ما أثر اتباع منهج قضائي معيّن في تسبيب الحكم القضائي؟ لدينا منهجان: المنهج اللاتيني الفرنسي ومنهج القانون العام (Common Law System). أيهما أكثر تأثيراً إيجابياً على تسبيب الحكم؟ هذا ما ستناوله من خلال المقال الذي نشره د. علي الصديقي @3li_Faisal
1. بدايةً، الفرق بينهما: المنهج اللاتيني يستند في إصدار الأحكام على أحكام القانون/التشريع، لذا يسمى أحياناً بالمنهج التشريعي. بخلاف المنهج الآخر فهو يستند على سوابق قضائية إضافة الى أحكام القانون وغيرها. ولكل منهما تأثير في طريقة التسبيب. ونحن على أي منهما؟
2.
2. كما أشرتُ أن هذه المسألة ناقشها الدكتور علي الصديقي في مقالة له بعنوان"ما يقال وما لا يقال. قراءة في منهج تسبيب الأحكام القضائية". منشورة في المجلة الحقوقية الصادرة عن جمعية المرصد لحقوق الانسان بالبحرين 1443/2021،
2. كما أشرتُ أن هذه المسألة ناقشها الدكتور علي الصديقي في مقالة له بعنوان"ما يقال وما لا يقال. قراءة في منهج تسبيب الأحكام القضائية". منشورة في المجلة الحقوقية الصادرة عن جمعية المرصد لحقوق الانسان بالبحرين 1443/2021،
3. ويركز على مناقشة رأي أستاذة قانونية – فرنسية – اسمها: سيسل شانيه في مقالة لها عام 2014 والتي ناقشت فيها -ضمن مسائل- مسألة: الدوافع النفسية والتأثيرات في القاضي عند إصدار حكم ما. تساءل الدكتور علي عن قصور التسبيب في بعض الأحكام القضائية.
4. فالحكم القضائي يوجز في عرض أسباب الحكم ومبرراته مما يجعل القرار مشوباً بالغموض، مما يجعل هناك صعوبة في التعرف على الأحوال النفسية للقاضي وقناعاته ومعتقداته التي أوصلته إلى هذا القرار.
5. ويتساءل:هل مجرد كتابة التسبيب كاف في كشف قناعات القاضي في الحكم؟أي هل كتب القاضي كل الأسباب التي قادته إلى الحكم، أم اختصر إلى درجة الظن بأن له تصورات أخرى عن الدفوع والحجج وأطراف الدعوى، لم يكتبها؟فالقارئ لا يستطيع كشف ذلك بسبب اختصار التسبيب. ويرى أن هذا لم يُطرح للمناقشة.
6.ثم يحاول إدراك السبب الخفي وراء ذلك، أي وراء اختصار التسبيب. ويرى أن السبب قد يكمن في اتباعنا للمنهج اللاتيني الفرنسي. ثم يطرح تساؤلاً: هل الأجدى اتباع المنهج اللاتيني أم منهج القانون العام المتبع لدى النظام الانجلوسكسوني (أمريكا-بريطانيا، على سبيل المثال).
7. فالمنهج اللاتيني يغلب عليه الإيجاز في عرض أسس الحكم بخلاف المحاكم التي تعتمد منهج القانون العام حيث يضطر القاضي فيها إلى اقناع القارئ بصحة الحكم من خلال تسلسل منطقي يدعمه سوابق قضائية ومواد قانونية وأمثلة مجتمعية ومقولة تراثية، وليس قراراً فردياً لم يفصح فيه عن قناعاته.
8.وإذا نظرنا إلى قرارات صادرة عن محاكم أمريكية نجد فيها طولاً مقارنة بالإيجاز عند المحاكم الفرنسية. فيبدو القرار أكثر وضوحاً للإسهاب في التسبيب من خلال اقتباس مطوّل لقرارات سابقة أو استناد إلى قانون مقارن بما يفضي إلى كتابة قرار يُفصح عن قناعات القاضي تجاه الدعوى وأطرافها وحججهم.
