التقنيات المعمارية في شعرية محمد طه القدال (2): تحاول هذه الورقة الكشف عن التقنيات المعمارية في شعرية محمد طه القدال، (مسدار أبو السرة لليانكي) وإلى أي مدى تمظهرت هذه التقنيات من خلال توظيفها في تشييد معماريةٍ نصيةٍ، جعلت معظم نصوص الشاعر تمارس تداخلًا إجناسيا واضحًا.
هذا التداخل ينقل النص الشعري العامي من طوابعه الغنائية أي الفردية إلى الطوابع الموضوعية أي الجمعية. مما لا شك فيه أن الخطاب الشعري لدى القدال وفي مجمل نصوصه يتجلى بوصفه خطابًا سرديا حكائيا، يتمدد تصاعديا حتى نهاية النص.
كما أن عمق المعرفة اللغوية وفضاءاتها اللهجية والثقافية عند القدال يشكل ملمحًا نوعيا في بناء الخطاب الشعري السوداني. إن الصورة في شعر القدال تنهض على التكثيف والرمز والحيوية وعلى التركيب والقطع والتتابع أيضًا، مما يقربها من تقنياتٍ سينمائية كالمونتاج وبانورامية المشهد.
تنظر هذه الورقة إلى أربع تقنياتٍ ترى أن مقاربة نص القدال الشعري عبرها واحدةٌ من الممكنات القرائية، التي تسهم في سبر أغوار تجربةٍ شعريةٍ تجذرت في الوجدان السوداني، وهي: 1/ التقنية السردية. 2 / تقنية التضفير اللهجي. 3/ التقنية الصوتية. 4 / تقنية المونتاج والسيناريو.
كما أنها تطمح أيضًا المساهمة في وضع تصورٍ – بالطبع ليس نهائياً- ولكنه يمكن بدرجةٍ ما من التعاطي القرائي لمعظم إنتاج القدال الشعري. الكلمات المفتاحية: القدال – مسدار أبو السرة – التقنيات المعمارية.
مدخل إذا كان الشاعر السوداني اهتدى عبر تجربته القولية النظمية إلى وسيلةٍ يضمن بها شكلًا متطورًا للدوبيت يتمثل في قصيدةٍ طويلةٍ نسبيا… فبلا شك أفضت هذه الوسيلة إلى فن المسدار الشعري، الذي يمكن توصيفه بأنه نمطٌ ينتمي إلى القصيدة الشعرية المركبة من وقائع جزئيةٍ.
يحرص فيه على تدوين الوقائع وتحويلها إلى سجلاتٍ شعريةٍ.
أما في معنى المسدار، لقد خلص الدكتور إبراهيم الحاردلو إلى أن الكلمة بيجاوية الأصل وتعني نظم – أي نظم القصيد و الشعر، هذا النظم حفل بوقائع رحلة الشاعر سواء أكانت رحلةً حقيقيةً أم متخيلةً، بهذا المعنى يكون المسدار تصورًا حكائيا لرحلةٍ ما.
إن مسدار (أبو السرة لليانكي) ينتمي في معماريته إلى البناء الشعري المركب، وهو الذي يحدد شعرية النص عند القدال، فشعرية النص لا تتحقق بغير بناءٍ لا يعطي النص انسجامًا وتماسكًا، ويجعله وحدةً معماريةً مشيدةً من وحداتٍ متسقةً على المستوى المعرفي والجمالي.
فالمسدار نظم لغوي لرحلةٍ ما سواء أكانت مكانيةً أم زمانيةٍ متخيلةً أم واقعيةٍ، من هنا يمكن تلمس عناصر سرديةٍ ودراميةٍ فيه، تتجلى عبر خط منتظمٍ. فالمسارات الرحلية موصوفةٌ من قبل ذاتٍ ساردةٍ لأحداث متداخلةٍ على طول خًطوط الرحلة.
يقول سعيد يقطين: “لا يمكن للسرد باعتباره تقديمًا لسلسلةٍ من الأحداث المتتابعة إلا أن يحتل فيه التحًول والانتقال والبحث دورًا أساسيا، يبرز هذا التحول من خلال الرحلة باعتبارها حافزًا للحكي”.
أما من حيث الخطاب فالنص لا ينفصل عن المًؤثرات العامة سواء أكانت محلية أم إقليميةٍ أم دوليةٍ، فليس هناك انفصالٌ بين الخطاب والمعيش. حتى على المستوى الذاتي للتجربة الشعرية، إنه الصوت الذي ينمو داخل المجتمعات.
