ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

29 تغريدة 330 قراءة Aug 04, 2022
جده لأبيه هو شيخ الأزهر في الثلاثينيات، أما جده الآخر فهو أول أمين عام لجامعة الدول العربية، نشأ هادئًا مرفهًا ضمن قصور المعادي لعائلة ثرية وعريقة، ونجح دراسيًا حتى صار جراحًا للعيون، لكنه لفظ كل هذا واختار أن يكون المطلوب الثاني عالميًا على قائمة الإرهاب..
حياكم تحت
في التاسع عشر من يونيو 1951، تحديدًا في حي المعادي، أحد أحياء الأثرياء جنوب القاهرة؛ استقبلت أسرة الدكتور محمد ربيع الأستاذ في كلية الصيدلة مولودًا جديدًا، وقد أسماه "أيمن"، بهجة وغبطة وتمنيات تحفه أن يكمل مسير والده وأعمامه وعماته ذائعي الصيت في مجال الطب .
تميز هذه الأسرة لا يعود فقط لميسورية حالها أو لدرجاتها العلمية الفائقة، وإنما يعود أيضًا لتلك الكوكبة من الأعلام التي تنتمي إليها، فالجد الأكبر لأيمن هو محمد الأحمدي الظواهري شيخ الأزهر في ثلاثينيات القرن ال٢٠، أما عمه لأمه فهو عبد الرحمن عزام أول أمين عام لجامعة الدول العربية.
في المعادي الهادئة المطلة على الضفة الشرقية من النيل، نشأ الفتى في بيئة مثالية ساعدته على التفوق الدراسي، وصبغته بالهدوء والرقة، فبدا للجميع أنه يسير على نفس خطوات أقرانه في العائلة، وأنه في القريب سيضحو مثلهم طبيبًا أو سفيرًا أو حتى أكاديميًا عريقًا كحال جده لأمه.
خلال نشأته عُرف عن أيمن تمضيته لوقت طويل في مسجد حسين صدقي القريب من منزله، يطالع القرآن ويقرأ الكتب، ليعود بعدها بالانخراط مع زملاء من مدرسته في تجمعات إسلامية صغيرة متشددة، تهيأ لها الظهور تحت وقع هزيمة ٦٧، وما سبقها من أحوال.
تسبب هذا الانخراط المبكر للفتى في القبض عليه وهو لا يزال في سن الخامسة عشر من عمره، لكن هذه المشكلة مرت وانتهت حين أفرج عنه بعد شهور، حيث استعاد زمام تفوقه، والتحق بكلية الطب، لكن على ما يبدو لم يخفت فيه انتمائه إلى تلك الجماعات داخل الجامعة.
كبحًا لجماح اليساريين والتقدميين المعادين له والمنتقدين لسياساته، قام الرئيس السادات بإتاحة المجال للجماعات الإسلامية أن تنشط كي تنافس اليساريين في انتخابات اتحادات الطلاب بالجامعات، وهو ما مثّل بيئة خصبة للإسلام السياسي على اختلاف درجاته من حيث الوسطية والتشدد.
استمر أيمن في دراسته حتى تخرج من الكلية حاملا لشهادة الماجستير في جراحة العيون، ثم اتجه إلى تتبع تقاليد عائلته في العمل المهني، فاختار أحد ضواحي القاهرة وافتتح فيها عيادته الخاصة، وفي ذروة نشوء الجماعات الإسلامية اختار الانتساب إلى جماعة الجهاد التي أنشئت عام 1973.
بعد حرب أكتوبر واستعادة سيناء أصبح السادات يرتكز على جماهيرية صلبة، فهو بطل الحرب الذي حقق المستحيل، وبدا الوقت مناسبًا كي يوقف تلك الحرية والسماحية التي منحها للجماعات الإسلامية، فضيق عليها الخناق كثيرًا، في نفس الوقت الذي أقدم فيه على خطوات جريئة ستتوج باتفاق سلام مع إسرائيل
في عام 1981 وأثناء حضور السادات عرضاً عسكريا ضمن الاحتفال بذكرى انتصار السادس من أكتوبر؛ ترجل عدد من الأفراد المشاركين في العرض العسكري عن سيارتهم العسكرية، وقاموا بإطلاق النيران على السادات، والذي قتل على الفور، لتبدأ بعد هذه الحادثة مرحلة جديدة من تاريخ الإرهاب والعنف في مصر.
