عـبـدالـعـزيـز
عـبـدالـعـزيـز

@AbdulAziz_Mohd

70 تغريدة 321 قراءة Jan 25, 2023
١. هذه هي السلسلة الثانية عن ذي القرنين، وفي هذه السلسلة سأتكلّم عن التشابه بين داوود و سليمان و ذو القرنين عليهم السلام جميعا. و سآتي بذكر بعض التشابه ما لم يذكره حتى كبار من قال بأن سليمان هو ذو القرنين و لكني في نهاية الأمر سأردّ هذا الرأي. فاصبر و لا تتعجّل و ستتعلم بإذن الله
٢. الذي يظهر من ظاهر القرآن أن ذو القرنين نبي أو إنسان يُوحى إليه بدلالة قول الله عز وجل: ((حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا ۗ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ...
٣. وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا)) والشاهد (قلنا) فإنه يدل أن هناك وحي جاءه، بغض النظر عن طريقة الوحي، أهو عن طريق ملك أم لا. وفي ردّ ذو القرنين ما يدل على أن هناك مخاطبة بينه وبين الوحي، تأمل قوله: ((قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ
٤. إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88))). ومعلوم لدى الناس جميعا أن سليمان نبي من الأنبياء بدلالة الآية من سورة النساء:
٥. (( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163)))
٦. وكذلك في قول ذو القرنين ما يدل على أنه على علم بما قد يؤول إليه أمر في المستقبل: ((قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا)) وهذا لا يكون إلا لإنسان يوحى إليه.
٧. ونفهم من آيات سورة الكهف أن ذو القرنين قد أوتي ملكاً عظيماً ((إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84))) فذو القرنين أوتي من كل شيء، ونجد في القرآن أن سليمان قال عن نفسه أنه أوتي من كل شيء وذلك في سورة النمل:
٨. ((وورث سليمان داوود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين)). والملك سليمان فاقت شهرته بقية الملوك وإن كانت لهم شهرة في التاريخ لكن لا تكاد تجد أمة لا تعرف من هو سليمان عليه السلام.
٩. ويكفي قوله: ((قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ)) وليس في كتب التاريخ والسير قاطبة من كان له ملك مثل ملك سليمان وله السيرة الحسنة المذكورة في القرآن:
١٠. ((فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39)
١١. وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (40))). وليس هذا فحسب إنك لو تدبرت القرآن لوجدت أن ملكة سبأ أوتيت من كل شيء على حسب كلام الهدهد ((إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم)) إلا أننا من سياق الآيات والمفهوم منها نستطيع أن نقول أن ملكها وقوتها لا
١٢. يمكن أن يُقارن بما كان عند سليمان. وقد عرفنا من سورة الكهف أن ذو القرنين وصل إلى مطلع الشمس ومغربها، وقد عرفنا من القرآن أيضاً أن سليمان كانت له من الوسائل ما يمكّنه من ذلك وذلك بأن سخّر له الله الريح: ((فسخرْنا له الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36)))
١٣. ومن التشابه بين ذو القرنين وسليمان أن لهم جولات، فأما بالنسبة لذو القرنين: ((حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا...
١٤. (86) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88)))
١٥. وجد قوما وأوتي الاختيار إما أن يعذبهم أو يحسن إليهم. وكذلك سليمان أوتي الاختيار بعد أن أوتي ملكاً يستطيع أن يتسلط به على الآخرين: ((هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)).
١٦. نجد في سورة النمل قصة سليمان والهدهد مع ملكة سبأ و الآيات تعرفونها جيدا... لاحظ أن ذو القرنين اشترط جزاء الحسنى لمن آمن وعمل صالحاً أما من ظلم فقال: ((قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا))
١٧. وكذلك سليمان، قال: ((أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31))) وعندما جاءت ملكة سبأ ودخلت الصرح: ((قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي
١٨. ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) مما يدل أنها كانت ظالمة لنفسها وكذلك كان قومها: ((و صَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ))
١٩. فهذا التشابه يُمكن أن يُقال عنه أن هناك قرب في المنهجية الملكية المُتبعة.
