ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

29 تغريدة 501 قراءة Jul 13, 2022
نشأ في كهوف جبال تورا بورا وتربى في معسكرات القاعدة، إلا أنه اليوم يقيم معرضه الفني الأول في باريس، رحلة طويلة من المتناقضات، اختار فيها عمر أسامة بن لادن أن يكون فنانًا وداعية للسلام على ألا يكون خليفة لأبيه ..
حياكم تحت
في عيادتها المتخصصة في علم نفس الأطفال بجدة؛ استقبلت الطبيبة السعودية والأستاذة الجامعية خيرية صابر ذات الخمس وثلاثين عامًا، طفلا صغيرًا اسمه سعد، يعاني من التوحد، بذلت جهدها في علاجه، وفي أثناء جلساتها المتتابعة له، وصلها عرض زواج من والده... والد سعد لم يكن إلا أسامة بن لادن.
حينها أي في عام 1982 كان أسامة بن لادن مقبولا شعبيًا ، وكونه من أسرة مرموقة فاحشة الثراء وتتوفر فيه عديد من الصفات الملائمة لها؛ قبلت خيرية الزواج منه.
كانت خيرية هي الزوجة الثالثة لـ أسامة حيث تكبره بسبع سنين، وقد أنجبت منه طفلا وحيدًا عام 1989م أسمته حمزة، أما الزوجة الأولى فقد كانت السورية نجوى الغانم والتي تزوج منها عام 1974 وأنجب منها العدد الأكبر من الأبناء ومن بينهم عمر، أما الثانية فقد كانت خديجة الشريف وتزوجها عام 1983.
في نهاية الثمانينات لم يعد مرحبًا بأسامة بن لادن في السعودية، ومع استشعاره الخطر فر هاربًا إلى اليمن، ومنها انتقل إلى السودان، وما إن هيأ لأسرته الكبيرة موضعًا حتى لحقت به إلى هناك عام 1990، وله من الأبناء حينذاك 14، يرافقهم 3 زوجات بالإضافة إلى زوجة رابعة جديدة هي سهام صابر.
أقامت الأسرة في السودان في حي الرياض 5 أعوام، في منزل مكون من 3 طوابق يضم 22 غرفة، وخلال تلك الفترة رزق أسامة بمزيد من الأبناء، قبل أن تطلب السلطات السودانية منه المغادرة إلى أي وجهة يختارها، بسبب حرج السودان السياسي، حيث وقع اختياره على جلال آباد ومنها مر إلى جبال تورا بورا.
لكن تلك الحياة الشديدة التقشف والمصبوغة بالدماء والتشتت لم ترق لـ زوجته خديجة والتي اصطحبت أبنائها الثلاث علي، وعامر، وعائشة، وعادت إلى المملكة، وما إن مضت فترة قصيرة حتى لحقها عبد الله، الابن البكر لأسامة بن لادن، والذي لم يكن راضيًا عن ذلك المسار الذي تمضي فيه أسرته.
ثلاث كهوف كن في انتظار زوجات بن لادن وأبنائه، تفرقت الزوجات على تلك الكهوف لتعود الأسرة زمنيًا إلى الوراء على مختلف الأصعدة، ليل تملأه الظلمة ونهار منبسط ووقت يمر ببطئ وسكون لا يقطعه سوى صيحات المتدربين وأفراد القاعدة المتزايدة أعدادهم يومًا بعد آخر.
استفاق هؤلاء الأطفال والفتية على واقع شديد البؤس، إذ لا مدارس ولا كهرباء ولا مياه جارية، لا لعب ولا مرح ولا ركض في الأرجاء دون هدف، هنا فقط قسوة أب تلتف على أعناقهم، عبر تعنيف وضرب بحجة التربية، وقتل وفقد لحيواناتهم الأليفة في تجارب غاز سام يجريها أعضاء القاعدة.
مزيد من أبناء بن لادن ولدوا في ظلام هذه الكهوف، فيما الأولون يزدادون عمرًا تحت وقع هذا الترهيب، مثل عمر وحمزة وسعد وخالد، والذي أرسلوا إلى معسكرات القاعدة القريبة، حيث نشأوا نشأة عسكرية خالصة، تدربوا فيها على حمل السلاح وزرعت فيهم كثير من المفاهيم التكفيرية الإرهابية.