ظهر أيمن الظواهري في قفص الاتهام كواحد من متهمين كثر ضمن قضية اغتيال السادات، ولإجادته اللغة الإنجليزية تقدم لأول مرة على سلم القيادة حين تحدث باسم جماعته للصحافة الأجنبية أثناء انعقاد الجلسات، حيث قال "نحن مسلمون نؤمن بديننا ونسعى لإقامة الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي.
بُريء أيمن في قضية اغتيال السادات، لكن رغم ذلك حُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات لحيازته أسلحة بصورة غير مشروعة، وعلى طول محكوميته التي قضاها في سجن القلعة قال انه تعرض لتعذيب شديد كاد أن يفتك به، وساهم هذا التعذيب وفق عائلته في تغيير تركيبته النفسية إلى ذلك التطرف الذي صار إليه.
خرج الرجل من السجن عام 1985، وعقب هذا الإفراج قرر الهجرة من مصر إلى الأبد، حيث غادر إلى جدة بالسعودية للعمل كطبيب، حيث استمر مدة قصيرة قبل أن يمضي قدمًا إلى أفغانستان، ذلك البلد الذي زاره من قبل كطبيب عيون عام 1980 ضمن قوافل طبية مصرية.
كانت أفغانستان حينذاك مقصدًا مثاليا لكل مجاهدي العالم، في حربهم ضد السوفييت، شارك أيمن في هذه الحرب، وبدا المكان والوقت حينذاك مناسبين لإعادة إحياء تنظيم الجهاد المصري الذي كان سابقًا أحد أعضائه البارزين.
ساحة حرب مفتوحة مناسبة تمامًا للأفكار العنيفةاستغلها الظواهري في إنتاج نسخة جديدة من تنظيم الجهاد، لكن هذه المرة على أساس عسكري واضح، بحيث درب أفراده على حمل السلاح وصار لديهم الإمكانيات العسكرية والهجومية الكاملة، وهو ما لم يكن متوفرًا لهم من قبل في مصر.
بعد إعلان السوفييت انسحابهم الكامل من أفغانستان نهاية عام 1989، لم يجد تنظيم الجهاد أو قائده أيمن الظواهري ثمة عمليات يؤدونها في تلك البلاد، لذلك انتقل إلى السودان، وباشر من هناك مع أفراد جماعته القيام بعدد من أعنف العمليات الإرهابية دموية في التاريخ المصري الحديث.
يجيء على رأسها ما يسمى بمذبحة الأقصر 1997، والتي استهدف فيها التنظيم سياح أجانب، أودى بحياة 58 منهم، يضاف إليها محاولة الاغتيال الفاشلة لرئيس الوزراء المصري حينذاك عاطف صدقي، لكن نجاح القوات الأمنية في إلقاء القبض على مئات من أفراد التنظيم حيّد قدراته وصرفه عن المواصلة.
خلال إقامته في أفغانستان انفتح الظواهري على قطاعات جديدة من التنظيمات القادم أغلبها من بلاد عربية شتى فيما عرف بالأفغان العرب، وهو أمر جعله يراجع ذاته فيما يتعلق بمحلية أهدافه، حيث لم تعد مصر وقلب نظام الحكم فيها هو شاغله الأول، بل صارت أهدافه أكثر شمولية تتسق مع وضعه الجديد.
التقى الظواهري وبن لادن في السودان وسافرا معًا إلى أفغانستان بعد أن طلبت السلطات السودانية منهم الخروج، ومن على أرض بيشاور، بدأت تتوثق علاقتهما وتطرد إلى ذلك الحد الذي انتهى بتوحد فصيليهما، فأصبحت القاعدة والجهاد معًا بالإضافة إلى فصائل أخرى، تحت مسمى قاعدة الجهاد.
