صالح بن مطر الهطالي
صالح بن مطر الهطالي

@smalhatali

44 تغريدة 5 قراءة Jul 15, 2022
حوارٌ هادئ مع القرآنيين:
نكمل الحوار في المحور الثاني حول القضية الثانية المتعلِّقة بكتابة النبي محمد صلى الله عليه وسلم للقرآن الكريم، وقد كان المحور الأول مُتعلِّقًا بنفي أن يكون القرآن الكريم من اختراعه وتأليفه عليه الصلاة والسلام وليس وحيًا من الله.
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يُؤلِّف القرآن الكريم من ذات نفسه، ولم يُملِه عليه أحد، وإنما هو وحيٌ من الله سبحانه وتعالى ولكن النبي عليه الصلاة والسلام هو مَن قام بكتابته في المصحف، كما يقول القرآنيون وبعض المشكِّكين، فإننا نردُّ عليهم بما يلي:
١- في البداية نريد أن نُوضِّح أمرًا مُهمًّا وهو لماذا يُصرُّ القرآنيون وغيرهم على القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كتب القرآن بنفسه؟
والجواب ببساطة هو لكي يستقيم منهجهم المِعْوَج في إنكار السُّنة النبوية، فإنهم ادَّعَوْا بأن السُّنة النبوية قد كتبها الصحابة والتابعون ومَن جاء بعدهم، وأن هؤلاء بشر يُصيبون ويُخطؤون، ولذلك لا تقوم حُجَّة بما يكتبوه،
فاستطاع القرآنيون بهذه الحيلة أن ينكروا السنة النبوية، ولكنهم عندما فعلوا ذلك وقعوا في ورطة كبيرة وهي أنه معلوم عند جميع المسلمين منذ عهد النبي عليه الصلاة والسلام وإلى يومنا هذا أنه كان هناك كُتَّابٌ للوحي من الصحابة، ولذا يلزم أيضًا أن يصيب هؤلاء
الصحابة أحيانًا ويُخطؤون أحيانًا أخرى، مما يجعل القرآنيين لو طبَّقوا منهجهم عليه لأنكروا القرآن أيضًا، فجاؤوا بحيلة أخرى وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم هو مَن كتب القرآن بيده، ونَفَوْا أن يكون أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب كما هو مشهورٌ عنه، ونَفَوْا أيضًا وجود كُتَّابٍ للوحي.
وبسبب هذا المنهج المِعْوَج الذي يسير عليه القرآنيون في إنكارهم للسنة النبوية وكتب التفسير والحديث والتاريخ، بسبب كل ذلك اعتبروا أمة محمد صلى الله عليه وسلم منذ القرن الأول إلى يومنا هذا أمة كذابة همُّها الأول الافتراء على الله ورسوله،
وبالمقابل هم يقبلون القرآن محفوظًا في الصدور أو مكتوبًا في المصاحف، فيا للعجب من هذا المنطق المنكوس!!!
٢- ومع افتراض أن ما يقوله القرآنيون صحيحًا، وأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلًا هو مَن كتب القرآن في المصحف، فنسألهم: أين هذا المصحف الذي كتبه الرسول عليه الصلاة والسلام؟
طبعًا، هذا المصحف غير موجود اليوم، ولا بُدَّ أن يكون هناك نُسَّاخ قاموا بنسخ المصاحف التي بأيدينا اليوم، وهؤلاء أيضًا بشر يصيبون ويخطؤون، فلماذا نقبل هذه المصاحف على أنها كتاب الله؟
٣- لقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الكتاب الذي أعجز البلغاء بفصاحته وأعيا الفصحاء ببلاغته، رغم أنه نبيٌّ أُمِّيٌّ لم يقرأ يومًا حرفًا، ولم يخطَّ بيمينه يومًا كلمة، ولذا كانت أُمِّيَّته صلى الله عليه وسلم هي موضع عظمته، ودليل صدقه، وآيةً من الآيات الدالة على نبوته.
لذلك، حاول المُشكِّكون والملحدون إنكار أُمِّيَّته صلى الله عليه وسلم بشتى السُّبُل، وأخذوا يتأوَّلون الآيات الصريحة التي تدلُّ على أُمِّيَّته، وينكرون السُّنة الصحيحة التي تُثبِت هذه الأُمِّيَّة بما لا يدع مجالًا للشك،
وكل همِّهم من وراء ذلك هو هدم أكبر دليل على صدقه صلى الله عليه وسلم.
