Awni Bilal
Awni Bilal

@awni_inwa

16 تغريدة 10 قراءة Jul 27, 2022
لدي عدد من الهوامش على موضوع ديمونا ومشروع إسرائيل النووي، وسأسمح لنفسي أحيانا أن أمدّ الهامش لخارج الموضوع قليلا. مع الاعتذار التقليدي ممن لا يهمهم الأمر.
هناك مفارقة بالنووي الإسرائيلي، فهو أقوى أسلحة إسرائيل لكنّ استخدامَه متعذّر ضد الفلسطينيين، فهو مصمم أساسا لسواهم. يستطيع من شاء بالعالم العربي أن يكرر مقولة "فلسطين ليست قضيتنا"، لكن هذا لا يغير حقيقة تؤكدها ترسانة إسرائيل الذرية؛ أن العالم العربي نفسه هو قضية إسرائيل.
..لحدٍّ كبير، يمكن اعتبار القنبلة الذرية (علميا وتقنيا) قنبلةً يهودية. باستعراض أسماء العلماء والمهندسين الذين عَبَروا مجمل المسافة مِن فكّ لغز النواة وبلورة فكرة السلاح الانشطاري ثم تطبيقه واقعيا، ووصولا للقنبلة الاندماجية؛ في هذه المفاصل كلها، الحضور اليهودي هو الأكثر وضوحا.
..لا يبدو أن هناك تفسيرا مقنعا تماما لهذه المسألة. قيـل بأن حرمان اليهود من المنح البحثية –ضمن اضطهادهم الأوروبي أوائل القرن الماضي- دفعهم صوب مجالات نظرية لا تحتاج تمويلا، وهذا ما حوّلهم سادةَ البحث النووي. يبدو هذا مقنعا في سياق أوروبي، لكنه لا يفسر نفس الظاهرة في سياق أمريكي.
..مسألة "التخصص القومي" الذي يرتبط فيه أتباع دين أو أبناء عِرق بمهنة معينة هي مسألة لافتة بذاتها، ولها أمثلة معاصرة وقديمة على السواء. ابن خلدون له باب "في اختصاص بعض الأمصار ببعض الصنائع دون بعض" وآخر بعنوان "في أن مَن حصلت له مَلَكة في صناعة فقَلَّ أن يُجيد بعدَها مَلكةً أخرى"
..لكن ابن خلدون يتحدث عن توجه بلدان بأسرها أو أفراد بذاتهم، وليس مجموعة بعينها داخل بلد واحد. الجاحظ يروي بالمقابل قصة طريفة تتعلق تحديدا بهذا التفصيل، وهي عن طبيب مسلم يشكو بالقرن الثالث الهجري من قلة زبائنه، ويعزو ذلك "لسيطرة" المسيحيين على القطاع الطبي واستئثارهم بإعجاب الناس.
..مِن المغري عموما ربط هذا التخصص الإثني بأسباب ثقافية وكأن شيئا بهوية هذه الجماعات يدفعها لهذا التخصص. لكني أتساءل إن كان الأمر يبدأ أحيانا بصدفةٍ ما، قبل أن يتعمم بالضغط الاجتماعي. المفارقة أن مسيحية الطب بالقرن الثالث الهجري لها أسباب أوضح بكثير من يهودية الذرة بالقرن العشرين.
..بعيدا عن هذا، فمقاربة إسرائيل لبناء قنبلتها اعتمدت على تجاوز تخصيب اليورانيوم (وصدَاعه المتعب) والاعتماد على البلوتونيوم وحده. هذا قرار نابع إلى حدٍّ كبير من الدلع الذي تعيشه إسرائيل دوليا، وظَهرِهَا المحمي أمريكيا. لولا هذا الوضع الإسرائيلي الخاص، لمَا كانت هذه المقاربة عملية.
..الخطة الإسرائيلية اعتمدت على مفاعل لإنتاج طاقة كهربائية (ظاهريا) باستخدام يورانيوم خام (بدون تخصيب)، ثم نقل الوقود النووي "المستهلَك" إلى معمل آخر حيث يُستخلص البلوتونيوم منه كيميائيا. العمل على إنشاء المباني وتجهيز المعدات بدأ عام 1957 بتصميم وإشراف فرنسي كاملين.
..غالبية المنشآت الإسرائيلية الخاصة بالموضوع النووي موجودة في مكان واحد: ديمونا، وباستثناء معمل استخلاص البلوتونيوم، فكل شيء كان فوق سطح الأرض وقبة المفاعل كانت ظاهرة للسائقين من بعض شوارع النقب. هذه "الأريحية الإنشائية" تقول كثيرا عن مدى تحسّب إسرائيل من جيرانها بذاك الوقت.
..الفرنسيون سلّموا الإسرائيليين مفاعل ديمونا "على المفتاح" كما يقال، وبنوا لهم معمل استخلاص البلوتونيوم في سرداب هائل تحت الأرض. هذا المعمل كان أكثر الأبنية سريةً ضمن المشروع، وكل المؤشرات المعروفة اليوم تؤكد أن الأمريكيين أنفسهم لم يعرفوا بديمونا حتى عام 1960.
..وحتى عندما انكشف مشروع إسرائيل عالميا، بقي معمل استخلاص البلوتونيوم طي الكتمان، ولم تدخل مبناه أي من الفرق الأمريكية التي أتت لمعاينة ديمونا، فلا أحد كان يعلم بوجوده أصلا (عدا الفرنسيين). الصورة أدناه من تصوير موردخاي فعنونو من داخل هذا المبنى السري.
..لكن الأمر لم يكن بحاجة لتخمين كثير، وحتى الملحق العلمي بالسفارة الأمريكية بإسرائيل كتب وقتها أن ديمونا "لا معنى له هندسيا دون بُعدٍ عسكري"، وأن إسرائيل منخرطة حتما في بناء رأس نووي.
..ليس المدهش هو نجاح إسرائيل ببناء ترسانة ذرية، فعلاقتها بالغرب (إذا استخدمنا مجازا فيزيائيا) علاقة "نووية" وهذا أمّن لها كل ما تحتاجه. المدهش الفعلي هو ما فعلَه المستهدَف الأول بهذا المشروع (أو بالأصح، ما لم يفعله). ليس الحديث هنا عن فشل بإيقاف المشروع، وإنما عن انعدام المحاولة.
..المشهد في أواخر 1960 كان التالي: مفاعل سري ينكشف في النقب. إسرائيل ترفض إخضاعه لأي تفتيش. كميات هائلة من الماء الثقيل جرى شراؤها بما يفوق السعة المعلنة. والمفاعل صنعته فرنسا التي فجرت أولى قنابلها الذرية قبل شهور. كل شيء كان يصيح من تحت قبة ديمونا "نحن نصنع قنبلة".
..لم يحصل هجوم واحد على ديمونا منذ انكشافه وحتى بلوغ إسرائيل قنبلتها الاندماجية الأولى. لم تحصل حتى محاولة. وعندما تستذكر بالمقابل لائحة العلماء الذريين الذين اغتالتهم إسرائيل وتدميرها المنهجي لكل محاولة نووية بالعالم العربي، فالتأمل الهادئ في الموضوع يحتاج ضبطا غير عاديٍّ للنفس.

جاري تحميل الاقتراحات...