عـبـدالـعـزيـز
عـبـدالـعـزيـز

@AbdulAziz_Mohd

219 تغريدة 12 قراءة Jan 25, 2023
١. هذه السلسلة هي الجزء الثالث من سلسلة ذو القرنين. و في هذه السلسلة سيكون كلامي من جانب تاريخي و الشبه بين ذو القرنين و الاسكندر و كورش. لمن لم يقرأ البداية، أدعوه لقراءة ما كتبته سابقا
👇
٢. أكثر الناس (سواء من أهل التفسير أو التاريخ أو غيرهم) عندما يقومون بالربط بين ذو القرنين بشخصية تاريخية فإنهم يربطونه بالاسكندر المقدوني الذي يُعدّ من أشهر ملوك التاريخ إن لم يكن الأشهر.
٣. المثير في الأمر ومن العجائب أن كلا من الإسكندر وكورش يمكنك الربط بينهما وبين ذو القرنين بروابط عديدة أذكر شيئا منها في هذه السلسلة، لكن لكي أكون واضحاً معك منذ البداية و اختصارا لك عزيزي القارئ، برأيي هذا التقارب والتشابه أليق أن يكون مع الاسكندر لوفرة المصادر التي تثبت ذلك.
٤. و إني عندما أقول أليق أعني تاريخيا فحسب. و قد ذكر أهل التفسير أدلة كثيرة جعلتهم يقولون أن ذو القرنين هو نفسه الاسكندر، و اختصر شيئا منها الفخر الرازي صاحب التفسير المعروف، و سأنقل لكم كلامه:
"قالوا والدليل عليه أن القرآن دل على أن الرجل المسمى بذي القرنين بلغ ملكه إلى أقصى
٥. المغرب بدليل قوله (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) وأيضاً بلغ ملكه أقصى المشرق بدليل قوله (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ) وأيضاً بلغ ملكه أقصى الشمال...
٦. بدليل أن يأجوج ومأجوج قوم من الترك يسكنون في أقصى الشمال (هذا كلام مهم للمهتمين بهيئة الأرض و خاصة الباحثين في الأرض المسطحة)، وبدليل أن السد المذكور في القرآن يقال في كتب التواريخ إنه مبني في أقصى الشمال فهذا الإنسان المسمى بذي القرنين في القرآن قد دل القرآن على أن ملكه...
٧. بلغ أقصى المغرب والمشرق وهذا هو تمام القدر المعمور من الأرض، ومثل هذا الملك البسيط لا شك أنه على خلاف العادات وما كان كذلك وجب أن يبقى ذكره مخلداً على وجه الدهر وألا يبقى مخفياً مستترا، والملك الذي اشتهر في كتب التواريخ أنه بلغ ملكه إلى هذا الحد ليس إلا الإسكندر وذلك لأنه لما
٨. مات أبوه جمع ملوك الروم بعد أن كانوا طوائف ثم جمع ملوك المغرب وقهرهم وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد إلى مصر فبنى الإسكندرية وسماها باسم نفسه ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل وورد بيت المقدس وذبح في مذبحه ثم انعطف إلى أرمينية وباب الأبواب ودانت له العراقيون...
٩. والقبط والبربر. ثم توجه نحو دارا بن دارا وهزمه مرات إلى أن قتله صاحب حرسه فاستولى الإسكندر على ممالك الفرس ثم قصد الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ورجع إلى خراسان وبنى المدن الكثيرة ورجع إلى العراق ومرض بشهرزور ومات بها.
١٠. فلما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلاً ملك الأرض بالكلية، أو ما يقرب منها، وثبت بعلم التواريخ أن الذي هذا شأنه ما كان إلا الإسكندر وجب القطع بأن المراد بذي القرنين هو الإسكندر بن فيلبوس اليوناني." و مثل هذا الكلام تجده عند أهل التفسير، و في كلام الرازي فوائد لأهل التاريخ...
١١. إن كل من الإسكندر وكورش يُعتبران من أقوى وأشهر ملوك التاريخ ولهم صولات وجولات في هذا العالم وكل واحد منهما كوّن إمبراطورية مترامية الأطراف إلا أن كورش قُتِل في معركة وقطعت رأسه كما في بعض الروايات التاريخية في حين أن الإسكندر لم يهزم في أية معركة!
١٢. بل انتصر في جميع معاركه ولم يُهزم قط واختلفت الأقوال في موته فمنهم من قال مات بالحمى والمرض، ومنهم من قال مات بالملاريا وقالوا مات بالسم وقالوا أيضاً مات بسبب فشل كلوي وغيرها من الأسباب.
١٣. الأمر المشترك بين الثلاثة، أعني ذو القرنين و الإسكندر وكورش هو القرنين، فإن الإكسندر في لوحات كثيرة وسكوك كانوا يرسمونه وعلى رأسه قرنين...
👇
١٤. وكذلك كورش التاج الذي كان يلبسه على رأسه له قرنان.
👇
١٥. لكن أيهما الأقرب من ناحية القرنين؟
الأقرب عندي هو الإسكندر، وذلك لأن التاج ذو القرنين كان يلبسه الملوك، وهذا ما يثبته لنا التاريخ والأدلة الأثرية، وستجد ملوكاً بهذا التاج وخاصة ملوك مصر وآلهة مصر و فارس وهذا التاج معروف في التاريخ المصري بتاج "همهم" أو "حمحم"...
١٦. وكتبوا كثيرا لسبب القرنين. فمن تلك الأسباب أنها هدية من الآلهة، ومن الأسباب أن لابس التاج قد مَلَك ما بين مشرق الشمس ومغربها وغيرها من الأسباب التي قيلت في معنى التاج ذو القرنين الذي يلبسه الملوك.. حتى في الشخصيات الخرافية تجدون أربابهم يلبسونها.
١٧. السبب الذي من أجله أقول إن مسألة القرنين أقرب للإسكندر فإن الإسكندر في الأساطير والخرافات عُرِفَ علاقته بالقرنين سواءً قرنان في رأسه، أو أذنان طويلان، أو أطراف رأسه أو شعره أو تاجه…الخ حيكت حول قرون الإسكندر الكثير من الأخبار تماماً كما قيل في قرني ذو القرنين كما نجد ذلك في
١٨. كتب التفاسير والتاريخ بخلاف كورش الذي ليس له أمر يذكر بالقرنين غير التاج الذي يلبسه في تمثاله المعروف. وليس هذا فحسب بل حتى بعض السكوك القديمة فيها صورة الإسكندر وفي رأسه قرنان وهذا ما لا نجده عند التحقيق والبحث فيما يخص كورش. أي ليس هناك أخبار فيما تحصّل لدي من أخبار أو
١٩. حديث يخص كورش والقرنين. للإستزادة في موضوع قرني الإسكندر يمكنك الرجوع لأبحاث الكاتب أندريه روني أنديرسون وبرانون ويلر.
٢٠. ومن العجيب أن الأساطير القديمة المتعلقة بالاكسندر فيها عجائب وأمور خارقة للعادة، بل النسخة السريانية من سيرة الإسكندر يقول العلماء أنها تعود للعصر الذي ظهر فيه الإسلام، ما بين حياة و وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان متداولاً بين النصارى والعرب.
٢١. والعجيب أن النسخة السريانية تختلف بعض الشيء عن النسخة اليونانية، وفيها قصص تتشابه إلى حد بعيد بقصة ذو القرنين لدرجة يمكنك أن تقول صعب جدا ألا يكون المقصود هو. ولكننا نعلم أنه قد يمكن أن يكون هناك تبادل معرفي بين المسلمين والنصارى وغيرهم ولعلهم أخذوا شيئاً من قصص القرآن
٢٢. و وضعوها في رواية الإسكندر و هم حقيقة يفعلون ذلك...
غير أن أكثر الباحثين وللأسف يظنون أن القرآن استعار من هذه النسخة وهذا غير صحيح فإننا كمسلمين نعلم أن الله يعلم السر وأخفى، ويعلم ما بال القرون الأولى وفي القرآن فيها تصحيحات تاريخية وتأكيدات لأحداث تاريخية وليس كما يريد
٢٣. الباحثين أن يُفهمونا بأنها سرقات يخدعون به العامة و الجهّال في هذه المواضيع. وهذه الشبهة عوّل عليها كثير من الباحثين ويمكن الرد عليها من أوجه كثيرة والأمر يسير جداً إلا أنه من سخافة هذه الشبهة لا أجدني بحاجة إلى ردّها ويكفي أن تقول أنه ليس هناك إجماعاً على تاريخ النسخة
٢٤. السريانية من سيرة الإسكندر عند كبارهم فضلا عن مجموعهم بل هناك عدد لا بأس به من الباحثين المحترمين الذين يعتبرون أنه يعود إلى عصر ما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.
٢٥. وليس هذا فحسب، بل إن كل من تخصص في تاريخ الإسكندر بشكل عام لابد أنه واجه إشكاليات عدة في قصص الإسكندر مما جعل البعض منهم يشكك في وجوده.
٢٦. في الحقيقة، إن الباحث في الأدب السرياني يجد فيها اقتباسات كثيرة من القصص الإسلامية التي كانت تدوّن في كتب التفاسير. فإني لست فقط أقول أن النسخة السريانية من سيرة الإسكندر هي بعد زمن نزول القرآن بل قد تكون أيضاً بعد زمن التفاسير الأولية والكلاسيكية للإسلام،
٢٧. ولست الوحيد الذي يقول هذا الكلام، راجع أبحاث وكتابات الخبير في تاريخ الأديان والدراسات الشرقية برانون ويلر صاحب كتاب أنبياء القرآن.
٢٨. كنت أقرأ في كتاب In His Name للكاتب كريستوفر ريس بالتحديد في المجلد الرابع ذكر فيه أن الإسكندر كان يُسمى باللغة الآرامية Tre-Qarnayia بالضبط ذو القرنين وهذا إن صح فهذا أمر مثير للاهتمام للحقيقة خاصة للذين يحبون القراءة في التاريخ
٢٩. وقد وضع باحث فرنسي اسمه بيير روسي في كتابه التاريخ الحقيقي للعرب ويذكر فيه أن الإسكندر ملك آرامي وأن اسم الإسكندر أيضاً اسم آرامي، نجد هذا في كتابه المذكور الذي ترجمة فريد جحا: “فالاسكندر كملك آرامي (سوري* يؤلف جزءاً من التقاليد العربية على الأقل.
