دكتور أحمد أمين
دكتور أحمد أمين

@drahmedameen80

22 تغريدة 2 قراءة Aug 15, 2022
المحور الرئيسى فى سورة الذرايات هو ترسيخ اليقين فى العبودية الحقة لله عز وجل فى مسألة الرزق... وهى مسألة دقيقة يتعرض لها كل فرد منا فى حياته!.. مواقف كثيرة قد تأخذ فيها قرار بين رزقك وبين دين الله
كيف رسخت السورة الكريمة هذا اليقين بعبودية الله والرزق ؟هذا ما سنوضحه فى هذا الثريد
يقسم الله عز وجل فى استفتاح السورة فيقول عز وجل :
والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ ﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾
من المفسرين من جعل القسم بالرياح ومنهم من جعل كل قسم على أمر مختلف فقالوا :
الذرايات هى الرياح
الحاملات.. السحاب
الجاريات.. السفن
=
المقسمات.. الملائكة
وسواء كانت كلها تعود إلى الرياح أو بأمور مختلفة فيجمعها أنها كلها أسباب يسوق الله بها الرزق للعباد وقد تكون سبب لهلاك المكذبين و الكافرين كما ستذكره السورة بعد ذالك...
يقسم الله بهذه الأسباب أن يوم القيامة (الدين) لواقع وان وعده صادق وبالرغم من هذا فالناس...
وبالرغم من هذا فالناس فى غفلة وهو ما عبرت عنه الآية :
{ ٱلَّذِینَ هُمۡ فِی غَمۡرَةࣲ سَاهُونَ }
الغمرة ما ستر الشيء وغطاه . ومنه نهر غمر أي يغمر من دخله ، .
ساهون أي لاهون غافلون عن أمر الآخرة .
وهو وصف عجيب كأن عليهم ستار أو غطاء يمنعهم عن رؤية آيات الله فى الرزق..
وحتى تعالج السورة هذه الغفلة عن عبودية الله والرزق فانتقلت السورة إلى جزاء المتقين ولكنها تعرضه فى السورة فى آية واحدة تناسب موضوع السورة :
{ ءَاخِذِینَ مَاۤ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُوا۟ قَبۡلَ ذَ ٰ⁠لِكَ مُحۡسِنِینَ }
فى جنات وعيون آخذين ما أتاهم ربهم! هكذا فى لقطة
هكذا فى لقطة خاطفة ولكن ما أعظمها فى أنها تترك النفس وهى تتخيل هذا الثواب العظيم الذى سيؤتيهم إياه رب العزة فى الجنة فما أعظم الثواب وما أعظم الرجاء..
ثم فى عرض الأعمال التى كانوا يفعلونها واستحقوا بها هذا الثواب فالاية تعرض من الأعمال ما تصور عدم أغترارهم بالدنيا عن عبودية الله
كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾
كثيرا ما أريد الاستيقاظ فى الثلث الأخير من الليل فإذا بالنفس تقاوم وتقول لى كيف ستقوم هذا الوقت ثم تذهب للعمل الحياتى فى الصباح الباكر حتى وقت متأخر من النهار.. وهو عمل يتطلب تركيز!!
وهكذا تعطى النفس المبررات لتتجنب هذا الوقت الشريف ولكن استحضار الثواب وما جاء بهذه السورة يعطى للنفس الدافع والرجاء لعبادة الله فى هذا الوقت وعدم التحجج بالرزق الحياتى كما سنرى فى باقى السورة
والعمل الأخير "وفى اموالهم حق للسائل والمحروم"
ولم يقل معلوم لأن المقام مقام إحسان
ومسألة الإنفاق من أكثر الأمور مشقة ومن مداخل الشيطان الأساسية للنفس وخاصة فى مسألة الرزق وهكذا ترى أن الآيات جاءات باعمال تشير إلى أن المتقين لم يغتروا بالدنيا وأسباب الرزق ثم تنتقل الآيات خطوة آخرى فى مجال ترسيخ اليقين بعبودية الله والرزق وهو حديث فى وقت آخر إن شاء الله
تتنقل السورة نقلة أخرى لترسيخ اليقين فى عبودية الله والرزق وايقاظ الناس من الغفلة فتدعو للتفكر فى الكون والانفس...
