ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

18 تغريدة 29 قراءة Aug 27, 2022
في سبتمبر 1906، جمع غفير من زوار حديقة حيوان برونكس بنيويورك يلتفون حول بيت القرود في انتظار عرض ترفيهي ضخم، لكن ليس لقرد كما هو معتاد، وإنما لإنسان، نعم إنسان كل ذنبه أنه ولد قزما وذو بشرة سوداء
ما القصة، وكيف انتهت حياته؟
حياكم تحت🥺
أحدث كتاب أصل الأنواع الصادر عام 1859 لداروين هزة علمية ومجتمعية كبيرة في وقته، إذ استطاع الكتاب ولأول مرة وضع آلية علمية تفسر أصول ومنشأ التنوع البيولوجي على الأرض، كما وضع داروين الجميع أمام افتراض مفاده أن الإنسان انحدر من سلف مشترك مع كائنات أخرى.
في حين واجهت هذه النظرية في بدايتها هجومًا حادًا من رجال الدين وعلماء الأحياء على حد سواء، إلا أنها في الأخير استطاعت أن تسيطر على الأجواء العلمية وصارت مُسلّمة يؤمن بها معظم المجتمع العلمي، وانطلق الجميع في محاولة إثبات صحتها عبر عديد من الوسائل المعملية.
كثير من علماء الأحياء كرسوا حياتهم من أجل إثبات صحة النظرية معمليًا، منهم هكسلي، الذي قضى عقدًا كاملًا من حياته في محاولة تشريحية جادة قصد بها عقد مقاربة بين الإنسان والقردة من حيث البناء العظمي وتشكيل الجمجمة، ليضع لنا هذا الرسم التوضيحي الذي لا يزال مستخدمًا حتى اليوم.
في تلك الأثناء كان رجل الأعمال والمستكشف الأمريكي صمويل فيليبس فيرنر يجوب أفريقيا بحثًا عن أقزام أفارقة "يشبهون القرود" كي يثبت بهم صحة نظرية داروين، وذلك على إثر عقد عمل ضمه مع ويليام جون ماكجي المتخصص في علم الأعراق البشرية.
بعد وصول فيليبس للكونغو الواقعة حينذاك تحت سيطرة البلجيكيين، التقى عددا من تجار الرقيق، حيث وجد أخيرًا لديهم ضالته المنشودة، أوتا بينغا شاب قصير الطول تتوفر فيه هيئة ما تتلاقى مع تصوره، بعد أخذ ورد مع التجار استطاع الرجل أن يشتريه منهم مقابل رطل ملح وقطعة قماش.
قبل ذلك اليوم كان بينغا شابًا مرحًا مقبلًا على الحياة يعيش ضمن قبيلته بالقرب من نهر كاساي، حياة بسيطة وكوخ صغير يجمعه مع أسرته، خرج ذات يومًا ليصطاد، فعاد وقد تم القضاء على كل قبيلته من قبل المستعمرين، بمن فيهم زوجته وطفلتيه، ليقع بعدئذ فريسة في شباك العبودية.
أجبر أوتا بينغا على مغادرة وطنه، وانطلق به فيليبس بعد أن اشتراه نحو أرض جديدة وحياة مختلفة، لن يعامل فيها كإنسان حر وإنما سيوضع مع القردة في أقفاصها وسيعامل مثلها تمامًا، الحدائق البشرية في انتظاره والزوار البيض متلهفين لمشاهدته والتندر عليه.
في تلك الأثناء مثّل معرض سانت لويس العالمي الذي عقد عام 1904 وقصده نحو 20 مليون زائر فرصة استثنائية كي ترى تلك الجموع الكهرباء وأضوائها لأول مرة، أما العرض الأكثر إبهارًا فهو حديقة حيوان بشرية تضم 3 آلاف فرد بدائي تم جلبهم من كل أنحاء العالم لكل قصته وحكايته!
كان الهدف من هذه الحديقة البشرية بيان الاختلافات الشكلية بين الإنسان الغربي وغيره من المجتمعات الأخرى، وذلك بهدف دعم فرضية تفوق الجنس الغربي على غيره من البشر، وكذلك لدعم فرضية أخرى تقول بأن الأشخاص ذوي البشرة السوداء ما هم إلا حلقة وسيطة بين القردة والإنسان.
ضمن هذا المعرض أو الحديقة البشرية وضع بشر من قبائل بدائية داخل سياجات وأقفاص حديدية وأجبروا على أداء عروض معينة تحاكي حياتهم وما يصنعونه في أيامهم العادية، كان بينغا واحدًا من هؤلاء المعروضين، لكنه نال شهرة بسبب تجاوبه مع الجمهور الأمريكي المتحمس.
بسبب شكله المختلف في ظنهم، وقدرته الفائقة على لفت الانتباه تم الترويج لـ بينغا في الصحافة على أنه حلقة الوصل التطورية المفقودة بين القردة والإنسان، لذلك تم وضعه في حديقة حيوان برونكس، وخصص له قفصًا مع عدد من الشمبانزي والغوريلات تحت مسمى السلف القديم للإنسان.
على خط الأحداث تدخلت الكنيسة التي كانت معارضة بشدة للرؤية الداروينية للحياة، وثار جدل كبير في الأوساط الأمريكية حول بينغا ومعاملته بهذا الشكل المهين، إلى أن قررت إدارة الحديقة إطلاق سراحه، حيث تم وضعه من قبل الكنيسة في إحدى دور الأيتام التابعة لها.
كان بينغا مثابرًا لأقصى حد، حيث استطاع في وقت قياسي تحسين لغته الإنجليزية، وتعلم القراءة والكتابة، ثم قرر فجأة التوقف عن رحلته التعليمية وقرر تسخير كامل وقته من أجل طلب الرزق، حيث انضم كعامل في إحدى مصانع التبغ.
كانت أحلام العودة إلى وطنه في أفريقيا تسيطر على كامل حياته، ولا يعمل ولا يجد إلا من أجل توفير نفقات سفره، وعلى مقربة من الوصول لهدفه، اشتعلت الحرب العالمية الأولى وتوقفت حركة السفن، ولم يعد لحلمه مجالا للتحقق.
مع تلاشي آماله في العودة إلى وطنه، أصيب بينغا باكتئاب مرير، وفي 20 مارس 1916 وهو في عمر 32 عاما، أوقد نارًا احتفالية فيما يشبه الحلقة، ووقف في وسطها وبواسطة مسدس مسروق أطلق النار على نفسه، ومات ليقيم حجة بالغة على عنصرية بغيضة أردته قتيلًا مرات ومرات.
الآن واليوم وبعد مرور أكثر من مائة عام على هذه الأحداث الجسام، لا يزال للأسف هناك من يعتقد بتفوق الجنس الأبيض عمن سواه، لا يزال هناك من يمتهن الناس على حسب لونهم أو أصلهم أو معتقدهم، ولا يزال هناك قتلى يسقطون كل يوم بسبب التمييز العنصري البغيض.
وانت قارئ الأسطر توقف قليلاً وتذكر متى آخر مرة كنت فيها عنصرياً ، تذكر تقسيمات في رأسك ما أنزل الله بها من سلطان

جاري تحميل الاقتراحات...