براك بن هايس القعيط
براك بن هايس القعيط

@haiesalgeat

40 تغريدة 5 قراءة Dec 12, 2023
أنثوي عاش هذه المأساة الروحية الحارقة المدمرة،
لقد خلقت ناتاشا الشاعرية المتدفقة على امتداد صفحات الرواية فوازنت بين حرارة الحب وحرارة الحرب، فأدرك هذا العبقري أن معارك القلوب لا تقل أهمية عن معارك الحروب، وأن السلم الذي تنشده النفوس سلم داخلي مقره القلب وسلم خارجي يحيط
١٢٣/
بالجسد والروح من الخارج.
أما الآن فدعونا نرسم حالة خاصة للأنثى المحطمة بالحب من الصور التي قدمها لنا أديب روسيا العظيم في رائعته الخالدة ( الحرب والسلم):
١٢٤/
ظلت الأنثى هي مدار الحياة وإن احتج المحتجون،ظلت تمثل قيمة عظمى لا تقدر بثمن ولذلك فإن حبها لا يقدر بثمن والحفاظ عليها مهما كلف الثمن، ولذلك جاء هذا التشبيه للمدينة بالفتاة "إن المدينة التي يحتلها العدو كالفتاة التي تفقد شرفها" ص3/260 فالمدن هي الحياة والشرف كما هي الأنثى هي
١٢٥/
الحياة والشرف، وقد رأينا الكاتب كيف يستخدم هذه الصورة الآيرونية كطرفة تعطي الحقيقة وتشير لأهمية المرأة في حياة الوطن والأمة: "أخبرني الآن؛ هل صحيح أن النساء غادرن موسكو؟
⁃ابتسم بيير ورد:وهل تبقى الفرنسيات في باريس لو دخلها الجيش الروسي؟
⁃ضحك الكابتن وربت على كتف بيير:
١٢٦/
⁃جميل .. إن هذه قوية جدا .." ص3/279 /
أنها أقسى أنواع الكوميديا السوداء يمارسها تلستوي هنا لتسليط الضوء على المرأة وحياتها وأهميتها، وأن الشرف والمجد كل الشرف والمجد هو باقتناء هذه الجوهرة ومعرفة قيمتها والحفاظ عليها، ولذلك تتسابق القلوب للوقوع في هوى أنثى جديرة بالولاية
١٢٧/
على القلب مع محاولة اقتناص فرصة الحب الحقيقي فـ "بعض الفرص تفوتنا ، وأحيانا لا نعرف كيف نستفيد منها" ص 1/166 ولا نعرف كيف نحافظ على هذه الفرصة الحقيقية بإقامة حياة مستقرة بزوجة معشوقة برهنت الأيام على صدق واخلاص حبها، "إياك أن تتزوج يا صديقي إلا من امرأة تتأكد من حبها لك،
١٢٨/
وبعد دراسة الموضوع جيدا وإلا وقعت في خطأ كبير يصعب عليك الخروج منه وسترى نفسك في مواجهة أمور لن تكون قادرا على مواجهتها " ص 1/55
فالزواج هو الحب وإلا فحتما سينتهي الزواج بالفشل أو التعاسة ولذلك "فإن الزواج بالنسبة لي قضية تحتاج الى درس عميق قبل أن نقع ويفوت الأوان" ص 1/132
١٢٩/
هذا الحب النقي هو الذي ينجح في اختبار الصبر والوقت فـ "لا شيء يساوي الصبر والوقت " ص 3/157
وينجح في تحمل الألم والذي يعتبره الكاتب أنه صناعة طبيعية تصاحب المرء فـ "الألم ليس من صنع البشر، إن البشر ليسوا إلا أدوات للألم " ص 3/36
١٣٠/
وقد يكون أشد الآلام هو الألم الناتج عن الحب الصامت الساكن في أعماق الروح والذي صوره تلستوي هنا أعظم وأفضل تصوير "كانت تستعرض أحيانا بعض التفاتاته ونظراته وكلماته فيخيل اليها أن السعادة ليست سعيدة"ص 3/141
١٣١/
فتخيلوا حجم هذه الحب الذي يجعل هذه الفتاة الشفافة تقرأ الحب بالالتفاتة والنظرة والكلمة،تراقب الكلمات كيف تخرج من الشفاه وصوتها وتعبيرات الوجه فيها،تراقب الالتفاتات وتترجم معانيها ورموزها،وتحاول فك شيفرة النظرة وما أدراك ما النظرة!؟ أي حب هذا الذي يجعلك تقرأ حبيبك دون كتابة؟!