من الآيات ٢٠ حتى ٢٣
ثم من الآيات ٢٤ إلى ٤٦ تخبرنا الآيات عن قصص الأنبياء ابراز لقدرة الله سواء فى الرزق أو الاهلاك حتى بما يكون سبب للرزق كالرياح..وهى بمثابة اعتراض
اعتراض بين الآيات الكونية فيعود لها السياق من الآية ٤٧ إلى ٤٩
ثم تختم السورة ختام عجيب كما سنرى بعد قليل...
بعد دعوة الآيات إلى التفكر فى الأرض والانفس تأتى هذه الآيات المحورية فى السورة :
{ وَفِی ٱلسَّمَاۤءِ رِزۡقُكُمۡ وَمَا تُوعَدُونَ }
الرزق والوعد فى السماء ولكن هل نوقن بهذا
هذا اليقين فى إن الرزق والوعد فى السماء منه سبحانه تغطيه الغفلة والسهو والدنيا المادية لذا يقسم الله عز وجل بذاته العليا أن هذا حق :
{ فَوَرَبِّ ٱلسَّمَاۤءِ وَٱلۡأَرۡضِ إِنَّهُۥ لَحَقࣱّ مِّثۡلَ مَاۤ أَنَّكُمۡ تَنطِقُونَ }
تقريبا هذا هو الموضع الوحيد الذى يقسم رب العزة بنفسه
إن هذا الأمر حق حتى المقسم جاء بصيغة التأكيد
"إنه لحق" تماما مثل ما نشاهده حقيقة بأننا نتكلم..
روي ابن كثير فى تفسيره :
عن الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "قَاتَلَ اللَّهُ أَقْوَامًا أَقْسَمَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ثُمَّ لَمْ يُصَدِّقُوا".
تنتقل السورة لقصص الأنبياء وتختار السورة ما يناسب الهدف المحورى وهو اليقين بعبودية الله فى مسألة الرزق..
تأتى فى البداية إحدى لقطات من قصة إبراهيم عليه السلام وتلاحظ أن المشهد يركز بصفة أساسية على الملائكة وتذكر إنهم من اقسم الله بهم فى بداية السورة "فالمقسمات أمرا"
والتركيز هنا على إنهم سبب حمل البشرى لإبراهيم ورزقه الولد على عقم زوجه وكبر سنة وحملوا خبر اهلاك قوم لوط...
البشرى والوعيد بنفس السبب.! سبحان العزيز القدير
وتذكر قوله :"وفى السماء رزقكم وما توعدون"
وبعد الإشارة السريعة لإهلاك فرعون وجنده فى البحر! وانجاء موسي وقومه فى البحر أيضا
تانى الإشارة العجيبة باهلاك عاد بماذا ؟!... الريح العقيم وهى التى اقسم الله بها عز وجل بأنها تحمل الرزق للعباد فتكون هى نفسها وسيلة اهلاك المكذبين
فلتوقن النفس أن وراء الأسباب رب للأسباب يحركها كيف يشاء ووراء الظواهر التى بسميها ملحدى العصر بالظواهر الطبيعية رب يدبر ويقدر سبحانه
وفى ختام السورة تأتى هذه الآيات وكأنها تلخص مواضيع السورة وتركزها فى عبودية الله واليقين فى مسألة الرزق :
{ وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِیَعۡبُدُونِ }
{ مَاۤ أُرِیدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقࣲ وَمَاۤ أُرِیدُ أَن یُطۡعِمُونِ }
ثم يقول رب العزة :
{ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِینُ }
يقول الطاهر ابن عاشور
ﺗﻌﻠﻴﻞ ﻟﺠﻤﻠﺘﻲ ﻣﺎ ﺃﺭﻳﺪ ﻣﻨﻬﻢ ﻣﻦ ﺭﺯﻕ ﻭﻣﺎ ﺃﺭﻳﺪ ﺃﻥ ﻳﻄﻌﻤﻮﻥ .