٣٠. ويظهر أن غالبية شراح التاريخ ينسون ذلك. وتلاميذنا يرتكبون الخطأ نفسه متجاهلين أن شارلمان مثلاً لم يكن حصراً فرنسيا. و إن اسم "الاسكندر" أو اسكندر قد استمر اسماً يعطى للأطفال العرب) قبل الاسكندر وبعده) وإن هذا مثير للاهتمام...
٣١. إن الاسكندر اسم آرامي قديم خلق الإغريق انطلاقاً منه الكسندروس الذي كان يومذاك اسم الطروادي (باريس بن فريام). وعكس علماء الاشتقاق مرة أخرى الأمر… عكسوا الأدوار وأعطوا مشتقاً آرامياً لجذر كان - حسب ما يرون - إغريقياً، وهكذا وضعوا مرة أخرى العربة أمام الحصان.
٣٢. فإذا كان العرب قد سموا اسكندر فليسوا مدينين به لابن فيليب، إنه هو المدين لهم باسمه."
وعودة إلى الملك كورش، فمن الأسباب الرئيسة التي جعلت أبو الكلام آزاد والناس من بعده تَبَع أن يقولوا كورش هو ذو القرنين هي النبوءة التي في سفر دانيال في الإصحاح الثامن.
٣٣. قال أبو الكلام آزاد: “خطر ببالي مرة هذا التفسير لذي القرنين في القرآن، وأنا أطالع سفر دانيال ثم اطلعت على ما كتبه مؤرخو اليونان فرجـح عندي هذا الرأي، ولكن شهادة أخرى خارج التوراة لم تكن قد قامت بعد، إذ لم يوجد في كلام مؤرخي اليونان ما يلقي الضوء على هذا اللقب.
٣٤. ثم بعد سنوات لما تمكنت من مشاهدة آثار إيران القديمة ومن مطالعة مؤلفات علماء الآثار فيها زال الحجاب، فتقرر لديَّ بلا ريب أن المقصود بذي القـرنين ليس إلا كورش نفسه فلا حاجة بعد ذلك أن نبحث عن شخص آخر غيره".
٣٥. لنقرأ سفر دانيال الإصحاح الثامن: “فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ مُلْكِ بَيْلْشَاصَّرَ الْمَلِكِ، ظَهَرَتْ لِي أَنَا دَانِيآلَ رُؤْيَا بَعْدَ الَّتِي ظَهَرَتْ لِي فِي الابْتِدَاءِ...
٣٦. ٢. فَرَأَيْتُ فِي الرُّؤْيَا، وَكَانَ فِي رُؤْيَايَ وَأَنا فِي شُوشَانَ الْقَصْرِ الَّذِي فِي وِلاَيَةِ عِيلاَمَ، وَرَأَيْتُ فِي الرُؤيَا وَأَنَا عِنْدَ نَهْرِ أُولاَيَ. 3 فَرَفَعْتُ عَيْنَيَّ وَرَأَيْتُ وَإِذَا بِكَبْشٍ وَاقِفٍ عِنْدَ النَّهْرِ وَلَهُ قَرْنَانِ وَالقَرْنَانِ
٣٧. عَالِيَانِ، وَالْوَاحِدُ أَعْلَى مِنَ الآخَرِ، وَالأَعْلَى طَالِعٌ أَخِيرًا. 4 رَأَيْتُ الْكَبْشَ يَنْطَحُ غَرْبًا وَشِمَالًا وَجَنُوبًا فَلَمْ يَقِفْ حَيَوَانٌ قُدَّامَهُ وَلاَ مُنْقِذٌ مِنْ يَدِهِ، وَفَعَلَ كَمَرْضَاتِهِ وَعَظُمَ. 5 وَبَيْنَمَا كُنْتُ مُتَأَمِّلًا إِذَا
٣٨. بِتَيْسٍ مِنَ الْمَعْزِ جَاءَ مِنَ الْمَغْرِبِ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ وَلَمْ يَمَسَّ الأَرْضَ، وَلِلتَّيْسِ قَرْنٌ مُعْتَبَرٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ. 6 وَجَاءَ إِلَى الْكَبْشِ صَاحِبِ الْقَرْنَيْنِ الَّذِي رَأَيْتُهُ وَاقِفًا عِنْدَ النَّهْرِ وَرَكَضَ إِلَيْهِ بِشِدَّةِ
٣٩. قُوَّتِهِ. 7 وَرَأَيْتُهُ قَدْ وَصَلَ إِلَى جَانِبِ الْكَبْشِ، فَاسْتَشَاطَ عَلَيْهِ وَضَرَبَ الْكَبْشَ وَكَسَرَ قَرْنَيْهِ، فَلَمْ تَكُنْ لِلْكَبْشِ قُوَّةٌ عَلَى الْوُقُوفِ أَمَامَهُ، وَطَرَحَهُ عَلَى الأَرْضِ وَدَاسَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْكَبْشِ مُنْقِذٌ مِنْ يَدِهِ.
٤٠. 8 فتَعَظَّمَ تَيْسُ المَعْزِ جِدًّا. وَلَمَّا اعْتَزَّ انْكَسَرَ الْقَرْنُ الْعَظِيمُ، وَطَلَعَ عِوَضًا عَنْهُ أَرْبَعَةُ قُرُونٍ مُعْتَبَرَةٍ نَحْوَ رِيَاحِ السَّمَاءِ الأَرْبَعِ. 9 وَمِنْ وَاحِدٍ مِنْهَا خَرَجَ قَرْنٌ صَغِيرٌ، وَعَظُمَ جِدًّا نَحْوَ الْجَنُوبِ وَنَحْوَ
٤١. الشَّرْقِ وَنَحْوَ فَخْرِ الأَرَاضِي. 10 وَتَعَظَّمَ حَتَّى إِلَى جُنْدِ السَّمَاوَاتِ، وَطَرَحَ بَعْضًا مِنَ الْجُنْدِ وَالنُّجُومِ إِلَى الأَرْضِ وَدَاسَهُمْ. 11 وَحَتَّى إِلَى رَئِيسِ الْجُنْدِ تَعَظَّمَ، وَبِهِ أُبْطِلَتِ الْمُحْرَقَةُ الدَّائِمَةُ، وَهُدِمَ مَسْكَنُ
٤٢. مَقْدِسِهِ. 12 وَجُعِلَ جُنْدٌ عَلَى الْمُحْرَقَةِ الدَّائِمَةِ بِالْمَعْصِيَةِ، فَطَرَحَ الْحَقَّ عَلَى الأَرْضِ وَفَعَلَ وَنَجَحَ. 13 فَسَمِعْتُ قُدُّوسًا وَاحِدًا يَتَكَلَّمُ. فَقَالَ قُدُّوسٌ وَاحِدٌ لِفُلاَنٍ الْمُتَكَلِّمِ: «إِلَى مَتَى الرُّؤْيَا مِنْ جِهَةِ
٤٣. الْمُحْرَقَةِ الدَّائِمَةِ وَمَعْصِيَةِ الْخَرَابِ، لِبَذْلِ الْقُدْسِ وَالْجُنْدِ مَدُوسَيْنِ؟» 14 فَقَالَ لِي: «إِلَى أَلْفَيْنِ وَثَلاَثِ مِئَةِ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ، فَيَتَبَرَّأُ الْقُدْسُ». 15 وَكَانَ لَمَّا رَأَيْتُ أَنَا دَانِيآلَ الرُّؤْيَا وَطَلَبْتُ الْمَعْنَى، إِذَا
٤٤. بِشِبْهِ إِنْسَانٍ وَاقِفٍ قُبَالَتِي. 16 وَسَمِعْتُ صَوْتَ إِنْسَانٍ بَيْنَ أُولاَيَ، فَنَادَى وَقَالَ: «يَا جِبْرَائِيلُ، فَهِّمْ هذَا الرَّجُلَ الرُّؤْيَا». 17 فَجَاءَ إِلَى حَيْثُ وَقَفْتُ، وَلَمَّا جَاءَ خِفْتُ وَخَرَرْتُ عَلَى وَجْهِي.
٤٥. فَقَالَ لِي: «افْهَمْ يَا ابْنَ آدَمَ. إِنَّ الرُّؤْيَا لِوَقْتِ الْمُنْتَهَى». 18 وَإِذْ كَانَ يَتَكَلَّمُ مَعِي كُنْتُ مُسَبَّخًا عَلَى وَجْهِي إِلَى الأَرْضِ، فَلَمَسَنِي وَأَوْقَفَنِي عَلَى مَقَامِي.
٤٦. 19 وَقَالَ: «هأَنَذَا أُعَرِّفُكَ مَا يَكُونُ فِي آخِرِ السُّخَطِ. لأَنَّ لِمِيعَادِ الانْتِهَاءَ. 20 أَمَّا الْكَبْشُ الَّذِي رَأَيْتَهُ ذَا الْقَرْنَيْنِ فَهُوَ مُلُوكُ مَادِي وَفَارِسَ. 21 وَالتَّيْسُ الْعَافِي مَلِكُ الْيُونَانِ، وَالْقَرْنُ الْعَظِيمُ الَّذِي بَيْنَ
٤٧. عَيْنَيْهِ هُوَ الْمَلِكُ الأَوَّلُ. 22 وَإِذِ انْكَسَرَ وَقَامَ أَرْبَعَةٌ عِوَضًا عَنْهُ، فَسَتَقُومُ أَرْبَعُ مَمَالِكَ مِنَ الأُمَّةِ، وَلكِنْ لَيْسَ فِي قُوَّتِهِ. 23 وَفِي آخِرِ مَمْلَكَتِهِمْ عِنْدَ تَمَامِ الْمَعَاصِي يَقُومُ مَلِكٌ جَافِي الْوَجْهِ وَفَاهِمُ الْحِيَل
٤٨ ِ. 24 وَتَعْظُمُ قُوَّتُهُ، وَلكِنْ لَيْسَ بِقُوَّتِهِ. يُهْلِكُ عَجَبًا وَيَنْجَحُ وَيَفْعَلُ وَيُبِيدُ الْعُظَمَاءَ وَشَعْبَ الْقِدِّيسِينَ. 25 وَبِحَذَاقَتِهِ يَنْجَحُ أَيْضًا الْمَكْرُ فِي يَدِهِ، وَيَتَعَظَّمُ بِقَلْبِهِ. وَفِي الاطْمِئْنَانِ يُهْلِكُ كَثِيرِينَ،
٤٩. وَيَقُومُ عَلَى رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ، وَبِلاَ يَدٍ يَنْكَسِرُ. 26 فَرُؤْيَا الْمَسَاءِ وَالصَّبَاحِ الَّتِي قِيلَتْ هِيَ حَقٌّ. أَمَّا أَنْتَ فَاكْتُمِ الرُّؤْيَا لأَنَّهَا إِلَى أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ». 27 وَأَنَا دَانِيآلَ ضَعُفْتُ وَنَحَلْتُ أَيَّامًا، ثُمَّ قُمْتُ...
