"قلْ شيئًا. لقد اصفرّ العالم في صمت أشيائك. قل شيئا ياعزيزي الذي نفد من الأشياء مبكرًا. قل شيئا هيا، لم تجف منابع الحكاية بعد، ولم تجئ قيامة العالم، ولا توقفت قلوبنا مرة عن العمل. فقل شيئا الآن جديرًا بالحياة. قلْ شيئا. لم يحكِ لي أحد شيئا منذ فترة، وأنا أنعس في غياب الحكايات.
سآخذ حكايتك قرطا، سألبسه لحفلة الصباح الكونية. سأحتفظ بسريتها ولن أخبر بها سوى ثلاث أصدقاء، لأن سبعة تركوا التحدث معي. وأيّ صديقة أضاعوا!"
قل شيئا، أي شيء. شيءٌ لاذع مثلا، لا أمانع الحرارة. في مطعم هندي في أقصى المدينة، لا تحلّقه خطط التنمية المنتكسة، ولا تدنسه طواويس البلاد، لا تجده في صور نجوم انستغرام، ولا تصوره الصبايا مع أسوارهن وحقائبهن وأحذيتهن، ادعني، ولنطلب النان الساخن واللبن المملح..
ولنلعن هذا الغي، حتى ييبس. نركّب الدنيا من جديد، قطعة قطعة، حلما حلما، لقمة لقمة، حتى تسيل أنوفنا من التأثر والفلفل، ولا نقوم بسهولة من ثقل المستقبل، وهموم الأمة، ومن التخمة."
قل شيئا للعالم، وسأسرقه لي. قل شيئا يشبه حبا ضائعا. شيءٌ له جوى قيس، حين غادرت القافلة بالعروس الحزينة ليلى. شيء يشبه تعلقه بأستار الكعبة ونفض يد أبناء العمومة. شيء لا آخذه بمحمل الجدية. تعرف، لقد مات قيس منذ القدم. قيس ذهب بعيدا في عصر النوافذ المتعددة، نافذة للحبيبة..
، نافذة لمارلين مونرو، عشرة لصديقات مقربات، وعشرون لزميلات التخصص والهواية والمصائر المتشابهة، وثلاثين لتزجية فائض الأحاديث والليل. كان حبك سيمدني بالنوتيلا. لكنني وجدت أن زبدة اللوز أجدى بالبروتين والطاقة. فاخترت أن أصطحبها في شطيرة لاستراحة المكتبة."
"قل شيئا بسرعة. لقد سقطت أول ورقة مصابة بالخريف. لقد امتلأ الشارع بقبيلة الأوراق المغدورة. قل شيئا. قبل أن تسقط آخرهن. ويحل الصقيع في مداد الرسائل والقلوب. ينزل الخريف كما قصيدة رثاء، دافئة، إنما تطحن روحك بالدموع. لا يكف الليل عن البكاء والعواصف.
لقد تأخر المطر كثيرا عن موعد حقيبة أمي. وحين مضت، لم تكف المدينة عن تجييش السحاب. لا أفكر بقصيدة في الليالي الماطرة، أغلق النافذة وأنام."
"قل شيئا بسرعة، قبل أن يرتدي الطقس معطفا ثقيلا ووشاحا. ونتراكم في الهرب من كلّ خارج. ونمضي سريعًا. ولا نلتفت لأحد ونلتقي كما متأخرين عن موعد. ونجلس بقرب المدفأة. نشوي الحكايات القديمة، ونعاود التأكد من زوادة الأحلام الباقية. قل شيئًا. قبل أن تذوب شمعة اللافندر الطويلة..
وأرميها في الحاوية، كأنما ما أضاءت، ولا فعلتِ العبير مرة. وينفد عطر الرمّان الصيفي الهدية. وتنسى من خلق الرائحة الحلوة بِداركَ طيلة النهارات الزاكية.
"قل شيئًا قبل أن أنام طويلا، شيئا يكون أجمل ما في اليوم، أجمل من هُطول النعاس، من مجيئهِ كما تراب، تراب يتسلّق بالعين، حبّة حبّة، يدور لاعبًا فيها، يدعوك للحكّة -لا أقوم بتأليف الأهازيج- إنّ ماما تنزعج من هذا التشبيه. إذا رأيتها قل لها “التراب جا” وتلمّس عينيك، وافعل العدو إلى..
النوم. وستكون مستفزّا، توقّف عن ذلك، يكفي سيدتي ما لديها. قل شيئا أجمل من الدهشة، حين الضجر الساكن، المصاحب لتوسط الشمس كبد السماء، لانبعاث وسيم بمظلة يعبر الشارع، كان على وشك أن يُدهس من فرط المفاجأة والبسمة، اعبر أخي، نوقف لك خطوط الملاحة في المحيط الهادي
، وأسراب الطيور المهاجرة إلى الدفء، ونشد البريك."
"قل شيئا. شيئا هائلا متّقدًا. يحتاج إلى تدوين، لأن “العلم صيد والكتابة قيده”، وأنت لست السيوطي، فلن أكتب أي شيء. أفتح عيني لسماع شيء. قل شيئًا. لا تقل: “شيء”. نضحك. قل شيئًا شيئًا. كما تاريخ الشيوعيّة. “شي شي”. حسنا مستر بِن. نضحك مجددا. قل شيئا مجلجا من الضحك. لا يهمّ الضحك
بلا سبب، لا قلة أدب في كذلك، كما لقّنتنا المعلمة. ننظر لأعالي البنايات العاجة بالسهارى والسكارى، الذين تخترق ضحكاتهم ضباب الليل، وتوقظ الجنون في مساءات سان دييغو الأخّاذة، يضحكون، وأختان تمشيان، تُقرران حقّ الضحك العالي لليقظين جدا كذلك، الذين يبحثون ببراءة عن بوظة بالكارميل.