وقد تبعهم في ذلك عن حُسْن قصد بعض الباحثين المسلمين الذين أنكروا أُمِّيَّته صلى الله عليه وسلم؛ فظنوا أنها لا تليق بمقامه الشريف، وأنها تُعَدُّ صفة نقص لا كمال،
مع أنها في الحقيقة قد تُعَدُّ صفة نقص في حقِّ إنسانٍ عاديٍّ وسط مُجتمع مُتعلِّم يجيد معظم أفراده القراءة والكتابة، لكنها في حقِّه صلى الله عليه وسلم تُعَدُّ صفة كمال وإعجاز، صفة يتحقَّق عن طريقها صدقه في دعوته وأمانته في تبليغ رسالته.
٤- هناك آيات كثيرة تقول بأُمِّيَّته عليه الصلاة والسلام، ومنها:
أ- قوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ [العنكبوت: 48].
فهذه الآية واضحة تمام الوضوح، فالله عز وجل يقول له: إنك يا محمد قبل أن يُنزَّل عليك القرآن لم تكن عندك المقدرة أن تقرأ كتابًا، أو تكتبه بيدك، ولو كانت عندك هذه المقدرة، لتشكَّك المُتشكِّكون في القرآن الكريم، وقالوا: إنه من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم.
إن هذه الآية في حدِّ ذاتها معجزة كبيرة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث وقع بالفعل ما ذكره القرآن الكريم؛ حيث كثر الطعن في القرآن الكريم، وأكثر ما وُجِّه إليه من طعن أنه منقول من كتب الأوَّلين،
وسيظلُّ الطَّعن يقع طالَما كان هناك معادون للقرآن مُتشكِّكون فيه، والردُّ عليهم هو ما ذكره القرآن في الآية نفسها، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أُمِّيًّا، فلم يقرأ في حياته كتابًا، ولم يخطُّه بيمينه، فكيف إذن يأتي بهذا القرآن الكريم؟
ب- قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ﴾ [الأعراف: 157].
ويكاد أن تُجمِع مجامع اللغة وعلماؤها وعلماء التفسير على أن (الأُمِّيَّ) هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، وقيل بأن (الأُمِّيَّ) منسوبٌ إلى الأم لأنه شبيه بالطفل الذي يخرج من بطن أُمِّه وهو لا يعرف شيئًا.
وقد وُصِفَتْ أُمَّة العرب بالأُمِّيين كما في قوله تعالى:
{ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [سُورَةُ الجُمُعَةِ: ٢].
٥- لم تكن الكتابة متفَشِّية بين أهل مكة، والمتعلِّمون منهم كانوا معروفين مشهورين بين الناس، وقد ذكرت المصادر أنهم فقط سبعة عشر شخصًا وذكرت أسماءهم،
وكما هو مشهور فإنه بعد معركة بدر قَدَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضًا لمن أراد أن يُطلَق سراحه من المشركين أن يُعلِّم عشرة من الصحابة، وما ذلك إلا لتفَشِّي الأُمِّيَّة بينهم.
٦- لم يثبت أن سيَّدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم خرج من مكة وغاب عنها غيبة طويلة تُمكِّنه من التعلُّم في تلك الرحلات التجارية،
وكل ما ورد في كتب السيرة أنه صلى الله عليه وسلم خرج مرتين إلى الشام، مرة مع عمه أبي طالب، ومرة مع ميسرة غلام السيدة خديجة بنت خويلد، فأين تعلَّم النبي صلى الله عليه وسلم الكتابة؟
٧- أما الاحتجاج بشيوع الكتابة بمكة لكونها كانت تكثر فيها التجارة، وأن التجارة بحاجة إلى الحساب، والحساب يحتاج إلى تدوين، فالحقيقة أن التجارة لا ترتبط بالقراءة والكتابة، فكم من أُمِّيٍّ برع في فنون التجارة!!
بالإضافة إلى أن العرب لم يكونوا
يُديرون تجارتهم بكتابة العقود
وتوثيقها، وإنما كانت تجارة الرحلات تجارة مقايضة وتبادل البضائع، وبيع بالثمن العاجل، وحتى التجارة المحلية فما كانت تحتاج إلى تدوين؛ لأنها لم تكن بتلك السَّعَة التي شهدتها التجارة الحديثة، إضافة إلى أن معاملات كل تاجر لم تكن تتعدَّى أمواله وأموال بعض المضاربين.
٨- معلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يُشاهَد يومًا وهو يحمل أداة لتدوين القرآن مع أنه كان أحبَّ الأشياء إلى قلبه، بل كان ينتظر حضور أحد أصحابه من أجل أن يُملي عليه ما أراد كتابته،
وأكثر دلالة على ذلك أن الوحي كان يتنزَّل عليه بالليل، وفي السفر، وقد كان من البديهي تمامًا أن يُدوِّن القرآن بيده في هذه الحالات لو كان عارفا بالكتابة، ولكنه لم يُشاهَد وهو يُدوِّن آية في صحيفة، ولو مرة واحدة.
