د. عبدالله الفيفي
د. عبدالله الفيفي

@alfaifawiP

10 تغريدة 4 قراءة Jul 17, 2022
عندما نتحدث عن التيارات العقلية في الإسلام؛ فأول ما يتبادر إلى الذهن أقدم التيارات العريقة والعريضة وأقصد (المعتزلة) وهم فعلاً كيان ثقافي كبير ومنظم ويستحق الاحترام والتبجيل.
ولكن يجب أن لا ننسى التيار الذي سبقهم وأسس لهم وهم من يسمون (الجهمية) نسبة إلى الجهم بن صفوان.
ويجب أن نفهم أيضاً بأنّ الجهمية والمعتزلة والفلاسفة وغيرهم من التيارات العقلية القديمة لم يقدموا أفكاراً واحدة ومتطابقة، بل هم تنوع زاخر من الآراء والأفكار المختلفة، ويوجد فيما بينهم تيارات ثانوية وفرعية، وربما خلافات وصدامات.
ولكن كان يجمعهم الاحتكام إلى العقل والاهتمام بالفكر.
هذا التراث العقلاني يحتاج إلى مشروع إحياء يبدأ بإنشاء مكتبة تجمع ما توفر من كتب المدارس العقلية القديمة، وفي نفس الوقت يحتاج إلى كليات متخصصة في هذا التراث، مثلاً (كلية الفلسفة الإسلامية)، بحيث تكون الرسائل الجامعية وبحوث الترقيات خادمة لذلك التراث، إما بإحياء القديم أو بدراسته.
الكليات الشرعية الحالية غالبها حشوي، تصول وتجول في نطاق ابن تيمية، وكل الرسائل الجامعية التي يكتبها الطلاب، أو البحوث التي يقدمها الأساتذة للترقيات هي تكريس لتيار ابن تيمية.
وبالتالي نشأت ثقافة تتخيل بأنّ الإسلام محصور في ابن تيمية، وعلوم الدين كلها تنهل من ابن تيمية.
أنا هنا أركز على الفلاسفة وأحاول تمثيل وجهة نظرهم لأنني أعتقد بأّنهم أرقى العقول في التاريخ.
ولكن هناك أيضاً حكاية أخرى لتيار كبير وعريض جداً وهو تيار (المتكلمين) وهم أيضاً على خلاف مع الحشوية في كثير من الجوانب، ولديهم اهتمام بالعقل إلى حد مقبول، وإن لم يكونوا مثل الفلاسفة.
أهل الكلام تيار متقدم بالنسبة للحشوية، ولهم قصة فكرية تستحق الرواية، وأتمنى وجود من يهتم بهذا التيار الذي كان يمثل أحد طرفي النزاع الكبير في التاريخ (الفلاسفة والمتكلمين).
الأشاعرة المعاصرون من بقايا هذا التيار.
أهل الكلام حاولوا مسك العصا من المنتصف بين الفلاسفة والحشوية.
أهل الكلام لم ينحطّوا إلى درجة الحشوية، ولكنهم أيضاً لم يرتقوا إلى درجة الفلاسفة؛ فشقوا لأنفسهم طريقاً وسطاً لا إلى هؤلاء ولا هؤلاء.
ماذا فعلوا؟
لقد فلسفوا الدين وأضافوا عليه شكليات فلسفية ليصبح نظرية قائمة بذاتها ومقاومة للفلسفة الإنسانية الكونية التي يشترك فيها كل البشر.
وهذا طبعاً أثار حفيظة الفلاسفة الحقيقين؛ فحدثت بينهم أعظم معركة فكرية في التاريخ الإسلامي.
الفلاسفة مصرّون على أنّ الحاكمية للفلسفة، وأنّ الدين فرعٌ عن الفلسفة، وأنّ النبي فيلسوف (شعبوي) يخاطب الناس بما يؤثر فيهم، ويقودهم إلى الفضيلة بحكمة تركز على الغاية وتتجوّز في الوسيلة.
ومن أبرز القضايا التي نوقشت عند الفلاسفة المقارنة بين النبي والفيلسوف وأيهما أفضل من الآخر.
والغالبية متفقة على أنّ النبي أرقى درجات الحكمة، وقدرته على مخاطبة الناس والتأثير فيهم بما يحقق الحكمة الكونية هي ميزة تُحسَب له، حتى وإن استخدم خطاباً مجازياً أو عاطفياً أو شعبوياً.
رتب @rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...