى استولى على فكري وقلبي، وهو أنّ أحد أهمّ الأسباب التي تمتدّ بين الفرد وبين الواقع، وتجعله مشدودًا إليه راضيًا به متمسكًا بالحياة تملؤه السكينة؛
هو شعوره بالانغراس في العالم والانتماء إليه عبر انتمائه إلى مجموعة من الناس يعتبرهم أصدقاءه، يضع عنده تعبه وأحزانه، ويرفع معهم آماله وأفراحه، ويجد أنّ في إمكانه الاتكال عليهم.
بحسب ملاحظتي المحدودة وجدتُ أنّ الغالب ممن لا يجدون أنفسهم ضمن شلة أصدقاء معرّفة بوضوح يهيمن عليهم نوع من التوهان في الحياة عمومًا والاجتماعية خصوصًا، يكون أكثر تردُّدًا في اختيار مسار حياته، ويكون مستعصيًا عليهِ إيجاد موارد تستمدّ منها روحه أسباب الاستمرار والسعي والسعادة،
بعضهم يلتفت بالكليّة عن الحياة وعن الأشخاص ويضرب على نفسه عُزلَة خانقة قاتلة، والبعضُ الآخر تجده يتسوّل أن يُبَرّر له وجوده وأفعاله، ينظر في أعين الآخرين ليرى رضاهم عنه، ويفعل ما يفعل وهو يستجدي اعتراف الحياة به، ولكن لا يزيده الوِردُ من مياه الآخرين إلا عطشَا.
ومهما كان نوع رد الفعل تجاه غياب الأصدقاء، فإنه يعكس لنا حقيقة عن ذاتية من ذاتيات الإنسان، وهو أنّه يحتاج إلى صداقة ثابتة راسخة مثلما يحتاج الأكل والشرب، بل إنّ الأكل والشرب أحيانًا يفقدان معناهما في ظلّ غياب الشعور بالانغراس الآمن في الحياة،
فيمكننا القول أنّ عنصرًا أساسيًّا في الصحة النفسية هو امتلاك الشخص لشلة من الأصدقاء.
«لقد نما عندي إيمان بأن الصداقة هي ذروة المتع في هذه الحياة الدنيا، وأن مرتبة الإنسان في سُلّم الوجود تحددها تمامًا مقدرته على الصداقة».
(عالم النفس وليم جيمس ت١٩١٠م)
العلاقات بالطبع تحصر الكينونة، فإن امتلاكك لأسرة وأقارب وأصدقاء وزملاء يحصر من كينونتك، تصبح خياراتك في الحياة أقل، وتفقد جزءًا من حريتك في التشكل، هذا أمر واقع ومتكرر. لكن في المقابل فهذه الخاصية بالتحديد هي ما تجعل العلاقات مهمة، فهي تحد من رغبتنا المسمومة في ملاحقة كل إمكانيات
العالم والالتذاذ بها كلها، وهي متوالية مفتوحة لا تجد لها نهاية، وتقوم باستهلاك الفرد في اللاشيء، دون نقطة مرجعية ثابتة يعود إليها، وهو ما يؤدي في النهاية إلى انفراط هذه الكينونة وضياعها حدّ أن تعجز أن تميّز نفسها عن الآخرين، وأن تعرف نفسها بغير نزوعها القهريّ للاستهلاك والالتذاذ.
لو لم تكن لي أسرة فربما كنت لأفكر في كل الخيارات الكثيرة التي تنبسط أمامي، وأن أتحمّل مخاطرها، وأن أجرب ربما المسير في كل منها، ولكن لأن لي أسرة فإنّ مساراتي محدودة تحصرها احتياجات ووضعيات أسرتي، ولذلك فعليّ أن أسير في أحد طريقين أو ثلاثة بالكثير،
لكن في أي منهم سرتُ فإني سأسير منتصب القامة مرفوع الرأس بعزيمة قوية على حراسة دوري في هذه العلاقة التي نسميها أسرة. يلاحظ هذا الأمر قمرنا الأسمر حينما يقول عن الأصدقاء:
وكُلّما فُتِنَت بالريحِ أنفسُهُم
تقمّصوا فكرةَ الأشجار وانغرسوا
للصداقة دور شديد الجوهرية أيضًا، فكما الأسرة هي أيضًا من منازل كينونة الفرد، التي يجد عندها من احتياجاته ما لا يجد في سواها، وما لا تتقوّم السكينة النفسية إلا بوجودها، من الاحتياجات المادية إلى الاحتياجات المعنوية والنفسية، دور لا يعوضه سواها من النشاطات، ولا العلاقات والمعارف
الممتدة والواسعة، فحتى لو كنت تعرف كامل البشرية دون أن يكون لديك صديق واضح راسخ في نفسك تسقط الكلفة بينكما وتتكاشفان بما تريدان، ويعرفك كما يعرف نفسه، وتتشاكل طباعكما وألفاظكما من كثرة الحديث حدّ أن يبدأ شكلاكما في التشابه، فستظلّ وحيدًا. ولله در أبي تمام وهو يقول:
من لي بإنسان إذا أغضبته
وجهلت كان الحلم ردّ جوابهِ
وتراه يصغي للحديث بطرفه
وبقلبِه، ولعلّه أدرى بهِ!
لذلك، عضّوا بالنواجذ على علاقاتكم، وأحيطوا أصدقاؤكم بالرعاية، تفقدوا أحوالهم وتحسسوا من -أي تتبعوا معرفة- ظروفهم وصعوباتهم، وبالمقابل أحرصوا أن تلجؤوا إليهم وأن تكشفوا لهم عن ما تنطوي عليهم صدوركم، وفكروا طويلًا في ما يمكنكم فعله لتحافظوا على ازدهار هذه الزهرة الجليلة من الصداقة
بينكما، وتذكروا أنّ يد الدهر سريعة الأخذ، لا تُبقِي الأيّام على جريانها حتى تفجع الإنسان في أحبته بتغييبٍ ما (موت كان أو رحيل)، فاحرصوا أن تكونوا في أشدّ الزهد عن خلاف أحبتكم وتعكير ما بينكم وبينهم لمهما كان من الأسباب
إن عِشتَ تُفجعُ بالأحبةِ كلهم
وبقاءُ نفسك -لا أبا لك- أَفجعُ
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين!

جاري تحميل الاقتراحات...