ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

30 تغريدة 217 قراءة Aug 10, 2022
"النيام السبعة" كما يعرفون في السريانية، أو أصحاب الكهف كما يعرفون في الإسلام، هل هما قصة واحدة؟ وإذا كانا كذلك؛ فمتى وقعت وما ملابساتها؟ ولماذا لم يرد لها ذكر في "التوراة أو الإنجيل" المطبوعين!
ولماذا يدعي بعض المستشرقين أنها مجرد قصة أسطورية؟!
حياكم تحت 🌹
أجواء فرقة ونزاع لم يسبق لها مثيل في الإمبراطورية الرومانية، والتي باتت المسيحية فيها تنتشر يوما بعد يوم، اخترق ديسيوس تلك الأجواء وأعلن ذاته بدعم من جنده إمبراطوراً عام 249م، لقد جاء الرجل إلى السلطة ولديه هدف واحد هو إحياء الوثنية من جديد، والقضاء على كل مظاهر المسيحية.
بناء على ذلك التوجه أصدر ديسيوس مرسومًا لإثبات الإيمان؛ يقضي بأن يقوم كل فرد في إمبراطوريته الشاسعة بالتضحية للآلهة عبر طقوس وثنية معتادة، وكل هذا ضمن إجراء مكتوب موثق من شهود وقاضٍ، ولا تزال هناك وثائق موجودة في مصر تدلل على هذا الإجراء وتوثق قيام البعض به.
واجه بعض المسيحيين هذا الإجراء بشيء من التذمر والتحدي، خصوصًا أنه إجراء يردهم عن دينهم ويركسهم من جديد في دوائر الشرك والوثنية، على أن الرومان واجهوا هذا التحدي بالتعذيب والقتل لكثير من المسيحيين، وعلى رأسهم البابا فابيان نفسه، لكن البعض استطاع حينذاك الفرار والاختباء.
في ظلال هذا المرسوم بلغ الإمبراطور ديسيوس خبرًا مفاده أن هناك بعضًا من النبلاء العاملين في قصر الحكم في مدينة أفسس قد حادوا عن الوثنية واعتنقوا المسيحية سرًا، وأنهم أمام مرسومه الجديد يرفضون تأدية طقوس التضحية المطلوبة، فما كان من الإمبراطور إلى أن أمهلهم مدة أخيرة طمعًا في ردتهم
كان على هؤلاء النبلاء السبعة والذين لا يزالون في مقتبل عمرهم أن يختاروا ما بين الإيمان الذي يعدهم بأكثر من مجرد دنيا فانية، وما بين الردة والعودة إلى الوثنية والاستمرار في العيش في رغد الفناء، لكنهم اختاروا الإيمان ولم يجدوا أمامهم سوى حل وحيد ربما منع عنهم العاقبة المنتظرة لهم.
في ظلام من الليل أسرعت خطى الفتية السبعة قاصدين إلى الخروج من المدينة والاختباء في أي مكان قريب لا يعرفهم فيه أحد، وفي ظلال من شمس يوم جديد رسمت وجهها الحارق على سيرهم، اهتدوا متعبين إلى كهف مهجور ضمن أحد الجبال المحيطة بمدينتهم، حيث اختاروا المكوث فيه والاختباء مؤقتًا.
بعد علمه بفرارهم غضب ديسيس وأمر على الفور بتعقبهم والبحث عنهم في كل مكان، لكن محاولات البحث لم تُجدِ نفعًا، في تلك الأثناء أرسل الفتية أحدهم في لباس رثة متسخة طمعًا في التنكر، أرسلوه إلى المدينة كي يستقصي الأخبار ويجيء بالطعام، فعلم عن أمر الإمبراطور بالتعقب والقتل.
جاء الفتى بتلك الأخبار المفجعة وبالطعام كذلك، تلبثهم الخوف جميعا وعم في نفوسهم الحزن والقلق، بعد ذلك غطوا في نوم عميق، وفي نفس الوقت كان جند الإمبراطور يلقون القبض على أهليهم، تعذيب وتنكيل شديدين استسلم على إثره أحدهم، وأرشد إلى موضع الكهف الذي يمكث فيه الفتية.
بعد التأكد من وجودهم في الكهف؛ لم يأمر الإمبراطور بقتلهم، وإنما أصدر قرارًا أشد قسوة، كان القرار هو أن يُسدّ عليهم مدخل الكهف بحجارة كبيرة تمنعهم من الخروج ليتركوا معذبين جوعى وعطشى قبل أن يموتوا حتف أنوفهم، بالفعل أغلق الكهف عليهم بحجارة كبيرة لا يستطاع معها الخروج.