وبما أن قصة ذو القرنين جاءت في سورة الكهف بعد قصة موسى والعبد يمكن أن يُقال أن أحداث القصة وقعت بعد أحداث قصة موسى والعبد الصالح، أي أن هناك تسلسل زمني، ومعلوم لدى الناس جميعاً أن زمن سليمان كان بعد
٢٠. زمن موسى باتفاق علماء الدين والتاريخ. ولكن لقائل أن يقول أن حتى بقية الملوك المذكورين في التاريخ كانوا بعد موسى مثل الإسكندر وكورش. ويمكن أن يُقال أن في سورة الكهف ذكر لنا قصة أصحاب الكهف، والمتعارف عند أهل التاريخ والسير أن قصة أصحاب الكهف وقعت بعد موسى، ولكن لقائل أن
٢١. يرد على هذه الأقوال فيقول أنا لا أعتد بالآراء التاريخية فعندي قصة أصحاب الكهف قبل موسى والله أعلم.
ومن التشابه بين سليمان وذو القرنين أن سليمان عُلّم منطق الطير وخاطب مخلوقات لا يمكن للناس عامة أن تُكلمها في المعتاد مثل النملة والجن:
٢٢. ((وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ)) تأمل قوله عُلّمنا منطق الطير، وفي آية سورة النمل يفهم كلام نملة:
٢٣. ((حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي
٢٤. أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ)) وهنا يخاطب الهدهد بعد أن جاءه بخبر سبأ: ((قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)
٢٥. اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28))) وأيضاً يكلمه عفريت من الجن: ((قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39)))
٢٦. فمن هذه الآيات نفهم منها أن سليمان كان يستطيع أن يتفاهم مع مخلوقات لا يمكن التفاهم معها بالكلام الإنساني المعتاد.
تعال لنبحث عن ذي القرنين إن كان هناك ما يشير على أنه كان عنده شيء من هذه الخاصية. نجد في سورة الكهف:
٢٧. ((حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا
٢٨. 94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95))) تأمل قوله (وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً) لكن بالرغم من ذلك استطاع ذو القرنين أن يتفاهم معهم! فهل هذه مصادفة؟
٢٩. وليس هذا فحسب، تأمل في قصة ذو القرنين نجد أن القوم عرضوا عليه خرجا: ((قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94)
٣٠. قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95))) فهنا ذو القرنين اكتفى بما كان من الله العزيز الحكيم. ونفس الشيء نجد سليمان اكتفى بما كان من الله العزيز الوهاب ولم يقبل هدية ملكة سبأ، اقرأ هذه الآيات:
٣١. ((فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36))))
ومن العجائب أنك تجد في سورة سبأ: ((وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ
٣٢. الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ)) وفي قصة ذو القرنين ما الذي طلبه؟ اقرأ: ((آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا
٣٣. حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96))) دقق على قوله سبحانه عن نعمته على سليمان (أسلنا له عين القطر) وقول ذو القرنين: (أفرغ عليه قطرا).
٣٤. وقال عن داوود أبو سليمان: ((ولقد آتينا داوود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد)) تأمل قوله سبحانه (وألنا له الحديد) فهناك علاقة بالحديد والقطر. و هذا ما يقودنا للشبه بين داوود و ذو القرنين و سترى أن تكوين العلاقات ممكنة لمن لديه قابلية ذلك...
