سعيد
سعيد

@fejaj5

19 تغريدة 167 قراءة Jul 29, 2022
(قصة عشتها في بحيرة فكتوريا)
قبل سنوات انطلقت برفقة أحد الإخوة إلى افريقيا وتحديداً دولة أوغندا ، رحلة دعوية بتنسيق شيخٍ باذلٍ معطاء وهو الشيخ " سعيد حماد " رحمه الله الذي طاف العالم دعوةً إلى الله وشابت لحيته في هذا السبيل.
كان برنامجنا اليومي في أوغندا يبدأ بعد صلاة الفجر بساعتين تقريبا وينتهي عند غروب الشمس ، مرة قافلة دعوية في قريةٍ غير مسلمة ومرة أخرى في قرية مسلمة ومرةً افتتاح مسجد ومرةً إعداد بئر وزيارات للمدارس والجزر ومراكز التحفيظ وغير ذلك.
حتى جاء ذلك اليوم الذي لا أنسى لحظاته ولذته حتى تعبه ومشقته التي كساها أُنس الدعوة فطغى ، انطلقنا مبكراً ذلك الصباح فنحن على موعد مع قرية تسكن جزيرة في بحيرة فكتوريا ، والبحيرة ضخمة جداً حيث تطل على ثلاث دول وبها عشرات الجزر الصغيرة والكبيرة.
كان البرنامج المُرتّب افتتاح مسجد وجمع الناس مسلمهم وكافرهم على وجبة الغداء بقرة كاملة وهي تكفي لمئات الأشخاص كما رأينا وشاهدنا أكثر من مرة ، إضافةً إلى فقرات منوعة تشمل تفقيه المسلمين ودعوة غير المسلمين.
وصلنا إلى شاطئ البحيرة ثم ركبنا قارباً متوسط الحجم وكانت المسافة نحو الجزيرة نصف ساعة تقريباً فاجتهد الإخوة على شخص كان معنا في القارب وما وصلنا الجزيرة إلا وقد أسلم بفضل الله ، والأفارقة شعب طيب ودود قلوبهم كالأرض الخصبة تنبت وتزهر ويندر أن تجد أحدهم متعصب لنصرانيته والإحسان
البسيط يؤثر فيهم.
كان استقبالاً مهيباً عجيباً من إخواننا المسلمين حيث اجتمعوا على شاطئ البحيرة صغاراً وشباباً وشيباً فأكرمونا بأهازيج الفرح والوجوه تهش وتبش ، أكرمهم المولى برضاه ، ويعلم ربي أني ما تمالكت دموعي فقد رأيت الأخوة في أبهى صورها وأصفاها.
بعد السلام انطلقنا سوياً راكبين وراجلين ، حيث أن الجزيرة مرتفعة وكأنه يوم العيد ولست مبالغاً إن قلت أن ذلك اليوم من أيام الله التي يذكرها المرء فيشكر ويحمد ، وصلنا للمكان الذي أعدّ للجلوس والبرنامج ، مكان خاصٌّ بالرجال ومكان خاصٌّ بالنساء ، وقد رأيت مشهداً لا أنساه.
كثير من الأخوات المسلمات رأيتهم في تلك الجزيرة النائية التي لا يوجد فيها كهرباء والتي يعيش أهلها تحت خط الفقر وجزء منهم نصارى ، ومع ذلك رأيتهن في غاية الحشمة والستر لاترى منهن مقدار أنملة ، الله يثبتهم ويزيدهم فما أجلّ الثبات وأعظمه.
بدأت فقرات البرنامج ما بين كلمات وتلاوات وحوارات ومناظرات ، يتخللها مسابقات وألعاب حركية وهدايا وجوائز وتحفيز وإدخال السرور ، لبسنا لباسهم وزرنا دورهم وأكلنا معهم ، فلا تسل عن البسمة والمحبة والأخوة وقد أكرمونا بفتح قلوبهم ، ولي مع بيوتاتهم وقفة.
إن صح أن تسمي بيتهم داراً فلك أن تتصوره من الداخل ، جُل البيوت في الجزيرة عبارة عن غرفة واحدة مساحتها قرابة 5 * 5 م وأصغر ، مقسومة من الداخل بقطع قماش ويعيش في كثير منها 7 أنفس كمتوسط عدد العائلة في كل دار ينامون ملتصقين ببعض من الضيق ، ويطبخون أمام الدار فلا مكان للمطبخ فيه.