٥٠. وَبَاشَرْتُ أَعْمَالَ الْمَلِكِ، وَكُنْتُ مُتَحَيِّرًا مِنَ الرُّؤْيَا وَلاَ فَاهِمَ.."
٥١. موضع الشاهد (الكبش الذي رأيته ذا القرنين فهو ملوك مادي وفارس) وقالوا المقصود به هو كورش، وهذا غير كافٍ، وذلك لأن في النبوءة ملوك وليس ملك، وهذه النبوءة أيضا قيلت في الإسكندر أي أنه التيس ذو القرن المعتبر بين عينيه والذي هزم الكبش ذو القرنين، حتى ذكر يوسيفوس المؤرخ اليهودي
٥٢. ذلك في كتابه “آثار اليهود العتيقة” أنه بعد أن دخل الإسكندر أورشليم عرض الأحبار على الإسكندر الإصحاح الثامن من سفر دانيال، الذي يتحدث عن ما أخبره النبي دانيال من أن ملكًا إغريقيًا عظيمًا سوف يغزو أراضي الامبراطورية الفارسية وأن شاه فارس صاحب القرنين عظيم الشأن لن يقوى على
٥٣. الوقوف في دربه: “وَبَيْنَمَا كُنْتُ مُتَأَمِّلاً إِذَا بتَيْسٍ مِنَ الْمَعْزِ جَاءَ مِنَ الْمَغْرِبِ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ وَلَمْ يَمَسَّ الأَرْضَ، وَلِلتَّيْسِ قَرْنٌ مُعْتَبَرٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ. وَجَاءَ إِلَى الْكَبْشِ صَاحِبِ الْقَرْنَيْنِ الَّذِي رَأَيْتُهُ...
٥٤. وَاقِفًا عِنْدَ النَّهْرِ وَرَكَضَ إِلَيْهِ بِشِدَّةِ قُوَّتِهِ. وَرَأَيْتُهُ قَدْ وَصَلَ إِلَى جَانِبِ الْكَبْشِ، فَاسْتَشَاطَ عَلَيْهِ وَضَرَبَ الْكَبْشَ وَكَسَرَ قَرْنَيْهِ، فَلَمْ تَكُنْ لِلْكَبْشِ قُوَّةٌ عَلَى الْوُقُوفِ أَمَامَهُ، وَطَرَحَهُ عَلَى الأَرْضِ وَدَاسَهُ،
٥٥. وَلَمْ يَكُنْ لِلْكَبْشِ مُنْقِذٌ مِنْ يَدِهِ." ويظهر بأن الإسكندر طرب عند سماعه نبوءة تتعلق به، فأكرم اليهود، ومكث فترة في المدينة زار خلالها هيكل حيرود، ثم غادر وتابع طريقه جنوبًا.
٥٦. و لاحظ على خلاف ما قاله الدكتور عدنان إبراهيم بارك الله فيه في خطبته عن ذو القرنين وتأييده لرأي أبو الكلام آزاد أن ذو القرنين هو كورش، قال الدكتور (و لعله أخطأ) أن في النبوءة الكبش ذو القرنين راح شرقا وغرقا وشمالا وهذا غير صحيح ويخالف النص، بل النص هو التالي:
٥٧. ((رَأَيْتُ الْكَبْشَ يَنْطَحُ غَرْبًا وَشِمَالًا وَجَنُوبًا فَلَمْ يَقِفْ حَيَوَانٌ قُدَّامَهُ وَلاَ مُنْقِذٌ مِنْ يَدِهِ، وَفَعَلَ كَمَرْضَاتِهِ وَعَظُمَ. )) لكن بغض النظر عن هذه النبوءة يبقى كورش محل تعظيم عند أهل الكتاب عامة وذلك بسبب ما نجده في سفر إشعياء الإصحاح الخامس..
٥٨. والأربعين: “1 هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ لِمَسِيحِهِ، لِكُورَشَ الَّذِي أَمْسَكْتُ بِيَمِينِهِ لأَدُوسَ أَمَامَهُ أُمَمًا، وَأَحْقَاءَ مُلُوكٍ أَحُلُّ، لأَفْتَحَ أَمَامَهُ الْمِصْرَاعَيْنِ، وَالأَبْوَابُ لاَ تُغْلَقُ:
٥٩. ٢ "أَنَا أَسِيرُ قُدَّامَكَ وَالْهِضَابَ أُمَهِّدُ. أُكَسِّرُ مِصْرَاعَيِ النُّحَاسِ، وَمَغَالِيقَ الْحَدِيدِ أَقْصِفُ. 3 وَأُعْطِيكَ ذَخَائِرَ الظُّلْمَةِ وَكُنُوزَ الْمَخَابِئِ، لِكَيْ تَعْرِفَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ الَّذِي يَدْعُوكَ بِاسْمِكَ، إِلهُ إِسْرَائِيلَ.".
٦٠. و حاول بعض النصارى التشغيب على هذا الكلام بقولهم أن مسيح الله أو المختار ليس بالضرورة رجل صالح إنما رجل يستعمله الله لمهمة ما وهذا وإن كان محتملا لكن في السياق المذكور الذي يظهر فيه كورش ما يدل خلاف ما قالوا. ولمزيد من التفاصيل اقرأ كتابي (بلوغ مجمع البحرين...)
٦١. من هذه الجهة أو النظرة، أقول إن كورش فوق الإسكندر وأقرب إلى ذي القرنين لأنه ليس بين أيدينا في الكتابات المقدسة عند أهل الكتاب أن الإسكندر هو مسيح الرب أو مختاره أو شيء من هذا القبيل. ومعروف عن كورش أنه الملك الذي خلص اليهود من السبي البابلي وسمح لهم بالعودة إلى الأرض المباركة
٦٢. لنقرأ النصوص في سفر إشعياء الأول الإصحاح الخامس والأربعون منه: ”1هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ لِمَسِيحِهِ، لِكُورَشَ الَّذِي أَمْسَكْتُ بِيَمِينِهِ لأَدُوسَ أَمَامَهُ أُمَمًا، وَأَحْقَاءَ مُلُوكٍ أَحُلُّ، لأَفْتَحَ أَمَامَهُ الْمِصْرَاعَيْنِ، وَالأَبْوَابُ لاَ تُغْلَقُ:
٦٣. 2 «أَنَا أَسِيرُ قُدَّامَكَ وَالْهِضَابَ أُمَهِّدُ. أُكَسِّرُ مِصْرَاعَيِ النُّحَاسِ، وَمَغَالِيقَ الْحَدِيدِ أَقْصِفُ. 3 وَأُعْطِيكَ ذَخَائِرَ الظُّلْمَةِ وَكُنُوزَ الْمَخَابِئِ، لِكَيْ تَعْرِفَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ الَّذِي يَدْعُوكَ بِاسْمِكَ، إِلهُ إِسْرَائِيلَ.
٦٤. ٤ لأَجْلِ عَبْدِي يَعْقُوبَ، وَإِسْرَائِيلَ مُخْتَارِي، دَعَوْتُكَ بِاسْمِكَ. لَقَّبْتُكَ وَأَنْتَ لَسْتَ تَعْرِفُنِي. ٥ أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ. لاَ إِلهَ سِوَايَ. نَطَّقْتُكَ وَأَنْتَ لَمْ تَعْرِفْنِي. ٦ لِكَيْ يَعْلَمُوا مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ وَمِنْ مَغْرِبِهَا أَن
٦٥. ْ لَيْسَ غَيْرِي. أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ. ٧. مُصَوِّرُ النُّورِ وَخَالِقُ الظُّلْمَةِ، صَانِعُ السَّلاَمِ وَخَالِقُ الشَّرِّ. أَنَا الرَّبُّ صَانِعُ كُلِّ هذِهِ“. هذه العطايا والخطاب لا أظنه يكون مع ملك وثني مشرك بالله!
٦٦. والعجيب أننا نجد في بعض الأساطير والقصص عندنا (في أخبار المسلمين) أن ذو القرنين أوتي قوتين الظلمة والنور، فيسلّط على أعدائهما بهمها وهذا أيضاً قيل في سبب تسميته ذو القرنين، قارن هذا بقوله: (وأعطيك ذخائر الظلمة)!
٦٧. والعجيب أننا نجد تعبير الرؤيا كما في سفر دانيال المذكور عن الكبش ذو القرنين: ”٢٠. أَمَّا الْكَبْشُ الَّذِي رَأَيْتَهُ ذَا الْقَرْنَيْنِ فَهُوَ مُلُوكُ مَادِي وَفَارِسَ“. ملوك مادي وفارس والقارئ للتاريخ يعرف أن كورش غلب مادي وضمّها إلى امبراطوريته، الإمبراطورية الاخميدية.
٦٨. فهل يمكن أن يكون هذا أيضاً إحدى الاحتمالات التي يمكن أن يُقال أنه ذو القرنين؟ وأن الملوك المقصود بهم أبناء وأحفاد كورش؟
قد تقول ما السبب الذي جعل الناس يبحثون عن ذي القرنين في كتب أهل الكتاب؟ ولِمَ توجهت أنظارهم إلى كتب اليهود بادئ الأمر؟
٦٩. أقول سبب ذلك الرواية المشهورة التي فيها أن اليهود سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين، أعني هذه الرواية: "أن نفراً من اليهود جاؤوا يسألون النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن ذي القرنين، فأخبرهم بما جاؤوا له ابتداءً، فكان فيما أخبرهم به: أنه كان شاباً من الروم،
٧٠. وأنه بنى الإسكندرية، وأنه علا به ملك في السماء وذهب به إلى السد، ورأى أقواماً وجوههم مثل وجوه الكلاب“ وهذا الحديث ضعفه أهل الصنعة، ولعل مؤلف هذا الحديث أراد أن يربط بين ذو القرنين والإسكندر.