٣٥. تأمل في هذه الآية: ((ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين)) تأمل قوله عز وجل: (الجبال يسبحن) و لا تنسى ما قال سليمان: (علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين))
٣٦. قال: ((آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96))) أريدك أن تنتبه لقوله (بين الصدفين) والمعنى كما يقوله أكثر المفسرين بين الجبلين أو ناحيتي الجبلين ورؤوسهما،
٣٧. وهذا المعنى أي بين الجبلين منسوب إلى ابن عباس. فهذا الصدفين له علاقة أيضا بتسخير الجبال مع داوود مثل الآية التي ذكرت: ((وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ)) أريدك أن تتأمل في قوله: ((أوبي معه)
٣٨. وقارن هذا بما كان من أمر داوود و سليمان: ((ووهبنى لداوود سليمان نعم العبد إنه أواب)) وتأمل هذه الآية ((وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً ۖ كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ)) وعن كثير من المفسرين أن أواب في هذه الآية بمعنى الطاعة. فهل كان لداوود القدرة على تحريك الجبال؟
٣٩. لست أدري بالضبط لكن أنا أرجّح هذا والله أعلم. فإن كان كذلك وعرفنا عن ذي القرنين: ((حتى إذا ساوى بين الصدفين) نجد تشابهاً جديداً، وهذه الملاحظة دقيقة وعزيزة أتمنى أن تعطيها حقها من التأمل بين داوود عليه السلام و ذو القرنين...
٤٠. قال الله العزيز الحكيم في سورة ص: (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ) لاحظ قوله سبحانه وتعالى (ذا الأيد)، فهل ذو القرنين لقب آخر له أو لابنه سليمان؟ ماذا قال الله عن ذي القرنين؟ اقرأ > (إن مكنا له في الأرض)
٤١. و تذكّر الذي قاله عن داوود عليه السلام: (إنا جعلناك خليفة في الأرض) الخليفة ليكون في الأرض يكون ممكّنا، و لاحظ أن داوود عليه السلام هو الوحيد في القرآن كلّه من أخبرنا الله أنه جعله خليفة. و إن أنت تذكّرت سورة البقرة و مافيها من كلام الله مع الملائكة (إني جاعل في الأرض خليفة)
٤٢. تعرف مكانة خلافة داوود عليه السلام في القرآن، لهذا شأن عظيم و خلف هذا علم كثير لا تتحملها هذه التغريدات المختصرة، من أراد الاستزادة فليقرأ في كتبي التي أشرت إليها أكثر من مرة... إذن داوود خليفة و ذو القرنين ممكّن في الأرض. الله عز و جل مكّن بني إسرائيل في الأرض و جعلهم ملوكا
٤٣. و آتاهم الشيء العظيم. و أظن أغلبية القرّاء قرأ الحديث الذي فيه قصة رؤية آدم لذريته و رؤيته لداوود عليه السلام، لا تخفى العلاقة بين ذلك الحديث و ما أقول إلا إنسان يحتاج إلى قراءة متأنية و مكررة أكثر من هذا... على أية حال نكمل...
٤٤. ماذا تفهم من إلانة الله الحديد لداوود و قول ذو القرنين (أفرغ عليه قطرا)؟ و ماذا قال ذو القرنين (آتوني زبر الحديد) قارن هذا، من الوحيد في القرآن الذي أوتي الزبور؟ إنه داوود عليه السلامة. و الزبور في ما أرجّحه له علاقة بالحديد و داوود عليه السلام ألان له الحديد. و كأن الزبور
٤٥. الكتابات التي تكون على الزبور. مثل كتابات الملوك في العهود المتقدّمة نفهم من الزبور أن داوود عاش ملكا كذلك و تفصيل هذا يطول و متشعب جدا...
مما سبق لا أظن يخفى على عاقل منكم التشابه بين داوود عليه السلام و سليمان و ذو القرنين، و هذا هو الغرض من هذه السلسلة...
٤٦. غير أنّي كما قلت سابقا، لا أرجّح أن ذو القرنين هو نفسه داوود و لا سليمان بل إني أردّ هذا القول، و ذلك لأني أستطيع تكوين علاقات مع أنبياء كثر و ذو القرنين و بمستوى تفاوت الأفهام و العلم تختلف قدرة المرء على إبراز التشابه و فوق كل ذي علم عليم... و سآتي الآن على بعض أسباب ردي...
