19 تغريدة 109 قراءة Jul 15, 2022
السؤال valid فعلًا يعني يا شباب. هو إيه الفايدة من مشاريع الفضاء العملاقة دي؟ ليه عملنا تلكسوب ب١٠ مليار دولار؟ ليه طلعنا القمر وليه بنودّي عربيات تمشي على المريخ؟
الحقيقة إن السؤال الأزلي دا في نظري ليه نقطتين،
عشان أقولكم الأولى، هحكيلكم قصة صغيرة.
أحد المشاكل اللي واجهت العلماء أثناء تصميم تلسكوب هابل هي إن عملية التصوير بتستهلك طاقة كتير جدًا.
طب وإيه المشكلة في كدة؟ المشكلة إن هابل بيدور في مدار حوالين الأرض ارتفاعه ٥٧٠ كيلومتر. يعني في بعض الأحيان بيبقى شايف الشمس، لكن في أحيان أخرى مبيشوفش الشمس نهائيًا.
الفترة اللي بيشوف فيها الشمس بياخد الكهربا اللي محتاجها من الخلايا الشمسية. لكن الفترة اللي مبيشوفش فيها الشمس لازم يشتغل على بطاريات تكفّيه يكمل تصوير لحد ما الخلايا الشمسية بتاعته تشوف الشمس تاني.
وهنا كانت المشكلة، إن الكاميرا بتاعت هابل بتستهلك طاقة كتير أوي، وطبعًا مينفعش تزود عدد البطاريات لأن دا هيزود وزن التيلسكوب مما يعني تكلفة إطلاق أعلى.
العلماء حلّوا المشكلة دي ازاي؟ قعدوا سنين يدرسوا ازاي يعملوا كاميرات بتستهلك طاقة قليلة وفنفس الوقت بتدّي صور واضحة.
الأبحاث اللي اتعملت على الكاميرات دي والتكنلوجيا اللي طلعت من وراها، لحد النهاردة بتعتبر حجر الأساس لتصنيع كاميرات الموبايل. (كاميرات بتطلع صور بجودة عالية ومبتستهلكش كتير من البطارية، هي نفس المتطلبات بتاعت كاميرات الموبايلات).
يعني كل صورة إنت صورتها في حياتك بموبايلك، كل لحظة حلوة وثقتها، كل منظر طبيعي احتفظت بيه. كل صورة من دول تواجدت بسبب الأبحاث اللي اتعملت في ناسا على كاميرا هابل.
دا في رأيي هو السبب الأول: التحديات الكبرى بينجم عنها مشاكل كبرى، حلول المشاكل دي هي اللي بتؤدي للحضارة الحديثة.
العلماء في ناسا مكانش هدفهم يعملوا كاميرا موبايل حلوة، هما كانوا بيحلوا مشكلة واجهتهم مش أكتر، لكن حلول المشاكل دي مجتمعة بيؤدي لحاجات مكناش نتخيل تصورها. الأطراف الصناعية أصلًا كانت معمولة لبدل الفضاء. الميكروييف اللي بيسخّن الأكل تم اكتشافه بالصدفة اثناء البحث في موجات الراديو.
البنسلين اكتشف بالصدفة اثناء عمل مزرعة بكتيرية، العدسات اللاصقة كانت معمولة أصلًا لرواد الفضاء، ولو دورت على جوجل هتلاقي حاجات كتير أوي كدة يعني.
ودا يقودنا لنقطة مهمة إن العلم التجريبي لابد له أن يبنى على العلم المعرفي.
أثناء غزوك للفضاء وغزوك لأعماق البحار فأنت مش هدفك تخترع حاجة جديدة أو تصلح الأقتصاد أو تخترع كاميرا. أنت هدفك المعرفة، لأن المعرفة هي القوّة، السلاح اللي بيمكنك تخترع وتبني.
عمرنا ما كنا هنصنع دوا كيمائي فعال لو روبرت هوك في القرن ال١٧ مكانش اكتشف تركيب الخلية الحية!
