التابوه
التابوه

@2ttaboooh

20 تغريدة 401 قراءة Jul 16, 2022
١/
السلام عليكم.
ابتداءً؛ أعتذر عن طول الغياب، وبعد أقول:
مساء اليوم، هبطت طائرة بايدن في مطار الملك عبدالعزيز الدولي بجدة بما يرسم مشهد ختام سريالي لمراهقة سياسية بدأها مع بدء خوضه سباقه الانتخابي ثم استمرت عامًا ونصف العام هي عمر ما قضاه حتى اللحظة في المكتب البيضاوي!
٢/
تستمرّ زيارة بايدن يومَيْن؛ خُصّص الأول لقمّة سعودية أمريكية التقى فيها بايدن خادم الحرمين الشريفين وسموّ وليّ العهد، والآخر لقمّة أمريكيّة خليجيّة بمشاركة ثلاث عواصم عربيّة: عمّان والقاهرة وبغداد.
قبل الحديث عن الزيارة كحدث سياسي لافت، من المهم الحديث عن ظروف المسرح الدولي.
٣/
على المستوى الدولي، يمرّ العالم في أزمة حقيقيّة مثّلت الحرب الروسيّة الأوكرانيّة ذروتها، ولا أبالغ إن قلت إنّ العالم يمرّ بأكثر لحظاته صعوبةً واحتدامًا منذ نهاية الحرب العالميّة الثانيّة ستنتهي بتشكّل نظام عالمي جديد!
(سأكتب عن الحرب بمشيئة الله لاحقًا).
٤/
بعد وصول بايدن للبيت الأبيض يناير ٢٠٢١، وتحديدًا بعد مرور خمسة أسابيع، بدأ رحلته معنا بما يمكن اعتباره المحاولة الأولى لابتزاز الرياض؛ المحاولة التي أجهضها من يحكم في قصر العوجا ويتّكئ على إرث سياسي فريد يمتد لأكثر من ٣٠٠ عام.
(الثريد أدناه كُتب حينذاك؛ للتعليق على ما جرى).
٥/
بعد مرور سنة ونصف، يحضر بايدن إلى السعوديّة بعد أن تشابكت الأحداث الدوليّة إلى حدّ ( اعترف ) معه بماهيّة الدور الذي يُمكن للسعودية أن تلعبه لتغيير مسار الأحداث، وأدركت واشنطن أن أي محاولة لعزل أو تجاوز الرياض ستنتهي بهبوط الطائرة الرئاسيّة الأمريكيّة بأحد مطاراتنا الدوليّة.
٦/
المُتتبّع لرحلة بايدن إبّان سباقه الانتخابي ثمّ مسيرته الرئاسيّة حتى اللحظة يلحظ نهجًا - أو بالأدق حُمقًا - سياسيًّا يدعو للغرابة، إذ نصب لنفسه فخًّا صعُبَ عليه الخروج منه!
فعل ذلك حينما صعّد لغته الدبلوماسيّة تجاه سموّ وليّ العهد تحديدًا، ثم وجد نفسه يطير إلى جدَة؛ ليلتقيه!
٧/
اعتقدَ الرئيس بايدن - المحكوم من قبل القوى اليساريّة - أنّه من المُمكن ابتزاز الرياض، فوجد نفسه مضطرًّا لكتابة مقالة ركيكة في الواشنطن پوست يُبرّر لجمهوره لِمَ انقلب على مواقفه بشكلٍ جذريّ حدّ أن يطير إلى السعوديّة للاجتماع مع من زعم بايدن يومًا ما أنّه لن يستقبل اتصالًا منه!
٨/
في عالم السياسة، من الطبيعي جدًّا أن تلتقي المصلحة، وأن يُغلِّب صانعُ القرار المنطقَ على الشعارات، وهذا ما يقوم به بايدن الآن.
لكن، من المهم أن نقول لكارهٍ لنا راهن على شعارات بايدن يومًا ما:
راقب وتعلّم كيف يُمارس الملوك السياسة بعيدًا عن الشعارات والمراهقات السياسيّة.
٩/
الرياض اليوم في موقف قوي جدًّا إلى الحد الذي يُمثّل موقفها عاملًا وازنًا في أتون صراع دولي يجري على أرض أوكرانيا أجزم أن تبعاته هي الأهمّ والأخطر منذ انتهاء الحرب العالميّة الثانية وحتى الآن.
أمام أهم منعطف دولي التزمت الرياض الحياد، هذا لا يتأتّى إلا لمن يمسك بتلابيب قراره!
١٠/
حاولت واشنطن ممارسة الضغط على الرياض حتى تزيد إنتاجها من النفط بما يكبح الصعود المتسارع في أسعار الطاقة والتي بدأت تكتوي بنيرانها دول الغرب؛ ذروة الضغط تمثّل في التلويح بقانون (نوبِك).
مرّة أخرى، فشلت واشنطن في مسعاها وأعطى السعوديّون للعالم رسالة واضحة: الرياض لا تُبتزّ!
١١/