يقال أن اثنين ممن كتما إيمانهم حينذاك وشهدوا تلك القصة وسد الغار، كتبا القصة وأسماء هؤلاء الفتية على لوح معدني، ثم قاما بدفنه تحت الحجارة التي سُد بها الكهف، كي يعلم خبرهم من يأتي لاحقًا، ذلك اللاحق الذي اختلف كثيرًا وعمت فيه المسيحية حتى أصبحت دينًا رسميًا للإمبراطورية الرومانية
بعد مضي نحو 187 سنة (طبقا للرواية السريانية) تحديدًا في زمن الإمبراطور ثيودوسيس الأصغر، آل الكهف بما عليه لراعي غنم اسمه أدوليوس، حيث ارتأى أن يزيل تلك الحجارة الكبيرة التي تسد مدخل الكهف من أجل استخدامها في بناء بيت ريفي من جهة، واستخدام الكهف كحظيرة للحيوانات من جهة أخرى.
بعدما تحركت الحجارة التي تسد باب الكهف قليلا؛ تسلل الضوء إلى أعين الفتية فعادوا لفورهم إلى الحياة، وأيقظ بعضهم بعضًا، والجوع يتآكلهم بعد نوم ظنوه ساعات، لكنهم تجاوزت بهم السنين المئات؛ اقترع الفتية فيما بينهم واقترحوا أحدهم للذهاب إلى المدينة سرًا من أجل الحصول على بعض الطعام.
بعد خروجه لجلب الطعام ارتاع للتغير الذي حلّ بمدينته المعهودة وأهاله ذلك الصليب الكبير المنقوش على بابها، لكنه اجتاز كل هذه المفاجآت ومضى نحو السوق، حيث ابتاع بعض الطعام، لكن البائع شك في أمره ليس بناء على هيئته فحسب؛ ولكن بسبب تلك العملة المعدنية التي تعود لعصر ديسيوس.
ظن صاحب الحانوت أن الرجل الذي أمامه عثر على كنز قديم مدفون وها هو الآن يخرج بعضًا من نقوده، أمل صاحب الحانوت أن يشاركه في كنزه المفترض، لذلك ضيق عليه الخناق واستعان ببعض ممن حوله، فلا يزالون بالرجل ضربًا ولكمًا حتى أفضى بما عنده من خبر.
حملاه إلى أسقف المدينة الذي استمع منه انتمائه لعهد الإمبراطور ديسيوس وأنه لا يعرف ماذا حل بالمدينة ويدعوه أن يرافقه إلى الكهف كي يعاين أصحابه الآخرين، وبالفعل سار والناس من حوله إلى قمة الجبل حيث رأوا بقية الفتية وعثروا في المكان على اللوحتين المعدنيتين التي تصدق قولهم.
نما خبر الفتية حتى وصل إلى الإمبراطور ثيودوسيس، والذي لم يتأخر في الوفود إلى الكهف بنفسه، وذلك في أثناء ثورة دينية عارمة بقيادة القس ثيودور، ثورة تنكرت وشككت في قيامة الأجساد بعد الممات، وهو أمر عارضه الإمبراطور بشدة، واتخذ من قصة هؤلاء النيام طوق نجاة لرد تلك الآراء.
سارت القصة لنهايتها حيث ارتقت أرواح تلك الفتية لتعانق السماء، قائلين قبل موتهم (حسب الرواية السريانية) أنهم ما بعثوا من جديد إلا ليثبتوا الناس على دينهم ويدرأوا فساد البدع، بكى الملك ثيودوسيس أمامهم وأسبغ عليهم حلته الملكية آمرًا أن يدفنوا مكانهم ويبنى عليهم هيكلًا رومانيا للصلاة
لم ترد هذه القصة في الكتاب المقدس بعهديه القديم أو الحديث، لكن أول من أخبر عن هؤلاء الفتية وقص قصتهم هو الأسقف يعقوب الساروجي نسبة لقريته الواقعة على ضفة نهر الفرات، والمولود بعد موت الملك ثيودوسيوس فقط بعامين تحديدًا 451م، ذكر هذه القصة في إحدى عظاته باللغة السريانية.