ﻭاﻟﺮﺯاﻕ: اﻟﻜﺜﻴﺮ اﻹﺭﺯاﻕ، ﻭاﻟﻘﻮﺓ: اﻟﻘﺪﺭﺓ.
ﻭﺫﻭ اﻟﻘﻮﺓ:
ﻭﺫﻭ اﻟﻘﻮﺓ: ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻘﺪﺭﺓ. ﻭﻣﻦ ﺧﺼﺎﺋﺺ (ﺫﻭ) ﺃﻥ ﺗﻀﺎﻑ ﺇﻟﻰ ﺃﻣﺮ ﻣﻬﻢ، ﻓﻌﻠﻢ ﺃﻥ اﻟﻘﻮﺓ ﻫﻨﺎ ﻗﻮﺓ ﺧﻠﻴﺔ ﻣﻦ اﻟﻨﻘﺎﺋﺺ.
ﻭاﻟﻤﺘﻴﻦ: اﻟﺸﺪﻳﺪ، ﻭﻫﻮ ﻫﻨﺎ ﻭﺻﻒ ﻟﺬﻱ اﻟﻘﻮﺓ، ﺃﻱ اﻟﺸﺪﻳﺪ اﻟﻘﻮﺓ،
ﻭﻗﺪ ﻋﺪ اﻟﻤﺘﻴﻦ ﻓﻲ ﺃﺳﻤﺎﺋﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ. ﻗﺎﻝ اﻟﻐﺰاﻟﻲ: ﻭﺫﻟﻚ ﻳﺮﺟﻊ ﺇﻟﻰ ﻣﻌﺎﻧﻲ اﻟﻘﺪﺭﺓ. ﻭﻓﻲ «ﻣﻌﺎﺭﺝ اﻟﻨﻮﺭ» ﺷﺮﺡ اﻷﺳﻤﺎء «اﻟﻤﺘﻴﻦ: ﻛﻤﺎﻝ ﻓﻲ ﻗﻮﺗﻪ ﺑﺤﻴﺚ ﻻ ﻳﻌﺎﺭﺽ ﻭﻻ ﻳﺪاﻧﻰ»
ﻓﺎﻟﻤﻌﻨﻰ
ﻓﺎﻟﻤﻌﻨﻰ ﺃﻧﻪ اﻟﻤﺴﺘﻐﻨﻲ ﻏﻨﻰ ﻣﻄﻠﻘﺎ ﻓﻼ ﻳﺤﺘﺎﺝ ﺇﻟﻰ ﺷﻲء ﻓﻼ ﻳﻜﻮﻥ ﺧﻠﻘﻪ اﻟﺨﻠﻖ ﻟﺘﺤﺼﻴﻞ ﻧﻔﻊ ﻟﻪ ﻭﻟﻜﻦ ﻟﻌﻤﺮاﻥ اﻟﻜﻮﻥ ﻭﺇﺟﺮاء ﻧﻈﺎﻡ اﻟﻌﻤﺮاﻥ ﺑﺎﺗﺒﺎﻉ اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ اﻟﺘﻲ ﻳﺠﻤﻌﻬﺎ ﻣﻌﻨﻰ اﻟﻌﺒﺎﺩﺓ..
وهذا هو ختام الثريد الذى طفنا فيه مع سورة الذرايات وكيف أن هدفها المحورى هو ترسيخ اليقين فى عبودية الله والمتمثلة فى مسألة الرزق...
يبقى أن تتلو وتحفظ السورة وإنت تردد هذه المعانى على قلبك ليرسخ فيه هذا اليقين مهما كانت الابتلاءات وإعراض وتكذيب الناس برسالته الخاتمة
والسلام ختام

جاري تحميل الاقتراحات...