آلمني جداً أن هذه القرية زارها قبلنا بشهر مجموعة من المنصرين يدعونهم إلى النصرانية ويغرونهم بالغذاء والدواء ، فيا ضيعة الأعمار إذا تركنا الدعوة وأهملناها وقصرنا فيها وانشغلنا بالترف والسياحة واستعذاب أصناف الطعام والاستعراض بالملبس والمركب وإخواننا تلقفهم أيدي غير المسلمين.
يسر الله إسلام جمعٌ من أهل القرية وسط دموع الفرح والتهنئة والمعانقة ، وكان لهم تواصلٌ خاص لتعليمهم وتثبيتهم ، ثم اجتمعنا لصلاة الظهر جمعاً مهيبا ، وقُدِّم الغداء فيا لفرحتهم باللحم ، لأن بعضهم يمر عليه سنة كاملة لا يذوق فيها اللحم لعدم قدرته الشراء.
من عادتي إذا زرت أو عايشت أو سافرت مع الأشخاص الذين أحسبهم من الأخفياء الذين لهم أخبار وأسرار مع الله أحرص غاية الحرص على التدقيق في أخلاقهم وعبادتهم وردود أفعالهم وصدق بذلهم وجمال عطائهم ، فقبيل العصر افتقدت الشيخ سعيد حماد ذو اللحية البيضاء الوقورة فرأيته توسد أرض المسجد
الاسمنتية في زاوية منه يقيل بعد التعب والجهد الكبير الذي بذله.
كنت أرى فيه الأبوة وأستعذبها منه والله ، ذو روحٍ سماوية لا تحركه الدنيا بل تحركه الآخرة وترى ذلك جليّاً في سباقه للخير فهو أجلدنا وأصبرنا رغم كبر سنّه ومرض ظهره وصعوبة تنقلّه لكن هكذا الكبار.
في العصر ركبنا الدبابات فهي الوسيلة المناسبة للتنقل وذلك لزيارة أهل الجزيرة في الطرف الآخر وأغلبهم نصارى ، نزورهم وندعوهم في مزارعهم وعند بيوتاتهم ، وقد رأيت والله عجباً في طريق ذهابنا ، الجزيرة في غاية الجمال ، أشجار ضخمة مهيبة جميلة رائعة ملتفة بشكل بديع ، لا تملك سوى قول
( فتبارك الله أحسن الخالقين ) وقبيل الغروب ودعناهم قافلين ، وما أقسى الوداع وأمرّه.
لم تنتهِ الحكاية بعد ، فعند وصولنا إلى ضفة البحيرة دخلنا المسجد وقد انتهت الصلاة ونحن بكل صراحة في غاية التعب والإجهاد فتقدّم الشيخ سعيد حمّاد إماماً وقد كان حافظاً متقنناً يقرأ بالقرءات
فقلت في خاطري ، يقيناً سيقرأ بقصار السور خصوصاً مع حالته المرضية.
لكن والذي نفسي بيده لقد صلّى بنا صلاةً لا أنساها ، قرأ قراءةً مترسلة متقنة يعطي الحروف حقها والمعاني حظّها وكأنه لم يذهب لأي مكان قبل ذلك ولا يعاني من مرضٍ آنذاك ، فقلت في نفسي بعد الصلاة تلك قلوب أحسب أنها
ذاقت حلاوة الصلاة والإيمان والله حسيبها.
ختاماً ،في افريقيا رأيت وشاهدت أعظم مما سمعت ، ولإخوانكم المسلمين حق في الدعوة والتذكير ليس في افريقيا فحسب بل في أرجاء المعمورة خصوصا التي لم تُزر إلا نادرا ، فلو أنك بذلت فقط ما تعلمته في المدارس من أصول الدين التي لا يسع المسلم جهلها
توحيداً وعقيدة لنفع الله بك خلق كثير فالحاجة أعظم مما تتصور ولا تنتظر أن يأخذ بيدك أحد ، بادر وابدأ بأهلك وقرابتك وعشيرتك فإن أديت ذلك فانطلق بائعاً نفسك لله مبتغياً رضاه مؤملاً جنته متبعاً هدي نبيه ﷺ بحسب قدرتك وعلمك وسمو همتك ، وإن تصدق يصدقك الله ويفتح عليك ويكرمك.
تمت

جاري تحميل الاقتراحات...