وجد عمر أن أبيه لا يعبأ لحياته، فهو منتمي لأفكاره أكثر من انتمائه لأبنائه، حتى أنه حاول إقناعه بالتطوع في مهام انتحارية وعرّضه لظروف خطيرة أثناء إقامته لمعسكرات التدريب في أفغانستان بل وأرسله بالفعل إلى الخطوط الأمامية في الحرب الأهلية الأفغانية.
لم يكن ثمة خيار أمام عمر ابن الرابعة عشر حينذاك سوى الاستسلام لرغبات أبيه، فتدرب ضمن معسكرات القاعدة لأكثر من 6 سنوات، بل إن الشيء الأكثر إثارة هو أنه تقاسم بيتًا مع أيمن الظواهري الرجل الثاني في القاعدة حينذاك، لكنه كان حانقًا ناقمًا على ذلك المسار الدموي الموضوع فيه عنوة.
في عام 1999 وبحسب كتاب "إنه بن لادن" ل جين ساسون زادت في عمر وتيرة الانفعال والسخط وهو حينذاك في عمر التاسعة عشر، حين علم عن مخطط كبير يعد له والده ضد أمريكا، ترجم مشاعره وانفعاله لأول مرة إلى موقف حاسم؛ حينما أعلن لأبيه بشكل واضح معارضته قتل المدنيين والأبرياء.
تلقى أبوه ذلك الموقف بشيء من الانزعاج بدايةً، لكنه استسلم في الأخير لرغبته، وسمح له بمغادرة أفغانستان والعودة إلى المملكة العربية السعودية كي يشق طريقه في موطنه بجوار أخويه عبد الله وعبد الرحمن اللذين اختارا هما أيضًا منذ وقت بعيد، البعد عن مسار أبويهما، والعيش في سلام.
خابت آمال أسامة بن لادن في ابنه عمر والذي كان يعده كي يخلفه في قيادة التنظيم، حينها توجه اهتمامه وتعويله على ابنيه سعد وحمزة، على أمل أن يسد بهما الفجوة التي تركها في نفسه عمر، ومن ثم منح الاثنين كثير من اهتمامه وظهر معه حمزة كفتى صغير مدلل له حظوة ومكانة كبيرة.
زلزال كبير هز أركان عمر يوم 11 سبتمبر 2001، كان حينها يقيم في السعودية وقد استطاع استعادة جنسيته، لكن أتاه ذلك الحدث الإرهابي ليقلب حياته رأسًا على عقب، وليثير في نفسه كثير من المتناقضات فهو حزين أشد الحزن على ما اقترفه أباه، وفي نفس الوقت قلق على أبيه وأسرته.
في نوفمبر من نفس العام؛ ظهر تسجيل مرئي لأربعة من أبناء بن لادن وهم يلتقطون بين أيديهم بعضًا من حطام إحدى الطائرات الأمريكية التي قال مقاتلوا طالبان أنهم أسقطوها حينذاك، ويظهر أصغر هؤلاء الأطفال وهو حمزة وهو يحمل السلاح ويلقي قصيدة يمتدح فيها كابل والملا عمر زعيم طالبان.
لم يستغرق هذا التفاخر كثير من الوقت؛ فمع تناقل الأنباء عن قرب غزو أمريكا لـ أفغانستان، قام بن لادن بإرسال أبنائه ومن ضمنهم حمزة وسعد فضلًاعن 23 فرد آخرين ما بين أبناء وأحفاد وزوجات، قام بتهريبهم إلى إيران، التي استقبلتهم ووضعتهم ضمن إقامة جبرية
استمر احتجاز هذا العدد من أسرة بن لادن لسنوات، قبل أن يتمكن سعد من الفرار من إيران، وكان متوقعًا أن يلي والده في قيادة التنظيم نظرا لقدراته القتالية وإجادته الإنجليزيةوشخصيته القيادية لكن سبق السيف العذل حين وقع قتيلًا في غارة لمسيرة أمريكية عام 2009.