9. كل ذلك بتفكير متسلسل مما يدعو إلى فرضية وهي التمسك بالقرار الصادر. فالحكم المتسلسل منطقياً يُسهم في كشف خبابا القرار. هل للقاضي موقف ما تجاه الخصوم أو احدهما أو لديه توجه لدى الدعوى ذاتها من خلال فحص وتدبر العبارات الصريحة وما تنطوي عليه من معان وما يقال وما لا يقال.
10.ويميل الدكتور علي إلى رأي الاستاذة شانيه بضرورة تغيير منهج التسبيب في الحكم القضائي في النظام اللاتيني الفرنسي نحو نموذج القانون العام. لأن هذا الاتجاه يساعد في صياغة حكم على أسباب منطقية باستخدام التفكير المنطقي وصياغته بالتفصيل مع التحلي بالصبر للوصول إلى الاقناع القضائي.
11. فالاساس هنا يرتكز على كيفية صياغة المحكمة للقرار، خاصة عند تقرير عقوبة ما. وما مدى اقتناعها بصحة الاتهام. كل ذلك مما يوجب بسطه في التسبيب. ونرى هذا النهج مستخدماً في الأنظمة القضائية الانجلوسكسونية ومنها النظامان البريطاني والامريكي، حيث تقرأ حكماً مفصلاً في صفحات كثيرة.
12. يشير فيها القاضي إلى سوابق قضائية ذات علاقة ويناقش بعمق آراء الخصوم. ملاحظة: (الدكتور علي هنا قد استخدم لفظة "دسامة" تعبيراً عن عمق المناقشة بقوله: "ثم يناقش بدسامة تداعيات الخصوم وآرائهم" وهو استخدام جميل واستوقفني، هل يصح في هذا السياق؟ً).
13.والقاضي في هذا المنهج يوضح الآراء الفقهية ثم يرجح الأخذ بأيها، ثم يسرد حججه المنطقية ليصل إلى التعبير عن قناعاته وعقيدته تجاه الدعوى وحكم القانون وآليات تنفيذه على الواقعة. كل ذلك وفكرة العدالة حاضرة في الذهن لا تغيبها سطوع السوابق أو دسامة التعليل.
14. فالأسس المنطقية للعدالة يستخدمها القاضي مدعماً لها بالمنطق الاجتماعي السائد وربما بأمثال شعبية أو حكمة أو مقولة من تراث. وباستخدام نهج القانون العام تستطيع الحصول على حكم مسبب فيخيّل إليك أنك تقرأ مقطوعة أدبية فنية امتزجت فيها اللغة مع روح القانون والعدالة.
15. وهنا، تدرك أن أمر "اللغة" ليس سهلاً بل مؤثر في الوعي والاقناع. ولأهميتها سمعنا بمصطلح "علم اللغة القضائي" الذي يهدف إلى التحقق من الطريقة التي أنتجت النص وطريقة التدوين للإفادات الشفهية والصوتية.
16. يرى الدكتور في آخر مقالته أن الدول العربية لم تجرب ممارسة منهج آخر إلا ما ندر، فجلُّ تجربتنا مستمدة من التجربة الفرنسية. ويرى أن هناك اتجاهات أخرى تستحق النظر والتدريس؛ فلنبحث بعمق عما يحقق مصالحنا في نطاق تحقيق فكرة العدالة.
17.وبطريقة متكالمة في عرض الفكرة لا ينسى الدكتور التطرق إلى مسألة التراث،هل أشار التراث – لدينا- إلى هذا النوع من النهج وهل استخدمه. يقول: بأن منهج القاضي الفقيه المالكي عيسى بن سهل الاندلسي (ت 486 /1093 ) قد تناول ذلك في مدونته للأحكام الكبرى.
18. فالمدونة تضمنت عدداً من الوقائع القضائية في زمانه استعرض فيها الفقيه في كل واقعة حجج الخصوم ومداولاتهم وأسئلتهم وإجاباتهم ثم يعرض الآراء الفقهية والمصادر المعرفية لأحكام القضايا.
19.ويمكن للمطلع إدراك الأساليب البلاغية المستخدمة في تقرير المسائل لإقامة الحجة الدامغة في الحكم القضائي. لذا على علماء المسلمين الاهتمام بعنصر اللغة لأنها أداة تواصلية مؤثرة في الاقناع والتبرير، حيث نجدها حاضرة في القواعد المؤسسة لعملية الاستنباط للتوصل إلى حلول بشأن الواقعة.