١٣٢/
يطرح تلستوي السؤال الصعب: هل يحب القلب شخصين في آن واحد؟!
ها هي بطلته ناتاشا تتساءل " من تحب أناتول أو أندريه؟ كانت تحب أندريه وتذكرت شدة حبها له لكنها اليوم تحب أناتول أيضا !" ص 2/330
ويترك للعقل قبل القلب البحث عن جواب حقيقي لهذا السؤال العميق.
١٣٣/
وما بين حب الرجل وحب المرأة يعقد لنا العمل مقارنة ذكية، فهاهو الرجل الأناني يقول في ص 2/369 " إنني أذكر أنني قلت : إنه يجب أن يغفر للمرأة إذا زلت .. لكنني لم أقل إنني أستطيع أن أغفر لها .. إنني لا أستطيع الصفح "، فالكاتب يؤكد حقيقة المجتمع الممثل خاصة تلك الحفنة من وجهاء
١٣٤/
المجتمع ومثقفيه فقد كان الرجل الأمير أندريه وجيها ومثقفا ويرفع الشعارات الكبيرة لكنه عند أول اختبار جاد رسب وسقط سقوطا مدويا في الحب والمبادئ والحياة، ولذلك يوجهنا الكاتب للحكم على هذه الحقيقة في ص 3/225 "ها هي أنانية الرجال وقسوتهم .. ما كنت أتوقع شيئا آخر .. إن المرأة تضحي
١٣٥/
بنفسها من أجلكم فتتألم وتعاني .. وها هو جزاؤها".
الإنصاف عزيز .. الأديب مهمته التشخيص ليتسنى للقارئ التحليل والحكم بإنصاف وعدالة ، لكن الكاتب بدهاء يقود القارئ مباشرة الى منطقة الرؤية من منظور محدد ومعين ..
١٣٦/
لكن الكاتب لا يظلم الرجل بل يخرج لنا صورة الحب الحقيقي للرجل العاشق الحقيقي في ص 3/282:
“راح يشرح لصديقه كيف يفهم الحب على نحو آخر ، في حياته لم يحب إلا مرة واحدة وامرأة واحدة وهي أن تكون له أبدا.
١٣٧/
أحبها منذ طفولتها ولم يجرؤ على البوح بذلك، وهو ولد غير شرعي، وبعد تلقي الاسم والثروة ولم يجرؤ على الاعتراف بحبها عندما كبرت ونضجت.. هذا هو الحب الأفلاطوني"
لكن المرأة حين تحب فإنها تضحي بكل شيء من أجل حبها ولا تتوانى ولا تتأخر في التضحيات لأنها أكثر صدقا وإخلاصًا وذوبانا في
١٣٨/
في العشق النقي الخالص الذي يتسرب في كل مساماتها حتى أنه لا يبقي ذرة من ذرات جسدها وروحها إلا وارتوى بهذا الحب، فقد تقبل أن تكون لك عبدة وهي الحرة الكريمة كما جاء في ص 3/226
" -تزوجني وسأكون عبدة لك
-لكن هذا مستحيل
⁃إنك لا تتنازل لمن هم مثلي ولا تنحدر الى مستواي
١٣٩/
هذة صورة لنقاء الحب وانعكاس لقلب هذه الحبيبةالذائبة في عمق وغياهب العشق الروحي،وهاهنا صورة أخرى للعشق النقي والتضحيةمن أجل سعادة الحبيب فهاهي سونيا ترسل رسالة لحبيبها نيقولا تقول له:" هدفي من حبي هو أن أكون السبب في سعادة من أحب،لذلك أتوسل إليك أن تعتبر نفسك حرا من كل التزام
١٤٠/
نحوي، وأريدك أن تعلم أنك لن تجد من يحبك بصدق وإخلاص أكثر مني" ص 3/316
ياالله ما أعظم هذا الحب! ما أعظم أن تضحي بالحب من أجل الحب! إنها التضحية والايثار الذي ما بعده تضحية ..