أمام بايدن انتخابات نصفيّة ستدور في مبنى الكابيتول بمجلسَيْه نوڤمبر المقبل.
أجزم أنّ موقف الرياض من إدارة بايدن سيكون عاملًا مهمًّا - ضمن عوامل أخرى داخليّة وخارجيّة - في خسارة الديمقراطيين للأغلبيّة البرلمانيّة!
هذا جانب من قوّة التأثير السعودي على الساحة العالميّة.
١٢/
الاستقبال المتواضع لبايدن في أرض المطار - مقارنة باستقبال ترمب - يمثّل رسالة واضحة على مستوى (الشكل).
أما القمة التي ستجري غدًا بحضور دول الخليج وثلاث عواصم عربيّة، فهي رسالة سعوديّة على مستوى (المضمون) بأنّه لن تتم أي ترتيبات إقليميّة إلا حين تكون الرياض على رأس الطاولة.
١٣/
لم نصل لهذه القوة فجأة، أو في غفلة من التاريخ، بل نتيجة طبيعيّة لإرث سياسي متراكم ميّزته القيادةُ الحكيمة المتّزنة.
حين بدأت واشنطن الانسحاب من المنطقة محدثةً لفراغ اعتقد البعض أنه سيُملأ بالفوضى الخلّاقة، كانت الرياض تُقوّي جسور علاقاتها مع الصين وروسيا والهند وغيرها.
١٤/
لذا حين عاد بايدن للمنطقة معترفًا بالخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته واشنطن حين قرّرت الانسحاب، فإنّه عاد بعد أن أكملت الرياض بناء شبكة معقّدة من المصالح المشتركة بينها وبين أهمّ عواصم العالم ( شرقًا ) بما يُقوّي مواقفها، ويُحقّق مصالحها، ويجعل موقفها التفاوضي قويًّا مع الكلّ.
١٥/
تظل واشنطن قوّة عظمى، ولا أتفق إطلاقًا مع من يعتقدون أن نجمها سيأفل في المدى القريب المنظور.
لذا من المهم إعادة تعريف العلاقة معها بما يضمن مصالح العاصمتَيْن، وبشكل تستوعب معه إدارة بايدن أنّ الرياض لا تتساهل في كلّ ما يتعلّق بسيادتها، واستقرارها، وأمنها القومي.
١٦/
في تقديري، لا أتوقع حدثًا سياسيًّا كبيرًا أو نوعيًَا سينتج عن زيارة بايدن؛ إذ لا أتصوّر أنّه يحمل في جعبته عرضًا مغريًا لا يمكن رفضه.
لكن، ربما تكون بداية لالتزام أمريكي تجاه المنطقة تُختبَر جديّته بمرور الوقت بعدما انعدمت أو تضاءلت الثقة بالإدارة الأمريكيّة من قبل حلفائها.
١٧/
العالم يمرّ بفترة عصيبة جدًّا، وفي تقديري أنّنا نعيش مخاضًا لنظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، تمثّل الحرب الروسيّة الأوكرانيّة عاملًا مسرّعًا جدًّا لولادته.
ويقيني، أنّ هذا التحوّل التاريخي استشرفه قادتنا منذ سنوات وحضّروا له جيّدًا بعلاقات متشابكة ومتوازنة (شرقًا) وغربًا.
١٨/
الرابح الأكبر من هذه الزيارة هي الرياض التي تراهن دومًا على ثبات الموقف المقرون بالصبر.
وحين أقول الصبر، أتذكّر جيّدًا لقاءً للأمير تركي الفيصل حين سُئل عن تعريفه الخاص للسياسة، فأجاب: الصبر!
مررنا بمنعطفات كُثر، وفي كلّ مرّة كنّا نخرج منها أقوى وأكثر ثباتًا واستقرارًا.
١٩/
عودوا بالذاكرة عامًا ونيف، واستحضروا كيف كانت تُهاجمنا وبشكل ممنهج آلة إعلاميّة ضخمة لا تعرف تاريخنا إطلاقًا، ولم تقرأ واقعنا جيّدًا، وكيف استبشر الكارهون والشامتون بمقدم بايدن للرئاسة!
مرّت الأيام، وفرض الثقل السياسي والتاريخ والواقعيّة وحجم التأثير لقاءَ اليوم، ولا غرابة.
٢٠/
زبدة القول:
السياسة السعوديّة العاقلة انتصرت في نهاية المطاف، ومن اعتقدوا أن بوسعهم عزل الرياض طاروا لها تباعًا.
نملك ثقلًا سياسيًّا يؤثر على المستوى العالمي، ويُجيد قادتنا عمل التسويات بما يحقق مصالحنا، ويحفظ سيادتنا.
أدام الله قادتنا وعزّنا وأمننا، ولا عزاء للكارهين.

جاري تحميل الاقتراحات...