من أشهر النماذج الذي شوه صورة البدو، والذي يمكن أن نجعله الأساس الذي استندت عليه كل الصورة النمطية الأخرى، هو النموذج الذي روج له ابن خلدون.. هذا النموذج اعتمدته كثير من النخب والشعوب العربية في تشكيل صورتها عن سكان الجزيرة، وهو نموذج متهافت ومليء بالمغالطات كما سأبين في السلسلة=
أحسن من رد على النموذج الخلدوني هذا، وبين ما فيه من مغالطات وإشكاليات، هو الدكتور سعد الصويان في كتابه الصحراء العربية. لم يخصص الصويان فصلا متكاملا في الرد على هذا النموذج، ولكن جاء رده متناثرا في الكتاب، لذلك سأجمع المتناثر وأضيف عليه ما لاحظته من مغاطات لم يذكرها الصويان.
أول ما يواجهنا من إشكال حين نقرأ كلام ابن خلدون في المقدمة، أنه كان يتكلم عن العرب كما لو كانوا كلهم بدو، وليس فيهم مناطق حضرية، بل تترادف عنده كلمتي العرب والبدو، فتجد من كلماته: "العرب أمة وحشية" ، "العرب اذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب"،"العرب أبعد الأمم عن السياسة"!
استقطب كثير من العرب المتأخرين خارج الجزيرة هذا الإشكال، ولكن بشيء من التغيير، فهم لم يصفوا العرب جميعهم بالبداوة، ولكن وصفوا سكان الجزيرة بالتحديد. ثم أسقطوا عليهم باقي الصفات الخلدونية.. ولكن الحقيقة التي جهلوها، أن سكان الجزيرة قديما وحديثا كان منهم حضر ومنهم بدو.
فالمماكل العربية القديمة في الجزيرة هي دول حضارة، وقريش كانت قبيلة متحضرة.. ومؤخرا ال سعود الذين أسسوا الدولة هم حضر وليسوا بدو.. منذ القدم كان في الجزيرة بدو رحل يعتمدون على رعي الابل ويسكنون بيوت الشعر، وسكان حضر مستقرين أهل زراعه أو تجاره..
حينما نقول هذا لا يعني أننا نتنكر للبداوة أو نعتبرها صفة مسيئة. ولكن نحن فقط نصحح مغالطة تاريخية تعبر عن جهل بطبيعة سكان الجزيرة سواء القدماء أو المتأخرين. والبدو والحضر في الجزيرة عموما تجمعهم قيم وتقاليد مشتركة، وما يعظمونه أو يستحقرونه من صفات في الغالب متشابهة
ومن المغالطات المركزية التي تنبه لها الصويان في مقاربة ابن خلدون للبداوة والحضارة، أن ابن خلدون يخلط بين البداوة والبدائية، ويجعل البداوة هي مرحلة وطور أول يسبق التحضر.. والصحيح بحسب الصويان أن البدائية أو الأمم المتوحشة بتعبير ابن خلدون تختلف عن البدو.
الأمم البدائية كما يرصدها علماء الإناسة، هي مجتمعات صغيرة ومعزولة، تعيش على الالتقاط والصيد، وهي مرحلة تسبق الزراعة واستئناس الحيوان. أما البدو فهم مجتمعات تحتك بالحضر ولا تنعزل عنهم، وتعتمد على رعي الإبل ومنتجاتها وتستخدم أدوات متطورة ولها ثقافة. فلا تنطبق عليها وصف البدائية
يصف ابن خلدون العرب أو البدو، بأنهم أمة وحشية، تعتمد على النهب، وليس لهم قيم وثقافة.. بينما البدو لهم عادات وتنظيمات اجتماعية، ولديهم قضاء وعهود ومواثيق، وإن كانت غير مكتوبة، لكنها موجودة ومن يخل بها يعاب ويستحقر وينبذ، وهم أهل فصاحة وشعر. وبهذا يتخلفون عن تصور ابن خلدون المتعسف.
يوضح الصويان مغالطة ابن خلدون حين جعل طور البداوة سابق على التحضر، بمعنى أن الأمم تمر مرحلة بداوة ثم تتحضر. وبنصه: "التمدن غاية للبدوي يجري إليها".. يشير الصويان أن الدراسات تثبت عكس هذا، فالإنسان عرف الزراعة قبل استئناس الحيوان، والبداوة لا تكون دون الاعتماد على الحيوان (الإبل).
والصحيح أن البداوة هي مرحلة سابقة على قيام الدولة.. فالدولة هي مرحلة متقدمة على البداوة والتحضر معا، والتحضر ليس هو الدولة، فقد توجد الحواضر ولا توجد الدولة، وفي الجزيرة العربية قبل قيام الدولة السعودية كانت توجد حواضر كثيرة ولم تكن هناك دولة.
ومن هنا خلط ابن خلدون، فهو يتكلم عن الحضارة أحيانا وهو يقصد الدول والممالك القائمة، وهذه مسألة مختلفة.. لذلك جاءت تنظيراته في هذا السياق معتلة، فيصف العلاقة بين البادية ومناطق الحاضرة وصفا فيه كثير من التسعف والبعد عن الواقع.
ابن خلدون يجعل العلاقة بين البدو والحضر هي علاقة عداء دائم، وتضاد حاد، وعدم توافق مطلق.. ولكن اذا ابتعدنا عن النموذج الخلدوني ونظرنا الواقع التاريخي، خصوصا في الجزيرة العربية، نجد أن البدو والحضر يجمعهما علاقات مشتركة، وتبادل منافع، وكل منهما يعتمد على الآخر ولا يستغني عنه..
فالبدو يستفيدون من الأواني والأسلحة والملابس من الحضر، كما أن الحضر يشترون الإبل ومنتجاتها من البدو ويستفيدون منهم في التنقل والترحال.. نعم قد تحدث العداوات والمعارك بين البدو والحضر، ولكن العدوات تقوم حتى بين مناطق الحاضرة نفسها. فتصور ابن خلدون للعلاقة العدائية بينهما مبالغ فيه
ومن النقاط اللافتة، التي لم يخالف فيها الصويان ابن خلدون فقط، ولكن خالف فيها نفسه.. فالصويان في كتابه الصحراء العربية -على عكس لقاءه الشهير مع المديفر- يرى أن القبيلة لا تتعارض مع الدولة، بل العكس يرى أن البدو أسرع اندماجا مع الدولة من الحضر.
فالبدو بحسب الصويان، جماعة حركية، تعودت على التنقل والتغير، وفيها قدر من البراغماتية، على عكس المناطق الحضرية التي يغلب عليها المحافظة. وبالتالي يرى الصويان أنهم قابلون للاندماج في الدولة.. وهو من باب أولى يخالف ابن خلدون الذي يرى:"أن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب"
@a_sraab7 فكيف يستقيم هنا أنه يقصد الأعراب وهو يتكلم عن "سائر الأمم"؟ ولو كنت فاضي لسردت لك أمثلة أخرى من كلام ابن خلدون تؤكد هذا الشيء..
جاري تحميل الاقتراحات...