إن طابع مسدار أبو السرة لليانكي يكشف عن حكائيته، فالهيمنة الأمريكية والاجتياح الإسرائيلي ومذابح صبرا وشاتيلا، هي البؤرة المركزية فيه.
بهذه البؤرة المركزية استطاع القدال نقل المسدار من طبيعته الفردية إلى طبيعةٍ جماعيةٍ، وفي نفس الوقت حافظ على أنظمته الأسلوبية والشعرية، فمسدار أبو السرة لليانكي مركزيةٌ يتقاطع فيها الثقافي مع الجغرافي، ويتعاضد مع الكثير من المفاهيم والأطر؛ سواء أكانت فكريةً أم الجمالية، إنه…
…مغامرةٌ نصية كبرى. 1- التقنية السردية: السرد ليس سمةً تميز القصة فقط، إنما هو سمة في الخطاب اللغوي بصورةٍ عامةٍ، لذلك يمكن ترصد هذه السمة في أكثر من جنسٍ أدبي. نعني بالسردية: هي العلم الذي يعنى بمظاهر الخطاب السردي، أسلوبًا وبناءً ودلالةً.
فاستثمار تقنيات السرد في النص الشعري يأتي عبر أشكالٍ مختلفةٍ عن السرد الحكائي في القصة، فالنص الشعري ينهض على مقوماتٍ إيقاعيةٍ وتخييليةٍ وتصويريةٍ، هذه المقومات تنحو به نحو درامية تتبدى في تعدد الأصوات والشخصيات والصراع، فيكون المتن الحكائي قاعدةً أساسيةً يبني عليها الشاعر نصه…
…الشعري، مستثمرًا حدثًا تاريخياً أو جملة أحداثٍ، فينتج نصا يكثف السرد الحكائي، لكنه لا يطغى على النص بل يسهم بقسطٍ في إنجاز هذه البنى السردية الشعرية.
كما أن اشتغال الحدث الحكائي على قماشة النص الخلفية يشكل محورًا للنص يقود إلى سلسلةٍ من التحولات تشكل الأبعاد الدلالية للنص الشعري، ويرسخ تخصيص الخطاب وتحققه النوعي.
يقول دكتور عبد الناصر هلال: “إن الراوي في الشعر يصبح راوياً أصيلًا، ومن حقه أن يلعب في اللغة حتى يصل إلى المجازية أحيانًا، وحضوره يتجسد عبر انتهاكاته وقدرته على استغلال هذه اللغة، أما الراوي السردي في الرواية أو القصة لا يعبث بالقواعد على عكس الراوي الشعري الذي يعد أكثر حريةً…
…ويتعامل مع المجاز بغير حدود”. فالمسدار نظم لغوي لرحلةٍ ما سواء أكانت مكانيةً أم زمانيةٍ متخيلةً أم واقعيةٍ، من هنا يمكن تلمس عنصرٍ سردي، أو مشهديةٍ سرديةٍ تتجلى عبر خط منتظمٍ. فالمسارات الرحلية موصوفةٌ من قبل ذاتٍ ساردةٍ لأحداث تتقاطع على طول خًطوط الرحلة.
إن بنية العنوان تفتح مقصدًا سرديا يركن إلى حكايةٍ (مسدار أبو السرة لليانكي). يقوم على الحكاية:” مجموعةٌ من الوقائع والمواقف المسرودة حسب ترتيبها أو مساقها الزمني أو الكرونولوجي”.
وهي أبرز الملامح في شعرية القدال، فالقدال يستند للحكي عبر أقنعة، ومن خلال هذه الأقنعة يحدد مساره ملتقطًا التفاصيل التي تعطي النص درجةً عاليةً من التوتر، لذلك نجد تعددًا للأصوات، يفترض وجود صراعٍ مع قوةٍ أخرى، هي اليانكي بمقتضى هذا التصادم ينمو الحدث.
(أماتي القبيل بي حنهن لجـني/ كرفة وقلدة كيف شوق اللبن رجني/ حزنًا جاني في ميع الصبا يلجني/ اطلع مني يا جلدي المنمل جني/ واطلع مني يا حزنًا بقى مكجني/ خلني أبداً مسداري وأدي قفايا لي دارًا بقت مي داري).
المجتزأ يشكل استهلالًا تمهيدياً لبؤرة اللأحداث، فهو ينطلق من المشتركات الجمعية في التربية التي تتضافر فيها المجتمعات المحلية (أمات)، فهو يكتسب إنسانيته من هذا الحنان (لجـنـي) أطعمنني (لج) أطعم الطفل البلح في صغره لتقوى لثته، وهذه من العادات السودانية، كـرفـة وقـلـدة كيف شوق…
…اللبن رجـنـي!! الكرفة الشم بقوةٍ، والقلدة الضم كما أنهن حملنه صغيرًا (رجني) حركنه (اللولاي)، كيف بمعنى كاف التشبيه، فهو رجنه كما يرج السعن. نلاحظ أن المشهدية الحكاية تم تشييدها من المتخيل الطفولي، وهي المنطلق الذي تخترمه التحولات التي راكمت عليه الحزن فيما بعد.
