جهاد الخُزاعي
جهاد الخُزاعي

@tejehad

35 تغريدة 35 قراءة Jul 27, 2022
س: ما هو الفرق بين القضية الاقترانيّة واللزوميّة؟
ج: سؤال ثقيل ودسم، لكن لولا عناد الكرد ما خطت فيه سوادًا على بياض...
المنطق شيء والفلسفة شيء آخر، قضايا الوجود أمور مختلفة عن تجنّب الخطأ في التفكير، وقد يخلط بينهما كثير من العلماء، كما فعل صاحب نقض التدمريّة فضرب مثال الوجود المطلق على قضيّة منطقيّة في نقضه لمنطق ابن تيميّة في تدعيم المنطق وهو غلط ظاهر بائن،
فالوجود وما يرتبط به من إطلاق وتقييد قضايا فلسفية غير منطقيّة، وأمر العلوم يقوم على أربعة:
١- مصادر المعرفة وأبحاثها.
٢- وحقيقة المعرفة وتطوّرها.
٣- الخطأ في التفكير وأبحاثه.
٤- تجنّب هذا الخطأ.
والمنطق الحديث يخلط بين هذه المباحث خلطًا شديدًا، فترى فيخته يتكلّم على المنطق وكيفية تجنّب الخطأ بأبحاث المعرفة وتطوّرها، وهي أبحاث فلسفية غير منطقية، ولهذا نرى أنّ جون ديوي يطلق على فلسفة هيغل وفخته فلسفة المنطق،
وهو تعبير دقيق، في حين أنّنا نجد ديكارت ومن بني على منطقه كفريجه وبيانو، ومن تبعهم كواتهيد ورسّل وفتجنشتاين يمرّرون المنطق كواجهة رياضية فلسفية [أي: المنطق منهجية رياضية فلسفية]، وليس منطقًا خالصًا، فيتقدّم ديكارت خطوة في فلسفة المنطق ليبني منطقه بناءً منهجيّا تحليلًا.
إذن، المنطق الحديث بشقّيه الرياضي والمادّي ليس منطقًا كما نعرفه، بل هو فلسفة، فهو في بحثه المنطقي لا يهمّه ما يهمّ ابن سينا والغزالي من تجنّب الخطأ في عمليات التفكير بل يهمّهم المعرفة ومصادرها وتطوّرها.
وهذه الفلسفة المنطقيّة قد بحثت بأحوال منطقيّة لم تبحث من قبل، فالفرق بين القضايا الاقترانية والشرطية لم تكن واضحة من قبل مجيء فريجه وأبحاثه.
فكان ابن سينا والفخر الرازي إذا أرادا التمييز بين القضيتين يميّزونها برسوم باردة، فيجعلون حرف الشرط معيارًا للفرق بين القضيتين، فالشرطية تنحلّ لقضيتين حمليتين، يتصّدرهما حرف شرط، أي يكون عندنا قضية من حمليتين يتوقّف عليها قضية أخرى وجودًا وعدمًا،
وهذا التوقّف لازم، وهي تعني التعليل، أي الأوّل علّة الثاني، أو من غير تعليل فتكون غير لازمة، في حين أن الاقترانية تقوم على فكرة أخرى غير التلازم وهي فكرة التضمين، فما يلزم المحمول يلزم الموضوع،
لأنّ المحمول إمّا أعمّ أو مساوٍ للموضوع، وعلى الحالتين حكمنا على المحمول وهو المساوي أو الأعمّ يلزمه الحكم على الأخصّ.
وقد تنبّه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وقد سبق الأوربّيين لهذا إلى أنّ حقيقة الاقتراني هي التلازم كحال الشرطي تمامًا، لأنّه مبني على الخصوص والعموم وما بينهما من تلازم.