٧١. وأيضاً هذه الرواية: ”أنَّ اليهودَ أرسلَتْ إلى قُريشٍ أن سلوهُ عن أصحابِ الكهفِ وعن ذي القَرنَينِ وعن الرُّوحِ فإن أجاب عنها أو سكتَ فليسَ بِنَبِيٍّ وإن أجابَ عن بعضٍ وسكَتَ عن بعضٍ فهو نَبِيٌّ فبيَّنَ لهم القِصَّتَينِ وأبهم أمرَ الرُّوحَ وهو مُبهَمٌ في التَّوراةِ فنَدِموا...
٧٢. على سؤالِهِم“ هي أيضا ضعيفة ولا تصح. وهكذا جميع الروايات التي فيها سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين ليست صحيحة فيما أعلم.
والقرآن لم يُحدد لنا من السائل، وبما أنه لم يُحدد لنا وليس بين أيدينا رواية صحيحة يمكن الاعتماد عليها علمنا أنه لا يمكن القول على وجه
٧٣. التحديد أن اليهود هم السائلين. ولكن بغض النظر عن السائل، الذي نفهمه من آيات القرآن أن الناس كانوا يعرفون ذو القرنين، قد لا يكونون يعرفونه بالتفصيل لكن على الأقل سمعوا بهذا الاسم...
٧٤. ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ((وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا))
٧٥. من المثير أننا نجد في النسخة النصرانية لقصة الإسكندر والتي كانت مكتوبة باللغة الجعزية، السبب الذي من أجله سمي ذو القرنين بهذا الاسم، أنقلها لكم كما تناقلها المؤرخون منهم أندريه روني أنديرسون في بحثه عن ذو القرنين:
٧٦. “Then God, may He be blessed and exalted! put it into the heart of the Angel to call Alexander 'Two-horned,' And Alexander said unto him, 'Thou didst call me by the name Two-horned, but my name is Alexander and I thought that thou hadst cursed me by calling me by this name...
٧٧. The angel spake unto him, saying, 'O man, I did not curse thee by the name by which thou and the works that thou doest are known. Thou hast come unto me, and I praise thee because, from the east to the west, the whole earth hath been given unto thee”
٧٨. وهناك قصص أخرى تشبه القصة المذكورة، المثير في الأمر أن قصص قرني الإسكندر موجودة وتناقلها الناس، ولكن لا نجد مثل هذه القصص عن قرني كورش وهذا في صالح الإسكندر.
٧٩. وهناك تشابه آخر بين ذو القرنين والإسكندر وكورش، أما الإسكندر وكورش فكلاهما مذكوران في الكتابات اليهودية والنصرانية، وكلاهما حيكت حولهما الكثير من الأساطير. ولكن الأساطير والخرافات من مثل الصعود إلى الجنة، أو الذهاب إلى أرض الظلام أو اكتشاف ما تحت البحر من العجائب…الخ
٨٠. فكان من نصيب الإسكندر إذ تناقلت وذكرت هذه الأخبار العجيبة عنه في الكتب الخاصة بسيرته ولكن ليس بين أيدينا مثل هذه القصص العجيبة عن كورش. (و هذه القصص مهمة للمهتمين بمواضيع الأرض المسطحة)
٨١. بعض تلك الأساطير العجيبة والخرافية التي تتعلّق بالإسكندر قيل عنها أنها كانت قبل نزول القرآن وبعضها بعد نزول القرآن كما يقول المؤرخون. و في المقابل، لم يقع بين يدي أساطير لكورش حتى بعد نزول القرآن وانتشار الإسلام ما يمكن للمرء أن يقول مستنداً عليها،
٨٢. إن القصص والأساطير والخرافات الخاصة بكورش قريبة من ذو القرنين أو الإسكندر. عن نفسي، لم أجد أساطير تخص مقاتلة كورش ليأجوج ومأجوج أو بناء سد أو الذهاب إلى أرض الظلام أو أرض حمئة وما إلى ذلك ولكن أجد مثل هذا كثير في قصص الإسكندر.
٨٣. فإن قلنا أن هذه الأساطير العجيبة حيكت حول الإسكندر بعد ظهور الإسلام، وأنا لا أختلف مع هذا القول إلا أنه علينا أن نتساءل حينها، لِمَ لا نجد شيء يذكر بخصوص كورش في هذا الموضوع؟
٨٤. ألا يدل هذا أن المسلمين قديما لم يتناقلوا قصصاً عجيبةً عن كورش كما تناقلوها عن الإسكندر؟ ولهذا أقول أن الشبه الأكبر من ناحية القصص هي من حظ الإسكندر.
٨٥. وهناك أمر مشترك أيضاً بين الإسكندر وكورش، وهو فيما يتعلق بالسكوثيون أو الإصقوث، والذي يُقال أنهم من نسل يأجوج ومأجوج. أما مقاتلة الإسكندر للسكوثيون فهذا معروف تاريخياً، لكن بالنسبة لكورش فالمعروف أنه كان في قتال ضد الميسجات.
٨٦. والميسجات إحدى الجماعات البدوية الإيرانية مثل الساكا الذين كانوا منتشرين في منطقة سيكيثيا الواقعة بين شرق أوروبا وآسيا الوسطى وكذلك مثل سارماتيون الذين كانوا يقطنون الأجزاء الوسطى من السهوب الأوراسية وتعتبر هذه الجماعات الثلاثة التي ذكرتها لها ثقافة مشتركة مع الثقافة السكيثية
٨٧. ويكونون وحدة ومجموعة واحدة. قد تقول وما تفيدنا هذه المعلومات، أقول الفائدة أن بعض المؤرخين كيوسيفوس اليهودي المعروف بيوسيفوس فلافيوس كان يعتبر مأجوج قوم وهم السكوثيون. وهذا المؤرخ اليهودي عاش في القرن الأول الميلادي يقول:
٨٨. “Magog founded those that from him were called Magogites, but who by the Greeks called Scythians. ”
وليس هذا فحسب بل حتى هيرودوتس المؤرخ الإغريقي المعروف والذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد في تاريخه يعتبر الميسجات هم من جنس الإصقوس أو الإسكوث، اقرأ كلامه:
٨٩. “When Cyrus had achieved the conquest of the Babylonians, he conceived the desire of bringing the Massagetae under his dominion. Now the Massagetae are said to be a great and warlike nation, dwelling eastward, toward the rising of the sun,
٩٠. beyond the river Araxes, and opposite the Issedones. By many they are regarded as a Scythian race. ”
فهيرودوتس يؤكد أن الميسجات يعتبرون عند كثيرين من جنس الإصقوث وليس هذا فحسب بل قاتلهم في الشرق. وهذا فيه رد على القائلين بأن كورش لم يصل إلى الشرق.
٩١. ولكن علينا ألا ننسى أن كورش مات في قتاله الميسجات في حين أن الإسكندر خرج منتصرا ولم يُهزم في معركة قط. فإن كان كورش هو ذو القرنين فهل هذا يعني أنه مات قبل أن يُخلّص الناس من شرور يأجوج ومأجوج ببنائه السد؟ وفي هذه النقطة أيضاً الأرجح أن الإسكندر أقرب إلى قصة ذو القرنين.
٩٢. وأما بالنسبة للسد ففي الحقيقة لم أجد في كتب التاريخ المعروفة أو أقوال المتأخرين المعروفين أن كورش بنى سداً، إلا أن بعض الإخوة يزعمون ذلك ولا أدري في الحقيقة ما مصدرهم أو مُستندهم، أكثرهم يقولون بنى السد في ممر داريال وإنك إن تبحث عن صور هذا الممر لا تجد أي سد إلا أنهم يقولون
٩٣. أن هناك آثاراً تدل على السد. ولم أقع على نص في كتب التاريخ بعد ظهور الإسلام أو قبله ما يدل على أنه بنى سداً من نوع خاص، بخلاف الإسكندر الذي قصص بنائه للسد مشهورة جداً ومنتشرة بين شعوب الأرض وفي الكثير من الثقافات والكثير من القصص والأساطير والخرافات كتبت في سد الإسكندر.
٩٤. بل حتى في كتب التاريخ قبل ظهور الإسلام هناك بعض الأخبار في أنه بنى سداً حديدياً. مثال ذلك ما نجده في كتاب المؤرخ اليهودي يوسيفوس الذي ذكرته سابقاً:
٩٥. “. . . a nation of the Alans, whom we have previously mentioned elsewhere as being Scythians. . . travelled through a passage which King Alexander the Great shut up with iron gates”
٩٦. وأيضاً هناك مصدراً تاريخياً آخر قبل ظهور الإسلام وهو في رسائل جيروم إيرونيموس، والذي عاش في القرن الثالث الميلادي، وهو المترجم المعروف للأناجيل من اليونانية والعبرية إلى اللاتينية، وفي رسائله بالتحديد الرسالة السابعة والسبعون وهي متوفرة في العديد من المواقع النصرانية،...
٩٧. نجد التالي:
“The hordes of the Huns had poured forth all the way from Maeotis (they had their haunts between the icy Tanais and the rude Massagetae, where the gates of Alexander keep back the wild peoples behind the Caucasus).”
٩٨. وفي سفر حزقيل الإصحاح الثامن والثلاثون: "٢ «يَا ابْنَ آدَمَ، اجْعَلْ وَجْهَكَ عَلَى جُوجٍ، أَرْضِ مَاجُوجَ رَئِيسِ رُوشٍ مَاشِكَ وَتُوبَالَ، وَتَنَبَّأْ عَلَيْهِ" يفسّر جيروم أن ماجوج هم الإصقيث أو المعروفين بالسكوثيون. يمكنك مراجعة ذلك في تفسير الوعاظ أو بيلبوت، وكذلك في...
٩٩. تفسير تشارلس جون إليكوت للكتاب المقدس.
وأما فترة ظهور الإسلام وبعده فإن هناك مصادر كثيرة فيها أن الإسكندر بنى سدا عظيما ليمنع إفساد يأجوج ومأجوج في الأرض أو يحمي الناس من خطر يأجوج ومأجوج ولا داعي لنقلها كلها يمكنك مراجعة كتابي في هذا الموضوع.