٩- وبسبب أُمِّيته عليه الصلاة والسلام كان يتَّخذ كتبة لتدوين مراسلاته إلى الدول والإمارات المحيطة بأرض العرب، إضافة إلى تسجيل عهوده ومواثيقه ورسائله إلى أمرائه،
ولم يحدث مرة أن تولى بنفسه تدوين شيء من هذه الأمور، ومن المعلوم أنه لو حدث شيء من هذا القبيل لعَلِم الناس به، ولكن لم يُؤثَر عنه ذلك.
١٠- اعترض بعض المُشكِّكين في أُمِّيته صلى الله عليه وسلم أن كلمة (الأُمِّيَّ) هي نسبة إلى (أُمِّ القرى) أو (الأُمَّة) وليس إلى (الأُمّ) التي تُفيد عدم القدرة على القراءة والكتابة كما أسلفنا، ونسأل هؤلاء المُشكِّكين: إن كان ما تقولونه صحيحًا فما الفائدة من نسبتها إلى أُمِّ القرى؟
إنه من المعلوم أن الإنسان عندما يُنسَب إلى مكان، فإنه يُنسب إليه لكي يُعرَف به، ويُميِّزه عمَّن سواه، كأن يقال: مَكِّي، أو مصري، أو بغدادي، فهل هذه النسبة (أُمِّي) أضافت شيئًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوحي إلى المكان الذي عاش فيه أو يُميزه عن غيره؟
وهل لو سمعك شخصٌ تصف آخر بالأُمِّي يمكن أن يدور بخلده أنك تقصد نسبته إلى أُمِّ القرى؟
إن النسب يكون إلى شيء معروف، لا إلى شيء غامض كهذا، فضلًا عن أن هذه النسبة لم تكن مشهورة عند العرب، ولم يُعرَف في كتب التاريخ أن أيًّا من العرب كان نسبه أُمِّيٌّ نسبة لأُمِّ القرى.
وما قيل في النسب إلى (أُمِّ القرى) يُقال أيضًا في النسب إلى (أُمَّة)، فما الفائدة من وراء هذه النِّسبة؟
إن كل إنسان في العالم يمكن أن يُنسَب إلى كلمة (الأُمَّة) لأنه يعيش وسط أمته التي يوجد فيها، فهذا ليس خاصًّا برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يصحَّ أن يُنسَب إليها، ويكون عَلَمًا عليه.
١١- وأما الاحتجاج بأن قوله سبحانه: ﴿ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الفرقان: 5]، يدلُّ على أن كفار قريش كانوا يعلمون بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كتب القرآن من الكتب السابقة؛
لذلك لم يؤمنوا به لعلمهم أنه غير صادق في دعوته.
والجواب على ذلك أن شهادة الكافرين عليه صلى الله عليه وسلم مردودة؛ لأنهم ألدُّ أعدائه، وقد رَمَوْه بأكثر من ذلك فقالوا عنه بأنه ساحر وكاهن وشاعر ومجنون، إلى غير ذلك من الافتراءات والأكاذيب.
وإذا كانت شهادة العدو على عدوه غير مقبولة في أعراف الناس، ولا يُؤخَذ بها في إثبات الحق، فكيف تقبلونها في أمرٍ هو أخطر الأمور على الإطلاق، وهو إثبات النبوة التي مدار سعادة الدنيا والآخرة عليها؟
ثم إنه جاء في الآية: ﴿ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا } ولم يقل "كَتَبها" لأن قريشًا كانت تعلم أنه أُمِّيٌّ لا يقرأ ولا يكتب، ولذلك لم تقل بأنه كتب الأساطير بنفسه وإنما قالت "اكتَتَبها" أي طلب من شخص آخر ليكتبها له.
كذلك، فتكملة الآية: ﴿ فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ }، أي يقرأها عليه شخص آخر ولم تقل "يقرأها" بنفسه لأن قريشًا كانت تعلم بأنه أُمِّيٌّ لا يقرأ.
12- ومما اعترضوا به على عدم أُمِّيَّة النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ﴿ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ﴾ [البينة: 2]، فقالوا: إن الآية صريحة في أنه يقرأ من صحف أمامه، ولا أدري من أين أَتَوْا بهذا التفسير،
فمن المعلوم قطعًا أن القرآن يُقرأ ويُتلى من الصدور، كما يُقرأ من الصحف والسطور، فمن قرأ القرآن من حفظه بلا مصحف أمامه يصدق عليه أنه قرأ القرآن وتلاه، وهذا واضح لا يحتاج إلى دليل، ولذلك لا حُجَّة لهم بهذه الآية في التدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ويكتب.

جاري تحميل الاقتراحات...