روبرت هوك مكانش هدفه يعالج الأمراض، أو يخترع حاجة جديدة.
روبرت كان هدفه الوحيد إنه يعرف.
شرودنجر وبور وهايزمبرج وكل مؤسسي النظرية الكمّية هما السبب في إن باردين وشوكلي وبراتين يخترعوا الترانزستور في الخمسينات، ويتسببوا في الثورة التكنلوجية العملاقة الي إحنا عايشين فيها لحد النهاردة. وكمان نظرياتهم هي حجر الأساس للكوانتم كمبيوتر اللي متوقع إننا نشوفه مستقبلًا.
النظريتين النسبيتين الخاصة والعامة اللي أسسهم آينشتاين في ١٩٠٥ و ١٩١٦ على الترتيب، وتأثير دوبلر اللي اكتشفه كريستيان دوبلر في القرن ال١٩ هما الأساس العلمي اللي مبني عليه خدمة ال GPS.
آينشتاين ودوبلر مكانوش يعرفوا حتى إن اكتشافاتهم هتأدي لأنك تعرف مكانك على الكوكب من موبايلك. ومكانش دا هدفهم، إنما هدفهم كان الأكتشاف والمعرفة والوصول للحقيقة. وقس على ذلك كل حاجة انت استخدمتها في حياتك.
كل آداة تكنلوجية في الدنيا اتبنت على نظرية معرفية بتقدملها الأساس العلمي.
إحنا بنبص للفضاء عشان نعرف الفضاء، ويمكن لما نعرف الفضاء نكتشف مصادر جديدة للمواد، أو نعرف أكتر عن الطيران، أو حتى نعرف طريقة نسافر بيها لكواكب تانية (زي ما وصلنا للمريخ) ونعيش عليها. أو يمكن حتى نكتشف كائنات حية ونستفيد منها بيولوجيًا. محدش يعرف إحنا هنوصل لأيه،..
لكن المنهج المعرفي يهدف للأكتشاف لمجرد الاكتشاف، يهدف للوصول للحقيقة، عشان المعرفة هي اللي بيتبني عليها التكنلوجيا، وبتسمحلنا إننا نوصل النهاردة إننا نتواصل عن طريق حتة حديدة ماسكينها في إيدينا اسمها موبايل. كل التكنولوجي دي اكتشفت بفضل حاجة واحدة. الفضول!
ودا يقودنا للنقطة التانية: الفضول.
المنهج المعرفي، هدفه الأول اشباع الفضول. كلنا، من أصغر واحد لأكبر عالم جوانا الطفل الصغير اللي عايز ياكل الطينة عشان عنده فضول يعرف طعمها إيه. بس إحنا مش بناكل الطينة، احنا عايزين نشوف، ونعرف.
لما طلع تلسكوب هابل وورانا الصور العظيمة بتاعته الفضول دفعنا نعرف أكتر، يا ترى فيه مجرات أبعد من كدة؟ يا ترى السدم جواها إيه؟ يا ترى المواد المصنعة منها زي مجرتنا ولا لا؟ ياترى نظريات توسع الكون صحيحة؟ الإنسان بطبعه كائن يقوده الفضول، يحب أن يعرف.
إحنا اتولدنا لقينا نفسنا عايمين علي صخرة وأكتر حاجة نعرفها عن السما إن فيها شمس وقمر وشوية نقط بيضا اسمها نجوم. لكن بسبب الفضول، طلعنا القمر، وصورنا مجرات تبعد عنا ١٣ مليار سنة ضوئية، ولو دي مش حاجة عظيمة فأنا مش عارف ايه اللي ممكن يكون عظيم والله.
الفضول هو ما يقودك للاستكشاف، والبحث والتوسع والتنقيب والتدبّر.
السببين دول (أهمية المعرفة والفضول) هما السبب إن البشرية هتستمر في التنقيب عن المجهول حتى تفنى، وهتستمر في البحث فيما وراء ما نراه حتى نرى حدود الكون. لأن المعرفة تستحق. تستحق جدًا.

جاري تحميل الاقتراحات...