١٠٠. فإذن حتى في موضوع السد، الأشهر تاريخياً هو سد الإسكندر وهذا أيضاً يجعل الإسكندر فيه شبه من جهة السد مع ذو القرنين بخلاف كورش الذي يفتقر إلى المصادر التي تذكر سده، هذا إن كان قد بنى سداً أصلاً. وأضف إلى ذلك أن هناك عدد من البوابات أو السدود التي يقال أن الإسكندر بناها،
١٠١. كبوابات الإسكندر في القوقاز والبوابات الحديدة في وسط آسيا Temir Kapig، وممر داريال وسور جرجان وهناك ممر آخر أيضاً له علاقة بالإسكندر وهو ممر خيبر وهو ممر جبلي في سلسلة جبال هندوكوش يصل بين باكستان وأفغانستان، العجيب أن هذا الممر استخدمه كل من كورش والإسكندر وكذلك المسلمون.
١٠٢. الكاتبة مارغريت كينج صاحبة كتاب: Unveiling The Messiah in the Dead Sea Scroll أكّدت أن ممر خيبر حيث كان السد المقصود في سورة الكهف وأن الهجوم على أفغانستان في عصرنا الحالي كان بداية فتح يأجوج ومأجوج! والحقيقة أن الحديث عن السد سيأخذني إلى مبحث طويل آخر،
١٠٣. لأن هناك عدة احتمالات وكل احتمال عليّ أن أذكر أدلة هذا الاحتمال أو أدلة تنفي أن يكون المكان هو نفسه المقصود في سورة الكهف وهذا سيطول جداً.
وأما عن كون الإسكندر وكورش بلغت حملاتهم غرباً وشرقاً فهذا يمكن حمله على الاثنان.
١٠٤. أما الإسكندر فحملاته بلغت المغرب والمشرق، المغرب لتخليصهم من حكم الفرس ومنها أيضاً واحة سيوا في القارة الإفريقية، وهذا أقصى ما وصله غرباً بالذي يعترف به المؤرخون، أما الشرق ففي حملات كثيرة ومعلوم لدى الناس بلوغه الهند.
١٠٥. وأما في الكتب الخاصة بسيرته وفي الأساطير النصرانية والسريانية وغيرها بعد ظهور الإسلام فرحلاته كثيرة بل فيها أنه حكم جميع الاتجاهات، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً. وفي الأساطير النصرانية بلغ مشرق الشمس وبلغ مغرب الشمس ووجدها تغرب في عين حمئة أو ماء نتنة.
١٠٦. وفي إحدى كتابات يعقوب السروجي السرياني المعروف ذكر الجدار والعين الحمئة، وما إلى ذلك ما يثبت ذلك، فمن ذلك ما نجده في كتاب:
“A Discourse Composed by Mar Jacob upon Alexander, the Believing King, and upon the Gate which he made against Gog and Magog”
١٠٧. الذي ترجمه المستشرق الإنجليزي واليس بودج، نجد فيه التالي:
“The place of his [the Sun's] rising is over the sea, and the people who dwell there, when he is about to rise, flee away and hide themselves in the sea, that they be not burnt by his rays; and he passes through
١٠٨. the midst of heaven to the place where he enters the window of heaven; and wherever he passes there are terrible mountains, and those who dwell there have caves hollowed out in the rocks, and as soon as they see the Sun passing [over them], men and birds flee away from
١٠٩. before him and hide in the caves. And when the Sun enters the window of heaven, he [it] straight away bows down and makes obeisance before God his Creator; and he travels and descends the whole night through the heavens, until at length he finds himself where he [the Sun]
١١٠. rises. So the whole camp mounted, and Alexander and his troops went up between the fetid sea and the bright sea to the place where the Sun enters the window of heaven; for the Sun is the servant of the Lord, and neither by night nor by day does he cease from his travelling"
١١١. ونجد قريباً من هذا في كتابات سريانية غير الذي نقلت، فإذن بلوغ الإسكندر مشرق الشمس ومغربها أمر مُسلّم به في الثقافة السريانية والغالب أنهم تأثروا بما هو مذكور في كتب التفاسير من أن الإسكندر هو ذو القرنين. أو تأثروا بقصة ذو القرنين من القرآن فنسبوها إلى الإسكندر، ثم من بعد
١١٢. ذلك نقل عنهم المفسرون وجعلوها في تفاسيرهم. وللإستزادة يمكنك الرجوع لأبحاث واليس بودج وأندريه روني وبرانون ويلر وأيضاً يمكنكم قراءة كتاب The Syriac Apocalypse of Daniel: Introduction, Text, and Commentary الذي كتبه ماثياس هينز، والذي فيه بعض التفاصيل وكذلك يمكنكم الرجوع
١١٣. لسيرة الإسكندر السريانية وقصائد الإسكندر ورسالته إلى أمه وما إلى ذلك من الكتابات الأسطورية التي تخص الإسكندر.
وأما عن كورش، فإن أخذنا أن النبوءة التي في سفر دانيال المقصود بالكبش ذو القرنين هو كورش فإننا نجد التالي: ”3فَرَفَعْتُ عَيْنَيَّ وَرَأَيْتُ وَإِذَا بِكَبْشٍ
١١٤. وَاقِفٍ عِنْدَ النَّهْرِ وَلَهُ قَرْنَانِ وَالقَرْنَانِ عَالِيَانِ، وَالْوَاحِدُ أَعْلَى مِنَ الآخَرِ، وَالأَعْلَى طَالِعٌ أَخِيرًا. 4 رَأَيْتُ الْكَبْشَ يَنْطَحُ غَرْبًا وَشِمَالًا وَجَنُوبًا فَلَمْ يَقِفْ حَيَوَانٌ قُدَّامَهُ وَلاَ مُنْقِذٌ مِنْ يَدِهِ، وَفَعَلَ
١١٥. كَمَرْضَاتِهِ وَعَظُم“َ. فكما ترى الكبش نطح غرباً وشمالاً وجنوباً وغير مذكور شرقاً، لكن يمكن أن يقال بأن كورش كان أصلاً من الشرق، وغلب ميديا التي كانت في الشرق فهنا ممكن أن يُقال أنه كانت لكورش رحلات شرقية. ولكن الأهم من ذلك بالنسبة لي هو النص المذكور في سفر إشعياء، والذي
١١٦. فيه أن كورش هو مسيح الله أو مختاره وأنه سيُمكنه، ونجد فيه التالي: ”٦. لِكَيْ يَعْلَمُوا مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ وَمِنْ مَغْرِبِهَا أَنْ لَيْسَ غَيْرِي. أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ“. لاحظ ذكر من مشرق الشمس ومن مغربها والسبب أن يعرف الناس أنه ليس هناك رب غير الله، وقارن
١١٧. هذا بقصة ذو القرنين في سورة الكهف، ستجد أن ذو القرنين كان هدفه أن يعبد الناس الله ويعملون صالحاً: ((قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ
١١٨. ۖ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88))). لكن في التاريخ والأساطير التي بين أيدينا فيما يخص كورش ليس فيه تشابه بالقدر الكافي مقارنة بروايات الإسكندر التي فيها تشابه وأحداث طبق التي تخص ذو القرنين.
١١٩. وأكتفي عند هذا القدر في ذكر الأمور المتشابهة بين ذو القرنين والإسكندر وكورش، وقد تبيّن لك أن الإسكندر أقرب أن يكون ذو القرنين من كورش، لكن بقي أمر مهم، مسألة الإيمان.
١٢٠. إحدى الأمور التي أُخِذت على الإسكندر أنه وثني ذو سيرة سيئة، وإن صحّت هذه التهم عليه وبالتحديد وثنيته فإذاً ليس ذو القرنين وانتهى الأمر. وأما كورش فهو مؤمن عند البعض ولكنه كذلك وثني عند بعض المؤرخين، وأما عن سيرة كورش فمعروف أنه كان متسامحاً وعنده قبول التعايش مع المختلف
١٢١. معه عقائدياً وفكرياً ما إلى ذلك وسأبين أن مثل هذا أيضاً كان من بعض ما يذكره الناس عن الإسكندر. قال ابن حجر يرد على رأي أن الإسكندر هو ذو القرنين:”الْإِسْكَنْدَر الْيُونَانِيّ كَانَ قَرِيبًا مِنْ زَمَن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، وَبَيْن زَمَن إِبْرَاهِيم وَعِيسَى أَكْثَر
١٢٢. مِنْ أَلْفَيْ سَنَة، وَالَّذِي يَظْهَر أَنَّ الْإِسْكَنْدَر الْمُتَأَخِّر لُقِّبَ بِذِي الْقَرْنَيْنِ تَشْبِيهًا بِالْمُتَقَدِّمِ لِسَعَةِ مُلْكه وَغَلَبَته عَلَى الْبِلَاد الْكَثِيرَة، أَوْ لِأَنَّهُ لَمَّا غَلَبَ عَلَى الْفُرْس وَقَتَلَ مَلِكهمْ اِنْتَظَمَ لَهُ مُلْك
١٢٣. الْمَمْلَكَتَيْنِ الْوَاسِعَتَيْنِ الرُّوم وَالْفُرْس فَلُقِّبَ ذَا الْقَرْنَيْنِ لِذَلِكَ. والْحَقّ أَنَّ الَّذِي قَصَّ اللَّه نَبَأَهُ فِي الْقُرْآن هُوَ الْمُتَقَدِّم. وَالْفَرْق بَيْنهمَا مِنْ أَوْجُه: أَحَدهَا: مَا ذَكَرْته. الثَانِي: أنّ الْإِسْكَنْدَر َكَانَ
١٢٤. كَافِرًا، وَكَانَ مُعَلِّمُهُ أَرَسْطَاطَالِيس، وَكَانَ يَأْتَمِر بِأَمْرِهِ، وَهُوَ مِنْ الْكُفَّار بِلَا شَكّ، الثَالِث: كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مِنْ الْعَرَب، وَأَمَّا الْإِسْكَنْدَر فَهُوَ مِنْ الْيُونَان“.
كما تلاحظ أن الثلاثة أسباب التي ذكرها يمكن أن تردّ،
١٢٥. فأما الأول الذي من أجله استنكر ابن حجر أن يكون هو نفسه الإسكندر بسبب الفارق الزمني بين ذو القرنين والإسكندر. وذلك بسبب القصص التاريخية التي فيها أن ذو القرنين قابل إبراهيم. أقول، جميع تلك المرويات فيما أعلم لا تصح سنداً وأما ما قاله أهل السير ففي قولهم الكثير من المؤاخذات.