٤٧. أولاً إن قلنا بأن ذو القرنين هو نفسه سليمان فَلِمَ هو مذكور في سورة الكهف باسم ذو القرنين؟ قد تقول إن بعض الأنبياء قد يُذكرون باسم في موضع وباسم آخر في مواضع أخرى كالمسيح وعيسى بن مريم. ولكن هذا عند التحقيق ليس بدليل بل دليل متهافت جدا...
٤٨. إذ هناك قرائن صريحة بأن المسيح هو عيسى بن مريم بخلاف ذو القرنين، مثل التي نجد في سورة آل عمران: ((إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا...
٤٩. وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45))).
فإن قلت وما تقول في يونس عليه السلام؟ ألم يُذكر مرة باسمه ومرة ذا النون مثل الذي نجد في سورة الأنبياء: ((وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)) أقول هذا ليس
٥٠. بكافٍ ٍ أيضا لأسباب أن ذا النون سمي بذي النون في موضع واحد وهو هذا الموضع الوحيد، ثم إننا نجد في سورة الصافات ما يدل صراحة على أن يونس هو نفسه ذا النون وهو نفسه صاحب الحوت، اقرأ هذه الآيات من سورة الصافات:
٥١. ((وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143)
٥٢. لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (148)))
٥٣. أما ذو القرنين، فإن الله خاطبه بهذا الاسم، وكذلك سمّاه الناس زمن الرسول صلى الله عليه وسلم بالاسم نفسه وكذلك خاطبه الناس في القصة بنفس الاسم ذو القرنين. ودليلي على ما قلت، أولاً سؤال الناس للرسول صلى الله عليه وسلم: ((ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكراً))
٥٤. وثانياً عندما أخبرنا الله بخبره وكيف خاطبه: ((حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا)) وموضع الشاهد (قلنا يا ذا القرنين) أخيراً مخاطبة القوم المذكورين في الخبر له بنفس الاسم:
٥٥. ((قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً)) فإن ذو القرنين كان هذا اسمه عندما خاطبه الله عز وجل أو الوحي وكذلك سموه الناس زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك كان اسمه عندما خاطبه القوم الذي طلبوا مساعدته.
٥٦. هذا الذي ذكرته قد يكون أقوى رد ممكن أن يرد به أحد على أصحاب رأي أن سليمان هو نفسه ذو القرنين. إذ ليس في القرآن أي نبي ذكر باسم آخر غير اسمه ويكون بعيدا في الرسم والمعنى غير واحد وهو يعقوب وإسرائيل. وأسباب ذلك فصّلته في كتابي: “بين الإلهام والوسواس” فيمكنك مراجعته هناك.
٥٧. ثم إن يعقوب وإسرائيل كان معروفاً عند الناس قبل نزول القرآن وزمن نزول القرآن وبعد نزول القرآن حتى يومنا هذا، وهذه المعلومة أعني أن يعقوب هو إسرائيل متداولة عند الناس والأسباب كثيرة بخلاف سليمان عليه السلام، فليس هناك أي خبر لا في التوراة ولا في الأناجيل ولا في كتب تاريخ أهل
٥٨. الكتاب أو كتب تاريخ المسلمين ولا في السير ولا في الخرافات والأساطير أية إشارة أن سليمان أو داوود كان في يوم ما اسمهما ذو القرنين.