إذن، الاقتراني يقوم على فكرة واحدة وهي: عندنا فئة ولنجعلها إنسانًا، فئة الإنسان، وعندنا فرد وهو زيد، فزيد لا بدَّ ينتمي لفئة الإنسان، لأنّ زيدًا متضمّن في هذه الفئة؛
فالاقتراني يقوم ببساطة على أنّ هذا ينتمي لهذا، وهذا لا ينتمي لهذا، من غير وجود وظهور فكرة التلازم أصلًا، وقد حيّرت هذه الفئة وما حقيقتها مناطقة أوروبا،
فالحكم الذي يلحق الإنسان يلحق من ينتمي إليها ضرورة وهو زيد، لأنّ زيدا إنسان، فما نحكم على الإنسان يلحق زيدًا الذي هو فرد من فئتها.
وعلى هذا يقوم المنطق القديم على أمرين لا ثالث لهما:
١- هذا ليس هذا، وهذا هو هذا، فئات تضمين وهو حقيقة الاقتراني.
٢- الشرطي، وهو إذا ثبت هذا، ثبت هذا؛ لأنّه علّته، فالشمس علّة الضوء، فإذا ثبت طلوع العلّة وهي الشمس ثبت وجود الضوء، فهي قائمة على التلازم، وهذا مختلف عن فكرة التضمين، إذ التضمين يقوم على الانتماء، أي أنّ حكمي على الواسع حكم على الضيق.
والظاهر أنّ فكرة التضمين هي بعينها التلازم، فكون زيد إنسانًا علّة لحمل الحيوانية عليه، فيلزم من كونه إنسانًا أن يكون حيوانًا، ويلزم من كونه حيوانًا أن يكون جسمًا، وهكذا، حركة تلازمية تصاعدية،
وهي من اكتشافات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، نسجّلها له قبل لوكافيتش بثمانية قرون، لكن التعصّب والجهل (الأشعرسلفي) بهذه المباحث طمست إبداعات الشيخ رحمه الله.
وفي المنطق الحديث يفرّقون بين القضيّة المشروطة بالحسّ، والقضية غير المشروطة به، فيجعلون مشروط الحسّ اقترانيًا، وغير المشروط به حمليّا.. فقولي: الله موجود، قضيّة حمليّة، موضوعها الله سبحانه، ومحمولها موجود، وهي قضية عقليّة، لا حسّ فيها بوجه.
أمّا لو قلت: الماء ساخن، فهذه قضيّة حسيّة، فتصوّر المياه مشروط بإمكان المحمول دائمًا، وبالحسّ ثانيّا، بخلاف قولي: الله موجود، فيمكن فكّ التصوّر بين الموضوع والمحمول.
وقولي: 5+5 = 10، قضية ثالثة يطلقون عليها قضية الوحدة، أي أنّ هناك وحدة بين حدّيها، فلا فرق بينهما بغير الاعتبار، فخمسة زائد خمسة هي بعينها العشرة، والفرق بينهما بالاعتبار، وقضية رابعة يطلقون عليها بعدم الاعتبار، وهي نقيض الثالثة [أي 5+5 = لا 12].
وسبب تعدّد هذه القضايا في المنطق الحديث يرجع لقسمتهم العلم إلى حسّي، وعقلي، وذاتي تصوّري، فلا يمكن لي جعل القضايا المحسوسة كالماء الساخن كالقضايا العقلية الاستدلاليّة، أو القضايا الاستدلاليّة كالقضايا الأوّلية التي تكون قياساتها معها.
