صالح بن مطر الهطالي
صالح بن مطر الهطالي

@smalhatali

22 تغريدة 11 قراءة Jul 18, 2022
حوارٌ هادئ مع القرآنيين:
نواصل الحديث في القضية الثالثة المتعلِّقة بإنكار السُّنَّة النبوية.
تدوين السُّنة النبوية:
يزعم المُشكِّكون في السُّنة النبوية أنه لم يتم تدوينها إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه بقرون، والصحيح أن رواية الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بدأتْ وهو لا يزال حيًّا،
وكان الرسول عليه الصلاة والسلام قد نهى في بداية الأمر عن تدوين السُّنة خشية أن تختلط بالقرآن، وخصوصًا أن المجتمع حينئذٍ كان مجتمعًا أُمِّيًّا، كما في الرواية الآتية:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
"لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي، وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ - قَالَ هَمَّامٌ: أَحْسِبُهُ قَالَ - مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
ثم أَذِن عليه الصلاة والسلام لأهل العلم من الصحابة بكتابة الحديث، فقام بعضهم بجمع الأحاديث في صحائف لا تزال بعضها محفوظة إلى يومنا هذا؛ مثل صحيفة عبد الله بن عباس وصحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص وصحيفة علي بن أبي طالب وصحيفة سعد بن عبادة وصحيفة جُندب بن سمرة
وصحيفة جابر بن عبد الله وصحيفة الصحابي نبيط بن شريط الأشجعي الكوفي، وهذا ما تُفيده الروايات الآتية:
1- عن عبدِ الله بن عمرو بن العاص، قال: كنتُ أكتبُ كلَّ شيءٍ أسمعُه من رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلم أُريدُ حفْظَه، فنهتْني قريشٌ، وقالوا: أتكْتبُ كلَّ شيءٍ
تَسمَعُه من رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، ورسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم بَشَرٌ يتكلَّمُ في الغضَبِ والرِّضا، فأمسَكتُ عن الكتاب، فذكرتُ ذلك لرسول الله صلَّى الله عليه وسلم، فأومأ بإصبَعِه إلى فيه (أي فمه)، فقال: "اكتُبْ، فوالذي نفسي بيدِه، ما يَخرُجُ منه إلا حقٌّ".
2- عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَسْمَعُ مِنْكَ أَحَادِيثَ لَا نَحْفَظُهَا، أَفَلَا نَكْتُبُهَا؟ قَالَ: «بَلَى، فَاكْتُبُوهَا».
3- عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكْتُبُ مَا أَسْمَعُ مِنْكَ؟ قَالَ: " نَعَمْ "، قُلْتُ: فِي الرِّضَا وَالسُّخْطِ؟ قَالَ: " نَعَمْ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَقُولَ فِي ذَلِكَ إِلَّا حَقًّا".
وتتابع التدوين بعد وفاته عليه الصلاة والسلام جيلًا بعد جيل، وظهرتْ مسانيد (أي كتب الحديث) لبعض الصحابة مثل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وأراد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يكتب الحديث فاستشار الصحابة في ذلك، فأشاروا عليه أن يكتبها،
إلا أنه تراجع خشية أن ينكبَّ الناس عليها ويتركوا القرآن.
وأما بالنسبة للإسناد، فكان بعضهم لا يذكر الواسطة في تلقِّي الحديث بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، لا عن جهلٍ منه وعدم معرفة بمَن أخذ عنه، ولكن لوجود الثقة بينهم، وبُعدِهم عن مَظانِّ الكذب،
فالصحابة كلهم ثقات عدول، وأيضًا لقُرب العهد بالنبي صلى الله عليه وسلم.
واستمرَّ الحال في عدم اشتراط الإسناد في الروايات مدة من الزمن حتى وقعت الفِتَن التي أَوْدَتْ بحياة الخليفتين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، واختلفت الأمة وظهرت الفِرَق، مما مهَّد السبيل أمام أصحاب الأهواء
والبِدَع للدَّسِّ والافتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاولت كل فرقة التمسُّك بما يُؤيِّد موقفها، فاستوجب ذلك زيادة الحيطة والحذر في التثبُّت في قبول الروايات، فأصبح السؤال عن السَّنَد وإلزام الرواة به أمرًا ضروريًّا اقتضته طبيعة المرحلة،
وقد قال ابن سيرين: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعتْ الفتنة قالوا سمُّوا لنا رجالكم"، وقال عبد الله بن المبارك: "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقالَ مَن شاء ما شاء"، وهذا لا يعني أن الإسناد لم يكن موجودًا قبل الفتنة، أو أنه لم يُستَعمَل من قِبَل الرواة،
وإنما المقصود أن بداية البحث والتحرِّي وإلزام الرواة بالإسناد بدأ عقب الفتنة، ثم صار الالتزام بالسَّنَد أمرًا شائعًا، وسُنَّة مُتَّبعة لدى رجال الحديث.
ومع توالي عملية التدوين ظهرت العديد من الصحائف لبعض التابعين؛ منها صحيفة الأشج، وهو تابعيٌّ ولد في خلافة أبي بكر الصديق، وصحيفة التابعي خراش بن عبد الله، وصحيفة التابعي همّام بن منبه، وأحاديث التابعي أبي الزبير، وهناك غيرها للزبير بن عدي، وأبي العشراء الدارمي، وأيوب السختياني،
ويونس بن عبيد، وأبي بُردة بُريْد حفيد أبي موسى الأشعري، وهشام بن عروة بن الزبير، وحميد الطويل، وزيد بن أبي أنيسة، وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم.
وفي نهاية القرن الهجري الأول أمر الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بجمع السُّنة النبوية، وكتب إلى أمراء الأقاليم
ليُكلِّفوا علماء الشريعة وأئمة الدين في بلدانهم بجمعها، وبهذا توجَّهتْ الدولة الإسلامية إلى تدوين السُّنة رسميًّا بعد أن كان تدوينها يجري بصفة شخصية، ومن أشهر مَن دوَّن الحديث في ذلك الوقت محمد بن إسحاق في مكة، ومالك بن أنس في المدينة، وحمَّاد بن سلمة في البصرة،
وسفيان الثوري في الكوفة، والأوزاعي في الشام، ومُعمَّر بن راشد في اليمن، وعبد الله بن وهب في مصر.
ثم بعد ذلك توالى ظهور الصحاح مثل صحيح البخاري ومسلم، والسُّنَن مثل سُنن الترمذي وأبي داود، والمسانيد مثل مسند الإمام أحمد والحميدي،
والمعاجم مثل الطبراني في الأوسط والكبير، والمصنَّفات مثل مصنَّف عبد الرزاق وأبي شيبة، وهؤلاء جميعهم لم يأتوا بأحاديث جديدة وإنما جمعوها من الصحائف والكتب التي دُوِّنتْ فيها، ثم قاموا بتصنيفها وترتيبها في أبواب ليسهُل التعامل معها.
وبهذا يتبيَّن أن مقولة أن تدوين السُّنة قد بدأ بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام بقرنين باطلة، والحقُّ أنها بدأتْ في حياة النبي صلى الله عليه وسلم واستمرَّت لقرابة قرنين من الزمان.
وللحديث بقية، وبالله التوفيق وعليه الاتكال، وصلى الله على سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

جاري تحميل الاقتراحات...