20.ويَخلُص الدكتور في خاتمة مقالته إلى أن ايجاز التسبيب قد يومئ إلى ضعفٍ في الاستدلال المنطقي الذي يُعد أحد طرق الطعن في الحكم لقصور التسبيب. فالترابط والاستدلال المنطقي ينبغي أن يكون أكثر غزارة مع إضافة الروح الاجتماعية والتعزيز اللغوي بدلاً من الاختصار الذي يبهم ويغمض الحكم.
21. ويختم مقالته بعبارته: "أطرح القضية للدرس والانفتاح على المدارس الاخرى". أخيراً، هذا سرد ملخص لمقالة الدكتور علي الصديقي، والذي أثار مسألة مهمة: مسألة التسبيب والأثر المترتب عن اتباع أحد مناهج القضاء. وأعلق بما يلي:
22.حاولت أن أعرف ما إذا كان معالي الشيخ ابن خنين تطرق إلى ذلك في كتابيه "توصيف الاقضية" و "تسبيب الأحكام". وما إذا كانت كتب التراث تطرقت إلى طريقة التسبيب.فوجدتُ أنه في كتابه الثاني ذكر أن التسبيب يأتي على أنماط: مطول ومتوسط وموجر، ولم يُحبذ النمط الأول إلا اذا كانت القضية معقدة.
23. ووجدت أنه لم يتطرق إلى عيسى الأندلسي المالكي ومدونته الكبرى في مصنفه الثاني، لكنه أشار إليه في مصنفه الأول دون مناقشة طريقته في تناول الحكم القضائي. بل لم يذكر وقائع قضائية في مصنفه الأول (ذي المجلدات الثلاثة) عن السلف سوى ثلاث قضايا. فهل كتب التراث لا تهتم بذلك!
24.لمعاليه أيضاً بحث منشور في المجلة القضائية السعودية عن "السوابق القضائية"، ولم يتطرق إلى أثر السوابق في مسألة تسبيب الحكم.
25. لكن هل يجب على القاضي - فقهاً - بسط أسباب الحكم في القضية؟ نعرف أن النظام قد أوجب ذلك، لكن ماذا لو سكت عنه النظام، فهل يمكن تأصيل ذلك؟
26. الأصل في الحكم الشرعي أن يُورد مختصراً، جاء في مراقي السعود – نظم في أصول الفقه – للشنقيطي، يقول:
ولك أن تسأل للتثبت ... عن مأخذ المسؤول لا التعنت
ثم عليه غاية البيان ... إن لم يكن عذر بالاكتنان
أي يجوز للمستفتي سؤال مفتيه عن مأخذه في الفتوى، ويجب عليه حينئذ بيان ذلك لإرشاده
ولك أن تسأل للتثبت ... عن مأخذ المسؤول لا التعنت
ثم عليه غاية البيان ... إن لم يكن عذر بالاكتنان
أي يجوز للمستفتي سؤال مفتيه عن مأخذه في الفتوى، ويجب عليه حينئذ بيان ذلك لإرشاده
27. ونجد هنا تعبيرا دقيقاً: "عليه غاية البيان" أي على المفتي أن يُفصل طالما أن السائل لم يكتفِ بالحكم المختصر، وطلب مأخذ الحكم، وهو التسبيب، فيجب بسط القول في ذلك.
28. وهنا نأتي إلى قياس الأولى، فإن كان التسبيب جائز اً في الفتوى، بل ويتوجب عند الطلب، ففي القضاء أوجب؛ لأنه مبني على الخصومة والمشاحة، ولذا يُنقض الحكم ولا تُنقض الفتوى، ويُراقب حكم القاضي بخلاف فتوى المفتي، وهكذا.
29. ختاماً، أشيد بالمقال الذي كتبه د. علي الصديقي وتطرقه إلى المسألة النفسية والقناعات الداخلية لدى القاضي وأهمية التعبير عن قناعاته وعقيدته التي قادته إلى إصدار حكم، مما يتيح للقارئ كشف ذلك. وهذه المسألة تُصنف غالباً في ما هو مسكوت عنه. انتهى
جاري تحميل الاقتراحات...