(حزنًا جانـي فى ميع الصبا يلجـنـي/ اطلع منـي يا جلدى المنمـل جـني/ واطلع منى ياحزنًا بقى مكجـني) يتخذ الحزن بعدًا صراعياً من خلال الإكراهات الداخلية والخارجية المتمظهرة في متوالية الأفعال (يلجـنـي- جـني- مكجـني).
فلا يمكن أن يبدأ المسدار إلا عبر الانفلات من الإكراهات التي تحول بينه وبين العالم والمساهمة في تشكيله على أسسٍ جديدةٍ عبر نضالات جمعيةٍ. إن ترك الديار التي لم تعد دياره، يستند لأسبابٍ متعددةٍ، على رأسها الإكراهات السياسية.
(خلـنـي أبدا مسداري/ وأدي قفاي لي دارًا بـقت مي داري/ جيتا وجلدي بينو وبين عضاي الشحمة/ إلا النار بقت قدامي). يستخدم القدال الحوار تقنية مرحلةً من السرديات إلى الشعر، بوصفه أداةً فنيةً للكشف عن المعنى الذي يجعل شخصياته أكثر حضورًا وتجسيدًا للصراع.
قولنلي وللا صحي الورم عضامي (سفريتك مي في النية/ ماها الكانت محرية/ خابراك عريف ذم العربان وللا قيام الوردية / ماالك!
تريان ومندي/ كاسي الكتان والهندي/ قولك ككيف ترجى البيشان واللا الغربة البي الزندي/ برقًا عبدلي الوزن / يا طاش يا جاب المزن/ فرق يا الضيف فعل الغضبان/ أم فرفيرات الحزن).
الحوار يخلق جواً درامياً يفتح فضاءً جمالياً سردياً، فالحوار تقنية سرديةٌ أصيلةٌ في بناء النص الشعري، من حيث تتعدد مستويات الصياغة وبالتالي يتعدد المستوى الدلالي، ويعطي الحوار النص الشعري توصيفًا سرديا يظهر من خلال جدلية الأصوات المتحاورة، كما نلحظ أن اللغة تمارس حضورًا حكائيا،…
…في ظل مجازية الوصف العادي، والانتقال من صوت المخاطب إلى صوت المتكلمٍ.
(وشـن القعدة يا أبو السرة؟/ شن القعدة فى ضل العمارات أم كـمرتًا بـرة؟/ ضـقنا الحنضل اليانكي/ وبلعنا المرة/ كملت كوتة التمباك صـقعـنا الجـرة/ وكت إتقفلت شـقيش..قـبل.. بي المرة / نرمي أمرنا فى بلد المعاني الحرة؟).
يظهر الاستفهام كحالة رفضٍ تكمل بناء الحوارية المفترضة، هذه الحوارية تدل على موقف السارد/ الشاعر الفكري والفلسفي.
كما أن حركية الأفعال (ضقنا- بلعنا- كملت – قصعنا- اتقفلت – نرمي) تظهر السارد المتخفي خلف الضمائر الجمعية، فينتقل الشاعر بحصافةٍ من الضمير الفردي ضمير المتكلم الذي بدأ به استهلال المسدار إلى الضمير الجمعي، لينقل المسدار بكليته من طبيعته الفردية لطبيعةٍ جمعيةٍ تحدد وعيًا مشتركًا،…
…وعيًا جمعيا ينطلق ويتكاثف عبر مسارات الرحلة إلى نهايتها. فالمدى للحكائي يقع بين استفهامين (وشـن القعدة يا أبو السرة؟- نرمي أمرنا في بلد المعاني الحرة؟). عبرهما يعمد السارد إلى تمرير موقفه الفكري الساخر من بلد المعاني الحره، الرافض لهذا التخريب الذي يمارسه اليانكي.
فأبو السرة واحدٌ من الأقنعة التي ينجزها القدال لتحمل مواقفه المناهضة للاستعمار الحديث وطوابعه الأيديولوجية.