وإخبار السروجي لتلك القصة بعد ذلك بعقود من افتراض حدوثها وهو من العراق وليس من أفسس أمر أثار الشك لدى بعض المؤرخين، كما أن خلو وثائق الملك ثيودوسيوس من أي ذكر لتلك القصة مع أهميتها أمر فتح الباب واسعًا وراء افتراضات أخرى كثيرة لدى علماء الدين المسيحي
بعض الروايات المسيحية الأخرى تتحدث عن خاتمة مغايرة لما هو شائع لقصة النيام السبعة، حيث تقول الرواية أن باب الكهف سد على الفتية، وبعد مائتي عام رأى أسقف المدينة وحيًا يخبره بمكانهم، ذهب إلى الكهف وأزال الحجارة فوجد أجسادهم سليمة مع موتهم، فأكرمهم ودفنهم وأقام على الجبل هيكل للصلاة
بعض الآراء تعتقد أن الرواية الأخيرة هي الأقرب للصواب، وأن الافتراضات الأخرى التي تتحدث عن قيامتهم ما هي إلا زيادات أضافها العامة للقصة أو أن القصة حُرِفت على يد هذا الملك لأهداف سياسية تتعلق بدرأ المبدعين القائلين بعدم إمكانية البعث.
بينما تذهب الموسوعة الكاثوليكية إلى منظور أبعد من ذلك؛ حين تقرر أن هذه القصة أسطورية وأنها أتت من أجل العظة وبث الإيمان في قلوب الناس وتسليتهم، وأن لا أساس لها واقعي، وأنها كبقية "القصص الأسطورية" اشتملت على العظة والمغزى الإيماني، والذي حددته هنا بإمكانية البعث بعد الممات.
هناك فريق يقول بوجود شبهة تعمد إخفاء خبر هؤلاء الفتية لمئات السنين، قبل أن يخرج أسقف من العراق في القرن الخامس الميلادي ويجلي خبرهم، ويرجعون سبب هذا الإخفاء إلى أن الملك الذي استيقظوا في عهده كان يؤمن بالتثليث بينما الفتية كانوا على أصل المسيحية الموحدة (سبب ملفت برأيي)
أما وجهة النظر الإسلامية ففيها آراء متعددة، إذ يرى البعض وقوع القصة بأكملها قبل مولد المسيح، وأن الفتية المذكورين كانوا على الدين اليهودي الحق، واستدلوا على ذلك بسؤالات أحبار اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التحدي، حيث سألوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم.
فكان جواب التحدي هو نزول الآيات التي تتضمن ذكر أصحاب الكهف، ولا يعقل أن يسأل أحبار اليهود عن فتية من أتباع المسيح، لما يُعلم من عداء تاريخي وعقائدي بين اليهود والمسيحيين، وسؤال أحبار اليهود عن هؤلاء الفتية لا يعني إلزامية ورود قصتهم في التوراة بل يعني أنها قصة حدثت في التاريخ.
بعض الآراء الإسلامية الأخرى تشير إلى أن القصة وقعت في فصلها الأول في زمن ما قبل المسيح، في حين أن مبعث الفتية من رقادهم تم بعد انتهاء زمن المسيح، وبالتالي لا يتعارض الأمر مع سؤال الأحبار، ويفسر هذا الرأي لماذا لم ترد هذه القصة في التوراة وكذا لماذا لم ترد في الإنجيل.
أما الرأي الثالث وقد تبناه ابن الأثير وغيره، فيتطابق ولو جزئيا مع المصادر المسيحية من حيث المدينة والمكان وكذا الملك الذي وقع في عهده ذلك الأمر، ويشير ابن الأثير إلى أن الفتية كانوا على شريعة عيسى عليه السلام، مع تضعيف رواية سبب نزول قصتهم في القرآن الخاصة بالأحبار.
يشكك البعض في هذه القصة من منطلق أنها لم ترد في التوراة والإنجيل، وهذا لا يعني بحال عدم وقوعها، فليس كل ما ورد في القرآن ثبت أيضا فيما سبقه من الكتب، فالقرآن جاء ناسخا ومضيفا، وليس من المنهجية العلمية في شيء أن يستدل على بطلان حدث، بعدم ذكره في التوراة والإنجيل.
وفي البحث عن مكان الكهف لا يسعنا أن نورد كم الكهوف المقترحة له، فما بين الأردن ودمشق وتركيا وغيرهم يدور الحديث، لذلك يقرر بعض الباحثين رأيا مفاده أن مكان الكهف غير معروف، وما من قرائن تاريخية جازمة تشير إليه على وجه الدقة.

جاري تحميل الاقتراحات...