١٢٦. أما السبب الثاني أنه كان كافراً فإن تحريف التاريخ أمر يسير وممكن وثابت في كثير من الأحيان، فإن ثبت في أحيان لِمَ لا يمكن أن يثبت هنا أيضاً؟ خاصة أن هذه القصص التاريخية لم تبلغ درجة التواتر إنما العادة في هذه القصص تكون الأخبار أحادية إن صحّ التعبير ثم تتواتر عن الأخبار
١٢٧. الأحادية وهكذا.
وأما السبب الثالث أن ذو القرنين كان من العرب فليس هناك أي دليل ديني (أي من النصوص الدينية) أو دليل تاريخي يمكن الاعتماد عليه لإثبات ذلك، ولعل ابن حجر رجّح أنه عربي بسبب الأشعار التي فيها ذكر ذو القرنين فظن أنه من العرب.
١٢٨. ومن ذا الذي يستطيع منا اليوم أن يؤكد أن هذه الأشعار كتبت أو قيلت قبل الإسلام؟ الغالب على الظن أن تلك الأشعار كانت بعد زمن نزول القرآن. يقول ابن تيمية: ”وليس هذا الإسكندر هو ذا القرنين المذكور في القرآن كما يظن ذلك طائفة من الناس،
١٢٩. فإن ذلك كان متقدمًا على هذا وذلك المتقدم هو الذي بنى سد يأجوج ومأجوج، وهذا المقدوني لم يصل إلى السد، وذاك كان مسلمًا موحدًا وهذا المقدوني كان مشركًا هو وأهل بلده اليونان كانوا مشركين يعبدون الكواكب والأوثان“. وأما كلام ابن تيمية فالرد عليه تماماً كالرد على ابن حجر،
١٣٠. و أما قوله أنه لم يصل السد، أقول إن كان ابن تيمية يعتمد على الأخبار والسير، فإنه لا يمكن أن ينكر كثرة الأخبار التي فيها أن الإسكندر بنى سداً وأما إن لم يكن يأخذ بها فنقول له لِمَ أخذت بالأخبار فيما قيل عنه من كونه مشرك؟ وأنه متقدم عن هذا وذاك؟
١٣١. والمفسّر محمد جمال الدين القاسمي في تفسيره محاسن التأويل يناقش موضوع إيمان الإسكندر فقال: "في ذي القرنين. اتفق المحققون على أن اسمه الإسكندر بن فيلبس، وقال ابن القيم في "إغاثة اللهفان" في الكلام على الفلاسفة: ومن ملوكهم الإسكندر المقدوني وهو ابن فيلبس، وليس بالإسكندر
١٣٢. ذي القرنين الذي قص الله تعالى نبأه في القرآن. بل بينهما قرون كثيرة وبينهما في الدين أعظم تباين. فذو القرنين كان رجلاً صالحاً موحداً لله تعالى يؤمن بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وكان يغزو عبّاد الأصنام وبلغ مشارق الأرض ومغاربها.
١٣٣. وبنى السد بين الناس وبين يأجوج ومأجوج. وأما هذا المقدونيّ، فكان مشركاً يعبد الأصنام هو وأهل مملكته. وكان بينه وبين المسيح نحو ألف وستمائة سنة. والنصارى تؤرخ له. وكان أرسطاطاليس وزيره. وكان مشركاً يعبد الأصنام. انتهى كلامه (أي كلام ابن القيم)
١٣٤. وفيه نظر فإن المرجع في ذلك هم أئمة التاريخ وقد أطبقوا على أنه الإسكندر الأكبر ابن فيلبس باني الإسكندرية بتسعمائة وأربع وخمسين سنة قبل الهجرة وثلاثمائة واثنين وثلاثين سنة قبل ميلاد عيسى عليه السلام. وقد أصبح ذلك من الأوليات عند علماء الجغرافيا.
١٣٥. وأما دعوى أنه كان مشركاً يعبد الأصنام فغير مُسَلَّم، وإن كان قومه وثنيين؛ لأنه كان تلميذاً لأرسطاطاليس. وقد جاء في ترجمته- كما في طبقات الأطباء وغيرها -أنه كان لا يعظم الأصنام التي كانت تعبد في ذلك الوقت وأنه بسبب ذلك نسب إلى الكفر وأُريد السعاية به إلى الملك.
١٣٦. فلما أحس بذلك شخص عن أثينا؛ لأنه كره أن يبتلى أهلها بمثل ما ابتلوا به سقراطيس معلم أفلاطون. فإنه كان من عبادهم ومتألهيهم. وجاهرهم بمخالفتهم في عبادة الأصنام. وقابل رؤساءهم بالأدلة والحجج على بطلان عبادتها. فثوروا عليه العامة واضطروا الملك إلى قتله. فأودعه السجن ليكفهم عنه.
١٣٧. ثم لم يرض المشركون إلا بقتله. فسقاه السم خوفاً من شرهم، بعد مناظرات طويلة جرت له معهم. كما في (طبقات الأطباء وتراجم الفلاسفة) فالوثنية، وإن كانت دين اليونانيين واعتقاد شعبهم، إلا أنه لا ينافي أن يكون الملك وخاصته على اعتقاد آخر يجاهرون به أو يكتمونه.
١٣٨. كالنجاشي ملك الحبشة. فإنه جاهر بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وشعبه وأهل مملكته كلهم نصارى. وهكذا كان الإسكندر وأستاذه والحكماء قبله. فإن الممعن في تراجمهم يرى أنهم على توحيد وإيمان بالمعاد. قال القاضي صاعد: كان فيثاغورس -أستاذ سقراط - يقول ببقاء النفس وكونها فيما
١٣٩. بعد، في ثواب أو عقاب على رأي الحكماء الإلهيين. فتأمل قوله على رأي الحكماء الإلهيين يتحقق ما ذكرناه.
وأما قول الفخر الرازي: إن في كون الإسكندر ذا القرنين إشكالاً قويّاً.
وهو أنه كان تلميذ أرسطاطاليس الحكيم وكان على مذهبه، فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطاطاليس
١٤٠. حق وصدق. وذلك مما لا سبيل إليه) فلا يخفى دفع هذا اللزوم. فإن من كان تابعاً لمذهب فمدح لأمر مَّا يوجب مدحه لأجله، فلا يلزم أن يكون المدح لأجل مذهبه ومتبوعه. إذ قد يقوم فيه من الخلال والمزايا ما لا يوجد في متبوعه. وقد يبدو له من الأنظار الصحيحة ما لا يكون في مذهبه الذي نشأ
١٤١. عليه مقلداً. أفلا يمكن أن يكون حراً في فكره ينبذ التقليد الأعمى ويعتنق الحق. ومن آتاه الله من الملك ما آتاه، أفيمتنع أن يؤتيه من تنور الفكر وحرية الضمير ونفوذ البصيرة ما يخالف به متبوعه؟ هذا على فرض أن متبوعه مذموم. وقد عرفت أن متبوعه (أعني أرسطاطاليس)، كان موحداً.
١٤٢. وهو معروف في التاريخ لا سترة فيه. على أنه لو استلزمت الآية مدح مذهب أستاذه لكان ذلك في الأصول التي هي المقصودة بالذات، وكفى بهما كمالاً. وللرازي فرض يغتنم بها التنويه بالحكماء والتعريف لمذهبهم، وهذه منها. وإن صبغها - سامحه الله - في هذا الأسلوب. عرف ذلك من عرف.
١٤٣. على كل، لا يجب علينا التسليم للرأي الذي يقولون فيه أن الإسكندر هو وثني أو كورش وثني، علينا التثبّت. ففي بعض كتابات اليهود نجد أنهم اعتبروا الإسكندر ملكاً مؤمناً يسجد لله ويقدم القرابين في المعبد، راجع كتاب آثار اليهود العتيقة للمؤرخ اليهودي يوسيفوس الذي ستجد فيه التالي:
١٤٤. “Now Alexander, when he had taken Gaza, made haste to go up to Jerusalem; and Jaddua the high priest, when he heard that, was in an agony, and under terror, as not knowing how he should meet the Macedonians, since the king was displeased at his foregoing disobedience.
١٤٥. He therefore ordained that the people should make supplications, and should join with him in offering sacrifice to God, whom he besought to protect that nation, and to deliver them from the perils that were coming upon them; whereupon God warned him in a dream,
١٤٦. which came upon him after he had offered sacrifice, that he should take courage, and adorn the city, and “pen the gates; that the rest should appear in white garments, but that he and the priests should meet the king in the habits proper to their order, without the dread of
١٤٧. any ill consequences, which the providence of God would prevent. Upon which, when he rose from his sleep, he greatly rejoiced, and declared to all the warning he had received from God. According to which dream he acted entirely, and so waited for the coming of the king.
١٤٨. And when he understood that he was not far from the city, he went out in procession, with the priests and the multitude of the citizens. The procession was venerable, and the manner of it different from that of other nations. It reached to a place called Sapha, which name,
١٤٩. translated into Greek, signifies a prospect, for you have thence a prospect both of Jerusalem and of the temple. And when the Phoenicians and the Chaldeans that followed him thought they should have liberty to plunder the city, and torment the high priest to death,
١٥٠. which the king's displeasure fairly promised them, the very reverse of it happened; for Alexander, when he “saw the multitude at a distance, in white garments, while the priests stood clothed with fine linen, and the high priest in purple and scarlet clothing,
١٥١. with his mitre on his head, having the golden plate whereon the name of God was engraved, he approached by himself, and adored that name, and first saluted the high priest. The Jews also did all together, with one voice, salute Alexander, and encompass him about;
١٥٢. whereupon the kings of Syria and the rest were surprised at what Alexander had done, and supposed him disordered in his mind.
However, Parmenio alone went up to him, and asked him how it came to pass that, when all others adored him, he should adore the high priest of
١٥٣. the Jews? To whom he replied, "I did not adore him, but that God who hath honored him with his high priesthood; for I saw this very person in a dream, in this very habit, when I was at Dios in Macedonia, who, when I was considering with myself how I might obtain the
١٥٤. dominion of Asia, exhorted me to make no delay, but boldly to pass over the sea thither, for that he would conduct my army, and would give me the dominion over the Persians; whence it is that, having seen no other in that habit, and now seeing this person in it,
١٥٥. and remembering that vision, and the exhortation which I had in my dream, I believe that I bring this army under the Divine conduct, and shall therewith conquer Darius, and destroy the power of the Persians and that all things will succeed according to what is in my own mind
١٥٦. And when he had said this to Parmenio, and had given the high priest his right hand, the priests ran along by him, and he came into the city. And when he went up into the temple, he offered sacrifice to God, according to the high priest's direction, and magnificently
١٥٧. treated both the high priest and the priests.
