منذ ساعة ونصف أحاول أن أمهّد الطريق للكرى كي يصل إلى عينَيّ، وإذ أنّ محاولاتي في ذلك باءت بالفشل فقد قررتُ أن استرجِعَ بعض حقي في أن أحلُم، وهو حق ألجأني الدهرُ إلى التنازل عنه، ولكنني الآن أسبح في الزمن الضائع من محاولاتي الفاشلة في النوم وهو ما يعطيني الحقّ أن أضيعه على كيفي.
وعلى الرغم من قناعتي الكاملة أنّه ليس من مسلك أصحاب المروءات أن يتمحّنوا في خلق الله، وأن يطيلوا الحديث عن "مواصفات الزوجة المستقبلية" وأن يعبّروا عن شوقهم إليها -وهو موقف اصطلح بعض المائعين على تسميته "الذكورية السامة-، إلّا أنني أيضًا سأسمح لنفسي بأن تتجول في ذلك،
لا سَفَهًا وقلّة عقل، وإنما كما ذكرتُ لأنني أمنح نفسي لهذه الليلة حق الحُلم.
كيف يمكن أن أفكر في حبيبة مستقبلية؟
كيف يمكن أن أفكر في حبيبة مستقبلية؟
يعترضني منذ البداية في محاولة الإجابة عن هذا السؤال حقيقة عن نفسي لم أعِ غرابتها إلا مؤخرًا خلال أحاديثي مع بعض أصدقائي، إذ وجدتُهم يمتلكون تصورات واضحة وشفافة عن ما يرغبون به، وأنهم ينظرون إلى العالم ويرون ما لا يعجبهم فيه، فيقررون أنّ كل شيء يجب تبديله أو سنخرج من هنا.
على الخلافِ منهم فإني أنظر إلى العالم وحينما أرى ما لا يعجبني فيه أتّهم نظري مباشرةً، وأجيل خاطري وأدير زوايا النظر حتى يتجلى لي كل شيء جميلًا جدًّا، وأنظر إلى مواطن الجروح فيه فأعمل على ترميمها، ولا أملك النظر الحديّ (إما.. أو) الذي يحظون به.
بمعنى آخر، أنا لا أملك تفضيلات ورغبات شخصية واضحة، إنما الأمر بالنسبة لي يكمن في التكيّف ومواءمة طبعي لرؤية جمال كل نظام بمعاييره الداخلية، لا بمعاييري أنا، يمكنني التفكير في أربعة فتيات وترتيبهم تصاعديًّا بدقة في كل معيار من معايير الجمال والطباع المختلفة (الداخلية والخارجية
منها)، أي يمكنني بدقة تحديد أيهنّ أجمل، وأيهنّ ألطف معشرًا، وأيهنّ أذكى قلبًا، وأيهنّ أحدّ عقلًا، حتى إذا انتهيتُ من كل ذلك يمكنني أن أفهم تفضيل كل شخص لإحداهنّ وجمالياتها، لكنني بصورة شخصية لن أملك معايير جماليات خاص بي يمكنني عبره أن أختار (وبالطبع هذا يقتضي أنّ شعوري الخاص
بالتولّه والتعلّق شديد الضعف).
هنالك بالطبع حد أدنى في كل صفة من هذه الصفات المختلفة لا يمكنني التفكير أبدًا في من تقصر عنه، السوء المطلق الذي لا يتحمله عاقل، أو عدم النضج النفسي المُتعِب، لكن وراء ذلك فالفتيات يكدن يكنّ متماثلات،
هنالك بالطبع حد أدنى في كل صفة من هذه الصفات المختلفة لا يمكنني التفكير أبدًا في من تقصر عنه، السوء المطلق الذي لا يتحمله عاقل، أو عدم النضج النفسي المُتعِب، لكن وراء ذلك فالفتيات يكدن يكنّ متماثلات،
وهو ما يجعل السؤال الذي ابتدأتُ به ليس هو "كيف هي الحبيبة المستقبلية"، بل "كيف يمكنني التفكير فيها"، فكما ترى عزيزي القارئ فإن الأمور جايطة على مستوى في غاية الأساسية.
لكنني سأعود لأحلم، وإحدَى مغبّات الأحلام أنها لا تنبع إلا من همٍّ وإشكال راهن وحاضر، وليست تعبر عن حقيقة ما ترغبه النفس، فالحلم "مما يحدث به المرء نفسه"، وما أكثرَ ما يتحدث به الإنسان ثم ينتقل منه بسرعة إلى غيره، لكني على كل حال رغم ذلك سأحاول أن أحلم.
حينما أفكّر فيها، يقفز ابتداء إلى ذهني البحر، بالتحديد لحظة من شاطئ جبل أولياء عشتُها قبل عدة سنوات شعرتُ فيها للحظة بأن البحر أُمّ تحملني كطفل صغير وتهدهدني لأنام، وتغنّي لي أهازيج الأمواج الهادرة، كانت هدهدة في غاية السلاسة والرفق، في لحظة كنتُ قد توحدتُ مع الماء وأصبحتُ نبضة
في قلب البحر، ثم استيقظتُ من هذه اللحظة حينما كانوا ينادونني إلى الغداء.
هكذا أريدها، السكينة وخفّة الروح في حرمها، الهدوء والخشوع الذي يخيّم حولها، وتلك القداسة المهيبة التي تجعلك تخلع نعليك، وتلقي عن نفسك أغلالها، وتفكّ عن روحك الأرسان التي تمسكها عن التحليق في سماء الحب، أعتقد أنّ قداسة من هذا النوع هي مما أرغب به.
وحينما أفكّر فيها أفكر -للغَرَابة- في العاصفة، وعلى النقيض من البحر الهادئ الذي أفنى فيه تمامًا، أودّ هنا أن أضطرب من داخلي وأعلق في مغامرة من العاطفة الجياشة غير القابل للتحكم فيها، عاطفة هي تمامًا كالعاصفة، هنا لن أفنَى، وإنما سأسلم للهوى جسدي طوعًا، وأعلم
أنّ هذا الانفعال الكثيف سيقوده إلى المزيد منه، وسيرقص أمام نار الأبدية الموقدة من الهوى ثم المزيد من الهوى حتى تتقطع أرجله ويذبل جسده، وسأركض أركض أركض دون وجهة محددة -كل الطرق تؤدي إلى الهوى-، ستكون أغنية صاخبة تملَأ على المرء دنياه، وسأذوق بذلك الإنهاك اللذيذ الصاخب،
أعتقد أنّ امرأة تهزّ أعمق نقطة في نفسي وتخلع أرضية الكينونة التي أقف عليها، هي مما أرغب به أيضًا.
وبهذه النقطة سأعلن فشلي -مرةً أخرى- في الإجابة عن السؤال أعلاه، إذ أنّي في محاولتي الإجابة عن سؤال كيفية التفكير وصلتُ إلى هذه الطريقة الخطأ، أنا هنا أجيب عن سؤال الشعور الذي أريد أن أشعر به، ولكن جوابًا من هذا النوع لا فائدة فيه ضمن عملية الإجابة أبدًا،
لن أستطيع تخمين ومعرفة ما إذا كانت المرأة بحرًا أم عاصفة ما لم أختر أنّ أُنزِل بوابة القلعة بيننا، لكنني سأتظاهر بالتفاؤل وأقول على الأقل وجدتُ طريقة خاطئة أخرى للتفكير في المسألة.
جاري تحميل الاقتراحات...