١٤١/
إن أقسى ألم قد يمر به القلب في حالة السلم هو ذاك الألم الذي يعتري القلب العاشق المتيم الذي قضى لياليا طوال في حمى الحب والشوق ثم تصدمك الظروف بكلمة لا أو سيدفع ذلك المحبوب ثمنا غاليا لهذا الحب قد يستمر لآخر العمر،وهو ما عبرت عنه الرواية بهذه العبارة القاهرة الداميةفي ص2/293:
١٤٢/
"ما أصعب أن تحب شخصا قريبا إليك ثم تحس فجأة أنك لا تستطيع الزواج منه.. إنه لا يمكن أن تسبب له إلا الحزن".
إن الحب الأفلاطوني أو ذاك العشق النقي سينتصر حتما بصورة أو أخرى طالما أدرك كل منهما قيمة الآخر وظل العاشق يقول :" إنني أعرف أنني لا أستحقها ... أريد .. لست أدري منذ متى
١٤٣/
أحبها ... لكنها وحدها التي أحببتها طيلة حياتي " ص 3/388 ويبقى يحبها ويصارع الظروف والدنيا من أجلها حتى يحظى بها لتصرخ منتصرة لنفسها وللحب كشاهد مدى الدهر :
"قالت: والآن أنت ملكي، ملكي أنا فقط، يجب ألا أدعك تهرب مني ..." ص 3/402
١٤٤/
بدهاء شديد وبحكمة الأديب الأريب وبمنطق الفيلسوف يضع تلستوي نهاية قصته، نهاية الحرب والسلم، نهاية المشكلات والتعاسة، إن النهايات السعيدة لا تكون إلا بالتفكير ، التفكير هي مقدمته الأولى والحوار هي مقدمته المنطقية الثانية لذلك يقول بطل العمل بيير لبطلته ناتاشا عن حواره مع أخيها
١٤٥/
نيقولا في ص 402 " قال نيقولا إنه علينا أن لا نفكر، إلا أنني غير قادر على التوقف عن التفكير ...
ليضع تلستوي بعد أن استعرض مقدماته المنطقية النتيجة المنطقية الصحيحة والمطلوبة في آخر فقرة في العمل لتكون خاتمة الملحمة السردية الروائية العظيمة في ص 403
١٤٦/
"كان بيير يحاول أن يقول بأنه راضٍ عن نفسه وعن نجاحه، كان يشعر في تلك اللحظة وكأنه متجه الى إحداث تغيير شامل لازدهار المجتمعات ورفاهيتها وأمانها في روسيا وفي العالم أيضا .."
١٤٧/
إذاً .. الأمل في الحياة الكونية السعيدة يقوم على الحوار والفكر ، لكن ذلك لا يعطي النتيجة الصحيحة الكاملة ما لم يتحقق فعليا على الأرض وإلا سيتحول الأمل الى مجرد وهم تقنع نفسك بأنك حققت ما تصبو إليه وبالتالي فأنت راض عن نفسك!
عظيم يا عظيم الأدب الروسي ليو تلستوي ..
١٤٨/
لقد كانت الحرب والسلم تصويرا وتعبيرا عن الحياة في إطار الموت، وعن الموت كيف يكون في إطار الحياة!
وفي الختام نقدم بعض الأمثلةعلى بعض التقنيات الرئيسيةالتي تزيد نسبة أدبية العمل ولن نذكر كل التقنيات المستخدمةالتي جاوزت 200 تقنيةأدبيةفي هذا العمل ولا كل أمثلة التقنيات المختارة
١٤٩/
1- الرسائل الدفينة:
يوجه تلستوي رسالة عميقة ذات مغزى عبر تحول ابن غير شرعي هو بيير بيزوخوف الى وريث شرعي لكل أملاك وثروة الكونت بيزوخوف وثم يتحول للبحث عن ذاته ودينه وفكره، وللناقد أن يتساءل هل هناك علاقة بين هذه الرمزية والعنوان الحرب والسلم، فالتغيير من حالة غير شرعية الى
١٥٠/
شرعية يذكرنا بالاحتلال الروسي غير الشرعي لموسكو ولذلك انتفضت موسكو ثقافيا ولغويا على فرنسا إضافة للانتفاضة العسكرية، ويذكرنا بالحرية التي ظل بيير يبحث عن فهمها ومعناها، إذاً تلستوي يدعونا لإعادة صياغة المفاهيم وتعريفها بالشكل الذي يقدم بناء الذات والمجتمع والأمة والحضارة.