إذا كان الشاعر بوصفه راويًا، فًهو يمتلك إعادة تشكيل الواقع وعلاقاته المختلفة برؤيةٍ يزاوج فيها بين التاريخ بأحداثه ومسروداته المختلفة، في تقنيةٍ حكائيةٍ منفعلةٍ بصورةٍ واضحةٍ بالوقائع وتسريدها في صيغةٍ جماليةٍ بين المؤطر والحر بين الذاكرة وتمثلاتها.
2- تقنية التضفير اللهجي: أعني خلق ضفيرةٍ لغويةٍ من عددٍ من اللهجات المحلية والعربية المختلفةٍ عبرها يتأثث الفضاء الإقليمي باعتباره حيزًا مفاهيميا وهوياتيا يشي بحضور الواقع في صورته الدرامية المختزنة في وعي الشاعر لحظة الكتابة بوصفه فضاءً جمعيا تخترقه مأساة الهيمنة الأمريكية.
عند النظر في مدونة القدال الشعرية، نجد أن القدال كان مهمومًا بإنجاز تعاقدٍ لساني بين سجلاتٍ لغويةٍ/ لهجيةٍ مختلفةٍ، للمكونات الإثنية السودانية -هذا واحدٌ من مشاريع القدال الثقافية- في ظني هو تاسيسٌ لوحدة الثقافة السودانية العضوية، هذا الوعي بالبعد اللساني التداولي للغة يكسر…
…حاجز الممانعة اللغوية/ الوجدانيةٌ، ويعطي الخطاب الشعري فيوضه التواصلية، فتتمتن العلاقة بين النص والقارئ المفترض. لذلك ظل القدال يمتن ضفيرته اللغوية من مجاميع القواميس المحلية (انظر: شاشاي للدومة وحلومه هداي للناس دوباي للنيل- 2007م)، هذا ما أسميته التضفير اللهجي( من الضفيرة).
كما أن القدال أحيانًا يرحل النص من سياقه التاريخي إلى سياق معاصرٍ ويثبته داخل متواليته الشعرية، فيعمل على تشكيل بعدٍ سياقي جديدٍ من خلال تفجير الدلالة وتفكيك التجربة السابقة وإخضاعها لحمولاته المعرفية. فالمرأة في شعر القدال تمثل أفقًا استراتيجيا للثورة.
ومن هنا تدرك أن حضور مسدار الحاردلو ليس حضورًا مجانياً، فهو استحضارٌ لمجمل القيم الجمالية والأخلاقية، وأي انتهاكٍ لهذه القيمة (الصيدة / المرأة)؛ هو انتهاك لثروات الشعوب، وما (مديدة الحلبة – الدخان – والخمرة – الويقود) إلا رموزٌ لموارد الدول النامية.
مرقت بره (تغلي مديدة الحلبة التسمن ردفها!!/ السمن الـمـبـسـتر.. يانكي./ والويقود بعيرات الدخان في العين/ وفي الفشفاش يسوي عمايلو/ شن فايدة مديدة الحلبة ؟/ والويقود.. وبشيلو اليانكي).
يا أبو السرة قامت من دخاخين العمى تلمع وشيها/ اليانكي مستنيها../ كان اليانكي مستنيها في مراية السجم فى الليل/ لقيتها متل فريخ الطير/ مـرق ود عينها من ود عينها رجافة المزمل حمى).
بتخصيص العين تحديدًا استطاع القدال نقل الرسالة أي الحالة الشعورية في صورةٍ مشهديةٍ بشكلٍ تكثيفي مرعبٍ، تمت عبر تسلسلٍ تتابعي ( لقيتها متل فريخ الطير – مـرق ود عينها من ود عينها – رجافة المزمـل حمـى).
جـفلت منو/ وقعت عندي/ صدرها يغلي/ يأبو السرة شفت اليانكي فى ود عينها/ شلتها للبحـر يمكن يغسل عينها من اليانكي).
فإذا كانت الحركة المشهدية تعبر عن التغيير؛ وإن التحول الزمني على مستوى الفعل الماضي الذي يقطع الحركة، بينما الفعل المضارع يعمل على استمرارها، فالملاحظ أن الحركة الزمنية بين فعلين ماضيين عند القدال تنحو نحو تصفير الزمن (جفلت منو – وقعت عندي). هذا التضاد يعكس مفهومًا كليا للاحتماء.
فهي لا تحتمي إلا بمن تثق فيه. لذلك لا تكتمل دلالته الكلية إلا عبر التطهير، التطهير هو استعادة البراءة بعد التدنيس، فالماء هي الجوهر الوحيد للتطهير، التطهير هنا يختص بالدالة الكبرى، مهد التخصيب والثروات؛ المرأة / الأرض، فتطهيرها هو المؤهل للانضمامها إلى الركب السائر نحو الحرية.