أثر الرجلين على بعضهما كان كبيرًا، حتى أن كثير من المحللين يحار في أي منهما يقود الآخر، فالظواهري كان المنظر الأول للتنظيم ولطالما وصف بالساعد الأيمن لبن لادن، ومنذ اللحظة الأولى لتوحد الفصيلين، صاغ الرجلين رؤية جديدة للجهاد تتمثل في العداء لما أسمياه بالتحالف اليهودي الصليبي.
اعتبر الرجلين الولايات المتحدة هي عدوهما الأول، وباشرت القاعدة سلسلة من العمليات النوعية ضد أهداف أمريكية، كان أولها عام 1993 في نيويورك، حين تفجرت سيارة مفخخة في مركز التجارة العالمي وتسببت في مقتل 6 أشخاص ووقوع 1042 مصاب.
تلى ذلك هجمات أخرى متفرقة مثل تفجير السفارة الأمريكية في نيروبي ودار السلام عام 1998، ثم استهداف المدمرة الأمريكية "يو أس أس كول" في اليمن، ثم كان الهجوم الأكبر الذي غير مسار التاريخ، نعني هجوم الحادي عشر من سبتمبر 2001، والذي أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 3 آلاف شخص..
اتهمت أمريكا القاعدة بالقيام بهذه العملية، ووضع مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي الظواهري على رأس قائمة المطلوبين له بعد أسامة بن لادن، ورصد مكافاة بـ 25 مليون دولار لمن يرشد عنه، في تلك الأثناء كان على الظواهري وبن لادن المشتبه في تخطيطهما لهذه العملية مع آخرين، أن يفروا للأبد.
بسبب الغزو الأمريكي لأفغانستان حوت جبال وكهوف قندهار المقفرة أيمن الظواهري في داخلها، ونجح مع رفيقه بن لادن في الاختباء والنجاة لسنوات طوال، كان فيها يخرج للعلن عبر تسجيلات مصورة يبث فيه رسائله ويعلق على جديد الأحداث العالمية ويحث الشباب على الجهاد والعنف.
في 13 يناير 2006 حاولت أمريكا قتل الظواهري عبر ضربة صاروخية استهدفت مكان تواجده بالقرب من الحدود الباكستانية مع أفغانستان، قُتل في الضربة أربعة من القاعدة، ونجا الظواهري من الحادث، وخرج بعد أسبوعين منه يحذر بوش بأنه لا يستطيع قتله طالما كان مقدرا له الحياة.
في 2 مايو 2011 قتلت قوات أمريكية خاصة أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة، ووجد الظواهري نفسه وحيدا بعد نحو 20 عاما من الشراكة مع بن لادن، حيث بويع لخلافته بعد ستة أسابيع من مقتل رفيقه وأصبح زعيما للتنظيم، ونعى رفيق مسيرته برسالة مسجلة جاءت تحت عنوان "وترجل الفارس النبيل".
مع انتفاضات ما عُرف بالربيع العربي، وإفرازها لقطاعات جديدة من الجماعات الإرهابية مثل تنظيم الدولة الإسلامي، خفت دور القاعدة تدريجيا وأصبح لا مركزيا في العمل، حيث تواجد التنظيم في سوريا ممثلا في جبهة النصرة فضلا عن تواجده عملياتيا في مناطق أخرى مثل سيناء وأفريقيا وغيرهما.
في 2 أغسطس 2022 أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن مقتل زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، إثر استهداف منزله الكائن في حي شيربور الراقي في كابل، عبر طائرة أمريكية مسيرة، كانت الضربة بالغة الدقة، بحيث قُتِل وحده، فيما نجا جميع أفراد أسرته!! كما يقول الامريكان
طوت هذه العملية حياة شخصية محورية في تاريخ الإرهاب العالمي، تسبب من خلال تنظيمه في إراقة دماء آلاف البشر الأبرياء حول العالم، لتبقى شخصيته دائمًا محل تأمل وتساؤل وإدانة.

جاري تحميل الاقتراحات...