في تلك الأثناء وعلى جانب آخر كان عمر يمضي قدمًا في حياته، فبينما هو في الأهرامات المصرية يتجول على صهوة أحد الأحصنة، تعرف على البريطانية الكويتية الأصل جين فيليكس براون، وتزوجا في حفل زفاف إسلامي أقيم في مصر والسعودية، وبناء على الزواج تقدم عمر لنيل تأشيرة بريطانيا عام 2008.
"دخول بن لادن إلى بريطانيا من شأنه أن يسبب قلقًا عامًا"..
كان هذا رد السفارة البريطانية على طلبه لنيل التأشيرة، في عام 2010 حاول نيل تأشيرة شنغن لكنه منع كذلك، في تلك الأثناء كان عمر يتنقل ما بين بلاد كثيرة كان آخرها قطر، والتي دخل فيها المستشفى مصابًا بمرض اضطراب ثنائي القطب.
عولج عمر من ذلك المرض الذي أصابه ربما بسبب نشأته وظروف معيشته وتحولاته الأسرية شديدة الصعوبة حتى أنه انفصل مؤقتا عن زوجته حينذاك، لقد حاد عمر عن فكر أبيه وقدم نفسه كداعية سلام لكنه صرح بأنه لو يعلم مكان أبيه لن يدل عليه لأنه في الأخير أباه ولا يريد له الضرر أو التعرض للقتل.
في تلك الأثناء غادرت اسرة ابن لادن ايران، وعلى إثر ذلك انضم أبناء بن لادن إلى أبيهم في مجمع أبوت آباد في باكستان الذي كان يختبئ فيه الأب على مدى سنوات، غير أن حمزة سلك طريقًا آخر.
انضم حمزة إلى عدد من قطاعات التنظيم في أماكن متفرقة حيث أنزلوه مكانته القيادية وأعدوه كي يخلف والده، وبينما التنظيم يخطط للقاء يجمع حمزة بأبيه في مجمع أبوت آباد، سبقت القوات الأمريكية الخاصة ذلك اللقاء وقتل أبيه وأخيه خالد واقتيدت إحدى زوجات أبيه إلى أحد مرافق الاحتجاز.
اختفى حمزة قبل يخرج تسجيل صوتي عام 2015 لأيمن الظواهري يقدم فيه ما سمَّاه بـ"أسد من عرين القاعدة". كان الصوت التالي هو لحمزة الذي أشاد بـ"استشهاد" والده وأخيه خالد، وتوعد بالانتقام، وتلقت الأوساط الغربية ذلك الظهور على أنه القيامة الجديدة لتنظيم القاعدة.
في فبراير 2019 ، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية مكافأة قدرها مليون دولار مقابل معلومات تؤدي إلى مكان حمزة بن لادن، وفي 14 سبتمبر من نفس العام أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقتل بن لادن في عملية أمريكية لمكافحة الإرهاب على الحدود ما بين أفغانستان وباكستان.
في تلك الأثناء كان عمر بن لادن قد تماثل للشفاء وازدهرت حياته وتجددت حين حصل أخيرا على الإقامة في فرنسا عام ٢٠١٦، ومع توغل فيروس كورونا نهاية ٢٠١٩، وفرض الإغلاق؛ انكب عمر على اليوتيوب لأشهر طوال، يتعلم الرسم ويتقن قواعده وأصوله يومًا بعد آخر، وهو ما نجح فيه إلى حد بعيد.
حيث نجح هذا العام في اقتناص فرصة ذهبية حين أتاحت له السلطات الفرنسية إقامة معرضًا للوحاته، والتي يجيء معظمها انعكاساً لذكريات طفولته ومراهقته، حيث يمكن ملاحظة تجسيدات للجبال في أفغانستان وأودية وأماكن طبيعية عاش فيها، وألوان متنازعة تعبر عن الصراع النفسي الذي عاش فيه.
يتراوح سعر اللوحات الصغيرة بين 750 و800 يورو، بينما يبلغ سعر الكبيرة منها بين 2000 و 2500 يورو، وينتاب عمر الذي يوقّع رسوماته بـ OBL شعور بـ"الرضا" عندما يرسم. ويقول بابتسامة نادراً ما تظهر على وجهه "سأشعر بسعادة أكبر إن نجحت، وإن لم أحقق نجاحاً سأعيد الكرّة"

جاري تحميل الاقتراحات...