إن التضفير اللهجي المنسجم أدائياً، والذي يتوافق مع الإنسان المستهدف بالخطاب، هذا التراث الشفاهي القابع في الوجدان العامي يصبح أفقًا مفهوميا معبرًا عنه بأدواته، ومتتجًا لتلبية حاجاتٍ أيدولوجيةٍ وروحيةٍ وجمالية.
لذلك نجد القدال يعتمد كثيرًا على تعالقاتٍ نصيةٍ يسترفدها من التراث ليجسد رؤيته المعاصرة، هذا التعالق النصي سواء أكان جزءًا من نص لشغبة المرغمابية كما في (أمونة)، أم مربوعةً كاملةً من مسدار الحاردلو (الشم خوخت) وغيرها في نصوصه الشعرية، يمكن النظر إليها كعلاماتٍ سوسيوثقافيةٍ،…
…وللنص نفسه كـ”كتابةٌ مسكونةٌ بالحضور الثقافي”. (وعمال الطمي الصحونا لمو حصى البحر قسموهو يات من كان سبع جمرات/ دابي الخشة قال: أدوها في الجمرات تلات سبعات قلنا: أدوها في الجمرات تلات سبعات).
فرمي الجمرات في المعتقد الديني النسكي، إذا كان الغرض منه إذلال الشيطان وإهانته، من خلال المرجع (الجمرات السبع)، فإن هذا الإدراج الديني ليس موظفًا فقط لرؤية التشاكل والتماثل بين أمريكا والشيطان، بل لكشف الحيل غير المرئية للاستعمار الجديد (مرة معونة لي اللغاف ومرة دوانكي/ شن…
…معناهو جيبها إن كان ملوهو بوانكي وصوتها مكتمو القربين سيوف وسوانكي). كما نلمح تعالقاتٍ آخرى منها ما هو صريحٌ (رجافة المزمـل حمـى).، أو ما هو مخفي ومموهٌ، ( مرقوبنا من وادي الضلمة الكان) أليس وادي الضلمة هو وادي التيه؟ فالرحلة الموسوية بدأت من النيل وانتهت بفلسطين.
ولا يخفى علينا وعي القدال بالديناميكية الاجتماعية للهجة وتوظيفها في حركةٍ شعريةٍ تنتشر قاعديا في طبقات المجتمع بكل فئاته، ومن هنا ينظر للهجة كمفهومٍ اجتماعي وثقافي يستنهض فيها طاقات المقاومة.
(لحمي غطى بن عمي/ شو صار حالو يا إمـي/ منديل العـرض؟/ فى بيت الدين/ دمـي ما يخلـي دمـي./ إنا من دير ياسين/ صرنا فى جذر التين/ عم نسقي بعض حب الزيتون/ بدو يرجع للطين./ صابرا تحت الداورية؟؟/ صابرا فوق الداورية/ يا حال الضد لحم الطفلين/ نابـت غصن الحرية./ جذري مو في شاتيلا/ ما قال…
…حالي يا ويلا/ حـنا في الأرض/ أرض فلسطين/ يا إمي هيلا هيلا/ يأمي هيلا هيلا/ هيلا).
وهيلا يأبو السرة كـج العين إن استخدام اللهجات العربية الشعبية (الشامية/ الفلسطينية) يتناغم مع مسدار الرحلة الجماعية وطبيعة الفضاء الجغرافي المستهدف، لذلك تنبه القدال إلى الوضعية النفسية للغة في أفقها التداولي، استعمالها اليومي ومخزونها الوجداني، وشفاهيتها هذه الشفاهية التي…
…أتاحت مستويات انتقالٍ صوتي سلسٍ، دون أن نحس بقلق في التجاور أو ربكةٍ في بناء النص الشعري.
(ختياري مات/ ظـلـى عم يحرس ظلي./ عاد ع خـيي مـيلي/ خـيي ما يحمل شـيلي؟/ ما خـف الشـيل/ ثانـي المرات/ ناطـر رصاصي سـيلي/ عـيـني فى الفيل.. ما ظـله/ كـلـنا نـدريه ما نضـله/ يا ويل الويل/ نـرمي الجـمـرات/ عد المستشهـد كـله).
فالتعبيرات الشعبية (عـيـني فى الفيل.. ما ظـله/ كـلـنا نـدريه ما نضـله/ يا ويل الويل) والثيمات الحكائية والتي تم تضفيرها من لهجات محليةٍ، واحدة من التقنيات المعمارية في شعرية القدال، ومن ثم يمارس عبرها استعادة الخطاب والصوت الضائع والمقهور.
جاري تحميل الاقتراحات...