And when the Book of Daniel was showed him 23 wherein Daniel declared that one of the Greeks should destroy the empire of the Persians, he supposed that himself was the person intended. And as he was then glad, he dismissed
١٥٨. the multitude for the present; but the next day he called them to him, and bid them ask what favors they pleased of him; whereupon the “high priest desired that they might enjoy the laws of their forefathers, and might pay no tribute on the seventh year.
١٥٩. He granted all they desired. And when they entreated him that he would permit the Jews in Babylon and Media to enjoy their own laws also, he willingly promised to do hereafter what they desired. And when he said to the multitude, that if any of them would enlist themselves
١٦٠. in his army, on this condition, that they should continue under the laws of their forefathers, and live according to them, he was willing to take them with him, many were ready to accompany him in his wars ”
انتهى كلام يوسيفوس المؤرخ اليهودي والذي نفهم منه
١٦١. أن الإسكندر كان مؤمناً بالله وهو كما ذكرت في السابق من القرن الأول الميلادي، ولا يمكن للمؤرخين الذين يؤكدون أن الإسكندر كان مشركاً تجاهل كتابات يوسيفوس لأنهم يعرفون مكانته في التاريخ. بالتأكيد يمكن إنكار القصة التي ذكرها يوسيفوس والزعم أنّها من تأليفه لصالح اليهود أو
١٦٢. لإظهار عظمة رب اليهود، ولكن أظن أن مثل هذا الإدعاء ينقصه الدليل، إذ أن تاريخ يوسيفوس يعتبر مصدراً من مصادر تاريخية الإسكندر عند التحقيق وذلك لأن أقدم كتابة عثرت عن سيرة الإسكندر هي اليونانية والتي تعود إلى القرن الثالث الميلادي في حين أن كتاب يوسيفوس كتب قبل قرنين من
١٦٣. السيرة اليونانية. على كل، ما نقلته من كلام يوسيفوس ليس هو النص الوحيد الذي في صالح الإسكندر، إذ أن هناك نص آخر في كتاب يوسيفوس ما يثبت أن مثل (المعجزة) وقعت للإسكندر بمشيئة الله، وذلك بعد أن كتب عن آية انفلاق البحر لموسى وبني إسرائيل عندما خرجوا من مصر، وأظنّه ذكر من واقعة
١٦٤. الإسكندر كي لا يستنكر عليه الناس ما ذكره من قصة انفلاق البحر لموسى عليه السلام.
“As for my self, I have delivered every part of this history as I found it in the sacred Books. Nor let any one wonder at the strangeness of the narration; if a way were discovered to those
١٦٥. men of old time, who were free from the wickedness of the modern ages: whether it happened by the will of God, or whether it happened of its own accord. While, for the sake of those that accompanied Alexander, King of Macedonia, who yet lived, comparatively,
١٦٦. but a little while ago, the Pamphylian Sea retired, and afforded them a passage through it self, when they had no other way to go. I mean when it was the will of God to destroy the monarchy of the Persians. And this is confessed to be true by all that have written about the
١٦٧. actions of Alexander. But as to these events, let every one determine as he pleases. ”
وقريب من حكاية الإسكندر ودخوله أورشليم كما حكاها يوسيفوس، نجد قصة مشابهة في التلمود تحكي خبر الإسكندر لكن ليس مع Jaddua وإنما مع شمعون الصادق أو Simeon The Righteous وربما هناك خلط في
١٦٨. التلمود إذ أن هناك علاقة بين Jaddua وSimeon The Righteous الأول إذ كان Jaddua جده. والقصة أيضاً موجودة في Leviticus Rabbah والموضع الذي أريد أن أستشهد به هو اثبات أن الإسكندر كان مؤمناً أو على الأقل صار مؤمناً، هو التالي:
١٦٩. When Alexander Macedon would see Simon the Righteous, he said: “Blessed is the God of Simon the Righteous”.
وكذلك في سيرة الإسكندر الإثيوبية وبعض المصادر النصرانية بعد أن رأى الإسكندر الكهنة سألهم عن الرب الذي يعبدونه، أنقل النص الذي يخص موضوعنا:
١٧٠. The Priest said to Alexander: “We serve the one God who made heaven and earth, and all things seen and unseen. No man is able to interpret him. ” to this Alexander said: “Go in peace, worthy worshippers of the truly great God, go.
١٧١. Your God shall be my God and my peace shall be with you. I shall not invade you as I have done to other nations, because you serve the living God.” The the Jews too an abundance of money in gold and brought it to Alexander.
١٧٢. But he refused to take it, saying: “Let this, together with the sum set apart by me, be tribute to the Lord God. But I will not take anything from you”.
للإستزادة يمكنكم مراجعة كتابي إذ وضعت فيه بعض التفاصيل الاضافية النسخة الكبيرة منه.
١٧٣. من القصة يتبين لنا أن الإسكندر على الأقل بعد هذه الحادثة آمن بالله، وأضف إلى ذلك أن في هذه القصة، امتنع الإسكندر أن يأخذ من اليهود الذهب وهذا أيضاً فيه تشابه بينه وبين ذو القرنين عندما امتنع أن يأخذ خرج القوم.
١٧٤. وأيضاً في سفر يوسيفون الكتاب التاريخي وهو غير كتاب يوسيفوس نجد ما يثبت إيمان الإسكندر بالله:
“Blessed is the Lord, the God of this temple. For I knew long ago that he is the master of all, and that his dominion is over all,
١٧٥. and that the soul of every living creature is in his hand for death and life. And fortunate are you, his servants, who minister before him in this place. ”
وهناك كتابات أخرى قالوا عن الإسكندر أنه من صالحي الملوك غير اليهود (جينتايل) أو الغرباء.
١٧٦. وكذلك في بعض كتابات النصارى جعلوه قديساً أو ملكاً مؤمناً، ومرة قرأت أنهم جعلوه ملكاً نصرانياً مؤمناً بالمسيح ومعترفاً بكون المسيح ابن الله وأنه لو ظهر في زمنه لعبده هو وجنده وهذا للأسف عادة النصارى في تأليف مثل القصص لترويج فكرة المسيح ابن الله تعالى الله عما يقولون
١٧٧. علواً عظيماً. وقبل أن أنسى، هناك عدة نصوص في سفر يوشع بن نون النسخة السامرية فيها أخبار تثبت أن الإسكندر كان مؤمناً بالله، أو على الأقل معترفاً به كرب الأرباب.
١٧٨. وجعل بعض المؤرخين السبب الذي من أجله غيرت اليهود رأيها في الإسكندر أنه لما مُكّن في الأرض وصار عظيماً قالوا كيف يجعل الله من إنسان مشرك أو غير سوي السيرة هذا التمكين؟ فقالوا لابد أنه مؤمن وملك صالح فمن أجل ذلك غيّرت اليهود نظرتها عنه بعد أن كانوا يتناولونه بالسخرية.
١٧٩. وهذا الرأي قد يكون صحيحاً وقد لا يكون، والذي أرجحه أن رأي المؤرخين غير صحيح وذلك لأن اليهود من التوراة يعرفون أن هناك ملوك غير مؤمنين كانت لهم السيطرة والنفوذ كفرعون مصر مثلاً. وهذا يمكن أن يُردّ بسهولة فيُقال أن التاريخ لم يكن دقيقاً ويمكن أن يكون محرفاً،
١٨٠. أليس أكثر المسلمين اليوم على أن التوراة محرّفة وأن اليهود جعلوا من نبي عظيم كهارون صانع عجل وجعلوا من سليمان مشركاً، فإن كان ذلك حقاً واستطاعوا ذلك فما بالك بالإسكندر؟
١٨١. وميثاق أو عهد الإسكندر المعروف، أعني خطبته الشهيرة في أوبيس، توحي بأنه كان له فكر لا يبعد إن وصفناه بالمتسامح والإنساني، أنقل لكم كلام الإسكندر كما تناقله أهل التاريخ:
١٨٢. “Now that the wars are coming to an end, I wish you all to prosper in peace. From now on, may all mortals live as one people, in fellowship, for the good of all.
١٨٣. See the whole world as your homeland, with laws common to all, where the best will govern regardless of their race. Unlike the narrow-minded, I make no distinction between Greeks and Barbarians. I am not interested in the origin of the citizens, or the race into which they
١٨٤. were born. I have only one criterion by which to distinguish them: their virtue.
For me, any good foreigner is a Greek and any bad Greek is worse than a Barbarian. If disputes ever arise among you, do not resort to weapons, but solve them peacefully.
١٨٥. If needed, I will arbitrate between you. See God, not as an autocratic despot, but as the common father of all so that your conduct will be like the life of siblings of the same family.
١٨٦. I, on my part, see you all as equal, whether you are white or dark-skinned. And I wish you all to be not only subjects of the Commonwealth, but members of it, partners of it.
١٨٧. To the best of my ability, I will strive to do what I have promised. Let us hold onto the oath we have taken tonight with our libations as a Contract of Love”
١٨٨. وأيضاً لا ننسى أن الإسكندر عندما غلب الملك الإخميني داريوس الثالث في معركة إسوس أسر أم داريوس والتي تعرف باسم سيسيقمبيز وزوجة داريوس المعروفة بستاتيرا الأولى وابنتها كذلك وعاملهم أحسن معاملة.
١٨٩. بل نجد في بعض كتب التاريخ أنه عندما كان يخاطب أم داريوس سيسيقمبيز كان يناديها ”أمي“ وهذه الأم أعني سيسيقمبيز بالرغم من أن الإسكندر غلب ابنها داريوس إلا أنها بكته (أي عند موت الإسكندر) بكاءً شديداً ويقال أنه ماتت حزناً من أجل الإسكندر. وكذلك بعض النسوة اللاتي أسرهن
١٩٠. ومثل هذه القصص منثورة في سير الإسكندر المختلفة ويمكنك العثور عليها بسهولة.
