يقلل البعض من أهمية التحركات الروسية والصينية ضد أمريكا بقول: "روسيا والصين لا يملكان مشروعا. لا يمكن لما يفعلانه أن يكون ذا تأثير كبير". والحقيقة أن هذه الحجة تأخذ من فترة الحداثة، و هي فترة استثنائية في التاريخ البشري، قاعدة عامة تقيس عليها. ١
الواقع أنه أغلب التاريخ لم يملك العالم مشروعا واحدا أخرج للعالمين. دائما ما كان مفتتا متصارعا تحكمه شريعة الغاب. والاستثناء هنا المشروع الديني الإسلامي والمسيحي الذي انحرف ليصير مشروعا علمانيا حداثيا بعد عصر النهضة والتنوير، لكنه واصل دعوته التبشيرية بنفس الحماس تحت دعوى التحديث
ومن ثم انشق هذا المشروع التحديثي لعدة مشاريع تتشارك في كونها حداثية. مثلا: المشروع القومي، والمشروع الرأسمالي، والمشروع الشيوعي. طبعا تأطير المشاريع بهذا الشكل اختزال مخل لكنه مناسب لعرض الفكرة. ما حدث في التسعينيات كان انهيارا للشيوعية، فظن الناس لوهلة أن الرأسمالية انتصرت للأبد
لكن سرعان ما بدأت تشققات النظام الرأسمالي الليبرالي في الظهور بقوة منذ ٢٠٠٨. يظن الناس اليوم أنه يجب على مشروع حداثي ما أن يحل محل المشروع 'الديمقراطي الليبرالي الرأسمالي الغربي'. لكن هذا ليس صحيحا. ربما كان ما نواجهه ليس فقط انهيارا للرأسمالية بل لكل النموذج العلماني الحداثي
في هذه الحالة، تكون بداية هذا الانهيار هي إما سقوط الاتحاد السوڤيتي أو سقوط هتلر أصلا وليس أزمة ٢٠٠٨ أو أزمة كورونا. وفي هذه الحالة أيضا لا تتوقع لمشروع حداثي آخر الظهور بل لفوضى تشبه فوضى ظهور تيارات ما بعد الحداثة من رحم التيارات الحداثية. لا مشروع ثقافي موحد للعالم بعد اليوم
بمعنى آخر. هذا هو النموذج البديل (دون أن يطرحه أحد). عالم متعدد الأقطاب، متعدد الأيديولوجيات، ومتعدد المشاريع. كل مشروع يغري جماعة، وكل قطب يحكم مساحة. وكل كتلة لها منظومة ومشروع
جاري تحميل الاقتراحات...