١٥١/
2- في المقطع التالي من ص 261/1 يستخدم تلستوي عدة تقنيات فنية نذكر بعضها، فمنها تقنية المناجاة التي جاءت في مكانها الصحيح وفي وقتها المناسب وبلسان المقتدر لشخصيته المتمثلة بنابليون عند قربه من احتلال موسكو فيقول مناجيا نفسه متبخترا "إنني لا أريد الحرب بل أريد السلام" .
١٥٢/
كما إنه عنوان الرواية ( الحرب والسلم ) ودائما الحرب مقدم على السلم لأنه هو الطارئ على الحالة الطبيعية كما فصلنا سابقا، فهم نابليون ذلك رغم أنه هو من يقود الحرب.
وفي ص 306/1 نجد القيصر الروسي يقول "لا تنس ما أقوله لك، نابليون أو أنا، لا يمكن بعد الآن أن نملك معاً"
١٥٣/
تلستوي يحافظ على الترتيب حتى بنظام الإشارات حيث يبقى نابليون الذي يشير الى الحرب مقدما على (أنا) التي تشير الى السلم وبالعودة الى العنوان سنجد ذلك متفقا مع الحرب والسلم اللذين لن يجتمعا معا ولن يكونا سويا أبدا، الفلسفة التلستوية تتعامد مع أدب تلستوي هنا .
١٥٤/
وهنا تقنية ثالثة وهي الظاهرة فدائما المنتصر هو من يكتب التاريخ ودائما يجعل الناس تتبنى أفكاره وتسوق لها وإن كانت غير صحيحة.
في هذا المقطع وفي هذه الجملة ما يقارب 10 تقنيات أدبية يستخدمها تلستوي بحنكة دون اقحام وبحكمة أدبية دون تكلف .
١٥٥/
3-تقنية الآيروني وقد استخدمها تلستوي كثيرا في الرواية ودائما تخدم السياق الأدبي بشكل مناسب كما في ص /2/292 "على المرء أن يبدو حزينا في موسكو حتى يتمكن من إدخال السرور الى قلوب البنات في هذه الأيام".
١٥٦/
4- تلستوي يعلمنا كيف نستخدم تقنية الذاكرة في محلها دون أن نلجأ لتقنية Flashback فهو يستخدم كل منهما في مكانها المناسب فمثال تقنية الذاكرة نجده في ص 3/125 “ تمثلت أمامها صور الماضي القريب وقد بدا لها تلك المشاهد بوضوح شديد وتفصيل دقيق .....
١٥٧/
عادت تتخيل تلك اللحظة التي أصيب بها والدها بالنوبة القلبية في حديقة ليسييا جوري ..." لاحظوا عدم إيقاف الزمن وإنما تم ذلك من خلال سير الزمن أما Flashback فهو كثير في الرواية.
١٥٨/
5- الرمز : قد يعتبر ذلك استنتاجا متكلفا لكن لا يمكننا تجاهله، ففي ص 2/97
"وفي الجانب المقابل كان نابليون ... كان يمتطي جوادا عربيا أصيلا "، وكرر ذلك في ص 3/10 "امتطى نابليون حصانا عربيا "
١٥٩/
يكرر الكاتب أن حصان نابليون عربي، قد تكون في ذلك إشارة للعرب وقد كانوا مجرد أداة يركبها الآخرون ..وربما فيها إشارة لاحتلال فرنسا لمصر ( الحدث كان في ٢٧ حزيران ١٨٠٧ ).
١٦٠/
6- التنبؤ: نجد الاستشراف ( وليس الاستباق) السردي هنا في هذه المزحة في ص 3/279 التي يقدمها تلستوي مستشرفا أن الدوائر قد تدور ونرى فرنسا وباريس تحت احتلال ما في سنة من السنوات وهو ما تحقق لاحقا في الحرب العالمية
١٦١/
"أخبرني الآن؛ هل صحيح أن النساء غادرن موسكو؟
⁃ابتسم بيير ورد: وهل تبقى الفرنسيات في باريس لو دخلها الجيش الروسي؟
⁃ضحك الكابتن وربت على كتف بيير : جميل .. إن هذه قوية جدا ..".
الحرب والسلم الرواية الأكمل عند بعض النقاد ولا أتصور أديبا لم يقرأها.
بهذا القدر نكتفي
١٦٢/١٦٢

جاري تحميل الاقتراحات...