المشكلة في الكتابات التاريخية، أن التاريخ يكتبه المنتصر في العادة أو المتأخر وكثير من الكتابات التاريخية تكون متأثرة بتحيّز أصحابها. فإن كان أهل الرواية والحديث يختلفون على الحديث الواحد اختلافاً
١٩١. عظيماً فما بالك بأهل السير والتاريخ؟ الاختلاف بلا شك أعظم ولهذا كثرت التحقيقات التاريخية والكتابات التاريخية. ولا تكاد تجد تاريخاً مهماً من تاريخ البشرية إلا وقد وجدت الضد منه. وهذا يثبته القرآن لك ويكفيك أن تقرأ ما يقوله أهل التاريخ في محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
١٩٢. لتعرف أنهم اختلفوا في إنسان لا يشكّ فيه إنسان عاقل ومُنصف منزوع الأهواء الخبيثة، فما بالك بمن سبقوا زمن الرسول صلى الله عليه وسلم بمئات السنين وسيرهم لا تقارب سيرة الرسول الأمين! و في التغريدات القادمة سأنتقل لموضوع آخر له علاقة بذي القرنين و الاسكندر...
١٩٣. لا أدري إن كنت مصيباً لكني وجدت القصص الثلاثة المشهورة في سورة الكهف، أعني قصة أصحاب الكهف وقصة موسى والعبد الذي أوتي من ربه رحمةً وعلماً وقصة ذو القرنين ويأجوج ومأجوج، هذه القصص الثلاث وجدت هناك علاقة بينها وبين قصص الإسكندر في كتب التاريخ والقصص الشعبية عند بعض الشعوب.
١٩٤. فمن بينها أن في بعض المتخيّل التاريخي، إن الإسكندر هو من اكتشف السبعة النيام (أصحاب الكهف). وكثير من المؤرخين يقولون كهف السبعة النيام في مدينة إفسوس وهي من المدن الإغريقية القديمة تقع غرب الأناضول وكانت تحت حكم الفرس ثم دخلها الإسكندر متغلباً،
١٩٥. وفيها كانت المسيحية منتشرةً وقيل أن الكهف المقصود في سورة الكهف يقع فيها، وبما أن المسيحة غالبة فيها، فلهذا تجد بعض الأساطير التي تربط بين قصة أصحاب الكهف والإسكندر.
١٩٦. وكذلك قصة موسى مع العبد الصالح تشبه القصة المشهورة للإسكندر إذ كان مع طبّاخه و لكي لا أطيل أكثر مما أطلت، من أراد الاستزادة فليقرأ كتابي (بلوغ مجمع البحرين و أسباب ذي القرنين) إذ حشرت فيه طرفا من هذه القصص.
١٩٧. في القصة طباخ الإسكندر هو من اكتشف مكان ماء الحياة وهذا يشبه إلى حد بعيد قصة موسى وفتاه: ((قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ۚ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا))
١٩٨. العجيب أننا في بعض الأساطير الفارسية من سيرة الإسكندر نجد أن واقعة الإسكندر للبحث عن ماء الحياة أو ينبوع الحياة كان قبل وصوله إلى أرض الظلمات، وفي سورة الكهف بعد واقعة موسى والخضر نجد قصة ذو القرنين مع يأجوج ومأجوج. ألا يثيرك هذا عزيزي القارئ؟
١٩٩. مما سبق يتبين أن هناك قصص تخص الإسكندر تشبه القصص المذكورة في سورة الكهف، وفي الحقيقة لم أجد لكورش أي أسطورة أو قصة أستطيع أن أقول فيها تشابه بينها وبين قصص ذو القرنين غير ما ذكرت، فإن سلّمنا لأهل التاريخ وقلنا هذه القصص قبل القرآن
٢٠٠. (وهي ليست كذلك عند التحقيق لكن تنزلاً عند رغبات الكارهين) فهل هناك رسالة في القرآن بخصوص هذا الموضوع؟ هل الله العليم الحكيم يُصحح للناس التاريخ كما يصحح في كثير من الأحيان في كتابه (مثل قصة عجل بني إسرائيل، وإيمان سليمان، وأنه خلق السماوات والأرض من دون أن يمسه لغوب)؟
٢٠١. فإن قالوا لا بل القرآن استفاد من هذه القصص فهذا من السخف بما كان، وذلك لأن القرآن في آياته دلالات على أن مُنزله يعرف التاريخ ويعرف القصص ويعرف الوقائع بل ويعرف الغيب وما ستؤول إليه الأحداث ذلك استناداً فقط على التاريخ والقصص القرآني. ف
٢٠٢. هل كاتب القرآن إن لم يكن الله عز وجل سيخاطر ويأخذ هذه القصص وهي كانت معروفة ومنتشرة بين الناس؟ ألم يكن من السهل الطعن في الرسول صلى الله عليه وسلم حينها فيُقال له هذه القصص معروفة لدينا في هذا الكتاب أو ذاك؟ وخاصة أن الروم كانوا يحكمون أيامها!
٢٠٣. وأن القرآن سجّل شبهاتهم وردّ عليها خير ردّ.
وبما أننا لم نجد في أية رواية عربية كانت أو غير عربية، إسلامية أو غير إسلامية، علمنا أنّهم إما لم يكونوا يعرفون تفاصيل هذه الأخبار فأخبرهم الله ليدل على إحاطة علمه، أو أنهم كانوا يعرفونها وينسبونها كذبا إلى الإسكندر فصحّح لهم
٢٠٤. العليم الخبير ذلك وأعاد كل قصة إلى مكانها وشخصياتها وأحداثها الصحيحة كما صحح لأهل الكتاب من أمر المسيح بن مريم. وهذا بحد ذاته من الأدلة على أن هذا القرآن مُنزّل من عند الله وأنه كتاب عزيز.
٢٠٥. وشبهة الشانئين الإسلام لا تستقيم إذ أنهم يفترضون فرضية ثم يبنون عليها، فيقولون إن محمداً (رسول الله صلى الله عليه) أخذ هذه القصص من الأساطير والخرافات، أترى كيف وقعوا في إشكالية منطقية كبيرة؟ قد تقول وكيف ذلك؟ أقول، قبل أن تفترض ذلك عليك أن تُثبت أن القرآن كلام بشر،
٢٠٦. ثم بعد ذلك تقوم بتحديد هذا البشري الذي ألّف القرآن ثم تبدأ في البحث إن كان هناك سرقة كما يزعمون، وأنى لهم ذلك بل لا يمكنهم بأي شكل من الأشكال وبأي حجة عقلية ومنطقية اثبات أن القرآن كلام بشر؟ لا يمكن ذلك عند التحقيق لمن لم ينتحر عقلياً،
٢٠٧. أما المنتحر عقلياً فليقل ما يشاء ولسنا نبالي بما يقول.
ثم إن هذه التهمة التي يستخدمها رشيد و من مثله ليست جديدة، بل هي قديمة ومُسجلة في القرآن، ألسنا نجد هذه الآية في القرآن:
٢٠٨. ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ۖ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)
٢٠٩. قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (6))) فإن هذه التهمة كانت موجودة زمن نزول القرآن، فإن كانت موجودة وعلى فرض أن هذا الكتاب المنزل هو كتاب كتبه بشر، فهل كان هذا الإنسان ليخاطر ويزيدهم من هذه القصص في
٢١٠. القرآن مثل التي نجد في سورة الكهف؟ لم يكن ليخاطر بذلك والتهمة ضده كانت عند الكفار، ولكن بما أن القرآن لم يكف عن ذكر هذه الأخبار والقصص يدل دلالة قوية على أن هذا الكتاب تنزيل من رب العالمين. الإنسان الذي يعرف ما يدخل في رأسه وما يخرج منه يعرف مدى قوة هذا الدليل!
٢١١. ومن الجمال والعزة بما كان أن تبدأ هذه السورة بالذات أعني سورة الكهف بهذه الآيات العظيمة
👇
٢١٢. ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا ۜ (1) قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2)))
٢١٣. فإن قلت إن كان ذو القرنين هو الإسكندر، فَلِمَ لا نجد في القرآن اسم الإسكندر؟ أقول وما يدريك أن اسم الإسكندر لم يكن ذو القرنين حقاً عند العرب وقت نزول القرآن؟ وما يدريك أن هذا لم يكن لقبه؟
٢١٤. وبعد كل هذا الذي كتبته عن الإسكندر والتشابه بينه وبين ذو القرنين عليك أن تفهم أني لا أستطيع الجزم بأن ذو القرنين هو الإسكندر، لا أقول ذلك إنما أقول أنه السبب الذي من أجله يجزمون بأنه ليس هو ما هو بسبب كافٍ عند التحقيق.
٢١٥. فالإحتمال لا يزال موجودا أن يكون ذو القرنين إنسان لا يُعرف على وجه التحديد من هو، لا أهل الكتاب أو الإسلام أو حتى الإغريق أو الفرس.
وأما ما ذكرته سابقا بأن الناس زمن نزول القرآن سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذو القرنين فيمكن أن يُقال: أنهم سمعوا عن أحد يُقال له
٢١٦. ذو القرنين ولا يعرفونه على وجه التحديد، ولكن هذا يرده أن الله العزيز الحكيم لم يحدد هويته بل ذكر لهم ذكره. فإن كان السؤال يتعلّق بتحديد هويته لِمَ لَمْ يخبرهم الله بذلك؟ الذي يظهر لي أنهم كانوا يريدون يعرفون شيئاً من أمره وليس تحديد هويته من هو والله عز وجل أعلم.
٢١٧. فكما ترى في هذه السلسلة بيّنت الشبه العظيم بين ذو القرنين و الاسكندر، و كما قلت أنا لا أجزم. لكن لو كان لابد من ربط شخصية ذو القرنين بشخصية تاريخية يعرفها أهل التاريخ فإن الأقرب من بين الجميع هو الإسكندر.
٢١٨. و في السلسلة القادمة سأواصل كلامي عن ذي القرنين و سيكون لنا عودة إلى القرآن العظيم، و بإذن الله ستجدون فيه فوائد كما نثرت في هذه السلسلة من فوائد تاريخية عزيزة.
أسأل الله أن يهديني إلى الحق و يرزقني اتباعه و القول به و أن يريني الباطل باطلا و يرزقني اجتنابه. والحمدلله...
٢١٩. لقراءة الجزء الرابع من السلسلة و الذي فيها أبيّن هوية ذو القرنين، تابع القراءة
👇

جاري تحميل الاقتراحات...