وتضحكان، وتميلان من الضحك، لأنه الآن أصبح الضحك نفسه هو ما يضحكنا. كنّا أقصر من أعمدة الإنارة مقوسة القامة، إنما أطول من كل البنايات الضاجة بالهناء."
"قل شيءٌ مضحك. نكتة عن النمل مثلا. مثلا عن نملة قامت تحضر القهوة لضيوفها، وتأخّرت عنهم كثيرا، هل تعرف لماذا؟، سأخبرك لماذا، لقد لصقتْ بالتمر. هل تضحك؟ أنا أضحك عليها كل مرّة. وسأضحك عليها كما أول مرة. قالت صديقتي، أنا حزينة، لماذا لم يهب الضيوف لمساعدتها. نجمة على جبين صديقتي.
تريد نكتة نمل أخرى؟ لا، أنا لا أحرق ما في جيبي دفعة واحدة، بل في متجر خلف متجر، بتؤدة ودراسة. لا عليك، هاتَ شيئا عن العناكب في مستودعكم، أو الضفادع في منزلنا بالقرية. سأضحك، أعدك، أتبرع بالضحك لأي شيء، وأبكي من شيءٍ واحد. لن تعرف أنني أرتدي قميص الضحك وأخلعه، سأكون الضحك نفسه."
"قل شيئًا، أي شيء، اشتم الحكومة مثلا، وسأعاونك، أو في اضمحلالِ العرب، في المأساة التي اسمها الوطن العربي، ولن يتوقف الحكي والدم وتوالد الخرائط المقطعة. وسنحزن، وسنصابُ باليأس، كل مرّة نعرف أننا مخلوقات صغيرة عاجزة، في مكنات السياسة الدولية، نموت بهفوة، ونُقصف بهوى، وتُمحى أوطاننا
بتحالفات. أي شيء عن الظلم في بلادي، عن كل ما يؤنّب الهناء في يومك، لأن يوم الأحرار يُبدّد في الزنازين. قل شيئا، لن تنفد الأشياء عن بلادي المقهورة، لكنك تختار الصمت، وأنا أتعب من منتصف الموقف، ونصف القضية، وموت الضمير."
شيءٌ له قامته، عميقًا، كما كومة الكتب والأوراق بجانب منامه. شيئا عن الرحيل، والوداعات بلا تلويح، شيئا عن الغياب، والشوق الذي تغصّ به، شيئا يهدهد الموجوعين بالعالم، وينزل حمامة في ذلك الذي نبض يأسا، ولم يتوقف عن صنعه. قل شيئا عن يدين كانت تكفل الدّفء بالعالم، وغابتْ..
غابتْ كما أروع شمس، شاهدتها تختفي، أقسمتَ عليها أنْ لا، ناديتها، لوحتَ لها، هاتفتها، بأعلى مافي روحك من حنين، لكن الله قال الغياب."
"قل شيئًا. أنا أريد أن أقول شيئا. أتوق لأن أقول اشياء. أبحثُ في قلبي لأقول شيئا، أذرع الدار في البحث عن شي، ولا أجد شيئا. أريد أن أقول شيئا طبيعيا، يقوله معظم الناس، دون السطحية، فوق الخرافة، ظريفا بعض الشيء، لا يشي عن كآبتي، شيئا يجعلنا نضحك لبعض الوقت، شيئا أتذكره كلّ الأبد..
وتنساه أنت. شيئًا أقوله باتقاد، كما حكي طفل تعلم الكلام، شيئا أحكيه باسترسال، كما لو أنني لينا. شيئا أقوله أمام كوكيز الشوكولا السميك، وتسمعه أمام فطيرة تفاح ساخنة. شيءٌ يستغرق كوب قهوة “ميديم”، غير طويل، كما درب تغنّي السفر."
"إنك لا تقول شيئًا! أريد أن أقول شيئا، شيئا بليغا، يتركك في دهشة، كما لو أنني شاعر كبير، شيئا جادا، كنظرية لم يعد يُعمل بها. شيء لا يتساقط عليه ثلجي في منتصف الحكاية، ولا تهفّ عليه رياح سرحانك، شيئا أقوله كعاصفة حين تنزل مرساة المزاج، شيئا تسمعه بقلبك، وتتأجج منه بالدفء عيناك..
حديثا لم أقله من قبل، ولم يمرّ عليك كمساءات الأسبوع المكررة. شيء صادقا، كوداع، كحضن أخير، كدمعة تحتجّ على السقوط. كتفجر القشعريرة من التأثر. شيء به كذبة صغيرة، غير مهمة، نطقتها سهوا، من فرط السكر في دم الحكاية.."
"أريد أن أقول شيئًا. أريدك أن تقول شيئا. شيء مفعم، كفستان طفلة سندية، حلو، يذكرك بمتجر شوكولا بهي، حميم، له رائحة مخبز في قرية نائية. شيء لا يتسمم باختلافاتنا، شيئا لا يبالي باعتقاداتنا، شيئا لا يترتب لقائمة مباحاتك، ولا تقيسه على قائمة محرماتي. شيء أقوله كحفلة ميلاد..
وتستقبله كوليمة حاتمية. إنني أريد أن أقول شيئا، أنقب لأقول شيئا، سأموت إن لم أقل شيئا، او تقل شيئا، كما بئر مهجورة، تتعذب بالهاوية والصدى، لا ماء ولا شيء تشربه أو تتأوهه، سوى أوجه العابرين الصغيرة اليائسة."
جاري تحميل الاقتراحات...