فالقضايا الاقترانية: قضايا عمليّة غير علميّة، وهذا ما تنبني عليه الفلسفات المادّية، فلسفات عمليّة غير علميّة؛ فإن رفعت القضية لعقلية ارتفعت معها الفلسفة المادّية للفلسفات العقلية التي ظهرت على أنقاضها،
وهذا ما يفعلونه، ولهذا صرّح إرنست كاسيرر مرّات كثيرة في كتبه أنّه لا يوجد فرق بين الفلسفات المادّية والعقلية في نهاية الشوط، فالكلّ عقلي في النهاية، لأنّها تعمّم فلسفاتها، مادية أو عقلية، وهذا التعميم كاف لجعلها عقليّة،
وقد تنبّه فريجه إلى أنّ القضيّة الاقترانية قضايا معكوسة، لأنّها لازمة للواقع، ولهذا يشترطون لصحّتها وجود أحد الموضوعات بالإيجاب، وهذا بخلاف التلازم،
وعلى هذا يكون الشرطي قياسًا علميًّا، والاقتراني قياسًا مادّيًا، على خلاف فكرة المنطق القديم، وهذا مخالف لما عليه المناطقة الإسلاميون من أنّ طريقة الاستنباط هي القياس العلمي والذي يساير المستقبل أي التتابع في التلازم، بخلاف الشرطيات.
والظاهر أنّ المنطق الحديث يتقبّل فكرة التضمين، بشرط كونها محسوسة، أو مرصودة، أو ممكنة التحقّق فعليًا، ويجعلون التلازم أمرًا خاصًّا في الشرطيات، ثمّ يعمّمون القضايا الأخرى، فيضعون علاقات أخرى غير العلّة والتلازم بين الخصوص والعموم لبناء القياسات، وهو أساس المنطق الحديث.
وملخّص الكلام في المنطق الحديث، أيّ علاقة مهما كانت صالحة للربط بين قضيتين، أي علاقة كانت، سواء علّية أو غير علّية، المهمّ سلامة الشكل، وتتابع القضايا.
بقي علينا أن نأخذ فكرة عن منطق دوركايم الشهير، وهو لا يختلف في قضايا المنطق عن النظرة الحديثة، لكنّه يعلّلها بغير عللها المنطقية، مثلًا:
لو أردتُ أن أربط بين زيد والموت، فأوسّط بينهما الحيوانية والإنسانية، المحكوم على أفرادها بالموت، فيكون حكمي على فئة الإنسانية حكم على زيد، لكن دوركايم يعلّل الحكم بأنّ زيدًا إنسان بحكم المجتمع له بأنّه إنسان، لا بكونه معلولًا للإنسانية؛
ففكرة المنطق عنده قائمة على بناء اجتماعي بحت، لا على بناء عقلي أو فطري، فكون التصوّرات وهي بناء القياسات قائمة على الفكرة الاجتماعية، فالتناقض والذاتية والثالث المرفوع والتسبيب معلولة بعلل مادّية أدّت لظهورها في العقل، وهذا على خلاف المنطقين القديم والحديث،
وهذا من أبطل الباطل، فبماذا يفسّر دوركايم إذن، اتّحاد المقولات جميعًا بعلل اجتماعية مختلفة؟ ولماذا المقولات هي هي عند أينشتاين ونيوتن وهيجل وأرسطو والفخر الرازي، بل حتّى أبقراط وتحتمس الثاني، وفلان الذي عاش في جزيرة نائية إذا لم تكن تصوّرية ذاتية؟! بله المبادئ العامّة؟!
وملخّص الكلام:
المنطق القديم يقوم على فكرتين: التضمين والتلازم، والمنطق الحديث يقوم على التضمين والتلازم والتعدّد في الإضافات والعلاقات ويعكسون القضايا / فيجعلون الشرطيات أس الحمليات وأساسها، لأنّ الحملي مشروط بالوجود الحقيقي بخلاف الشرطي.
هذا ما يحكيه كبار المناطقة، أمّا بالنسبة لي شخصيّا فأقول:
المنطق القديم منطق فلسفي، أي منطق يتبعه فلسفة، والمنطق الحديث فلسفة المنطق، أي فلسفة يتبعها منطق، يعني القديم يقوم على ترتيب الأفكار للوصول إلى نتائج صحيحة،
والمنطق الحديث يرتّب النتائج الصحيحة والخاطئة للوصول إلى أفكار موافقة للنتائج فإذا وافقتها كانت صحيحة فلسفيًا ومنطقيًا.
والله أعلم...

جاري تحميل الاقتراحات...