إن أنت جمعتَ الذي ذكرته بادئ الأمر في اسم ذو القرنين، وأنه ذُكِرَ بهذا الاسم ثلاث مرات، مرة مخاطبة الله أو الوحي له، ومرة الذين سألوا الرسول
٥٩. صلى الله عليه وسلم عنه ومرة القوم الذين طلبوا مساعدته، وجمعت ما قلته للتو من أن سليمان لم يُذكر أبداً ولا من طرف خفي أن اسمه كان في يوم ما ذو القرنين لعرفت أن الراجح أنهما ليسا نفس الشخص وإن تشابه الاثنان في بعض الأمور، فإن الأنبياء يتشابهون في الكثير من الأمور،
٦٠. والملوك كذلك يتشابهون، يكفي أن ترى التشابه بين داوود وسليمان غير أن داوود قطعاً ليس سليمان وكذلك التشابه بين يوسف وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام جميعاً و أستطيع تكوين علاقات عجيبة من قبيل ما يفعله القوم بشكل سيدهش القرّاء لكني لا أفعل ذلك
٦١. و من ثم استخلص نتيجة أعرف أنها ليست صحيحة، لا أريد أن أوهم الناس...
ثم إن أكثر العلماء يأخذون بأن السورة نزلت في مكة أو في المدينة ويؤمنون بأن القرآن لم ينزل جملة واحدة بل مفرقاً على فترات. فإن كان كذلك لنختر من أوائل السور المذكور فيها أحد أسماء الأنبياء والمرسلين كيف
٦٢. ستفسّر القرآن بالقرآن ولم ينزل بعد إلا سورة أو سورتان؟ هذا ما يضطرك للعودة إلى اللسان وبالتأكيد إلى ما كان متعارفاً عند الناس يومها أو متعارفاً على الأقل بين بعض منهم وهذا الذي أرجحه وإن كنت أقول أن القرآن يُبين بعضه بعضاً لأن إيماني بقضية نزول القرآن يختلف بعض الشيء عن الرأي
٦٣. المتداول لدى الناس من أسباب النزول وزمان النزول وقد شرحت ذلك في مدونتي من قبل أكثر من ١٠ سنوات ولعلي أنقله في سلسلة أخرى غير هذه.
٦٤. وبما أن القرآن كتاب الرب الغني، فلابد أنه غني عن غيره من الكتب و به الكفاية، ولكن أفهامنا ليست ولن تكون غنيةً بالمعنى المطلق، إذاً تفاوت الأفهام نتيجةً حتمية.
٦٥. وأما ما ذكرته أن سليمان عليه السلام أوتي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فهذا صحيح بدليل الآية)) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ((ولكن يجب ألا نغفل عن أمر مهم، وهو قول سليمان (لأحد من بعدي)، فمن يدري،
٦٦. فلعل الله أعطى عبداً من عباده قبل سليمان ملكاً أعظم من ملك سليمان. فإن سليمان لم يقل لأحد من قبلي ولكن قال لا ينبغي لأحد من بعدي. وبهذا لقائل أن يقول: “وما يدريك؟ لعل ذو القرنين كان قبل زمن سليمان!”.
٦٧. وبما أن كثير من أهل النظر في القرآن يصدقون كثيراً مما يقوله أهل السير والتاريخ والتفسير، فيمكن أن تزيد الإشكال عليهم (أعني الذين يأخذون بالآثار)
٦٨. فتقول، ألستم تقولون أن ذو القرنين قابل إبراهيم وآمن به أو على الأقل كان في نفس الزمن؟ إن كنتم تأخذون بهذا فإن هذا يتوافق مع القول بأن ذو القرنين قبل سليمان....
أكتفي عند هذا الحد، من أراد الاستزادة في الرد فليقرأ كتاب (بلوغ مجمع البحرين و أسباب ذي القرنين) أو في سلسلة ردي
٦٩. على صلاح الدين ابن إبراهيم المعروف بأبي عرفة بارك الله فيه فإن في ردودي عليه في أكثر من سلسلة مزيد بيان أن مثل هذه المنهجية التي يتبعها من تكوين العلاقات لا تؤدي بالضرورة إلى نتيجة صحيحة و في ما ذكرت الكفاية و الحمدلله رب العالمين. ربّ أرنا الحق حقا و ارزقنا اتباعه...
لقراءة الجزء الثالث من السلسلة - التشابه بين ذو القرنين و الاسكندر و كورش
👇

جاري تحميل الاقتراحات...