عبدالرحمن محـمـود
عبدالرحمن محـمـود

@alshanqitii

33 تغريدة 16 قراءة Jul 13, 2022
تسعَ سنين، مرّت كمرّ السّحاب، لم أجاوز نصف عقدي الثاني، أصبحتُ "أباً" بفضل الله، ويَا لَجهلي وتقصيري وإسرافي إذ ما علمتُ حقّ قدرَ والدي إلاّ بولدي، سألني رجلٌ عالمٌ فاضلٌ (فين وصلت في العلم.!؟) وليس عندي منه مثقال ذرّة، فما وجدتُ ما أقول حتى بادرني بخطّة للتّعلّم فقيّدتُها..
شُغلتُ قبل ذاك بالدّراسة فنلت درجة الهندسة الميكانيكية، تعلّمت خلالها بعض الدروس مُجرّباً و مُتلقياً، منها المُكلف ومنها ماكان "بالمجّان" أحببت الكتابة، وصدق من قال: (الكتابة رئة ثالثة للتنفس) ..
نظمتُ بعض الابياتِ لاسيماَ تلك التي احتضنت ذكر الشاي الاخضر، لما له من أثرٍ في مواساة عاطفتي وتنشيط قريحتي وارتباطه باجتماعي ببعض الاخيار الذين صادفتهم ..
وأوّل ذلك ما كتبتهُ إن جازَ وصفي على "قياس وتفصيل":
(ساكت من ليلو ساعه .. ونقدّ مافيها باسي)
(نصبّ هذي البداعـه .. من فم برادي لكاسي)
فقلت:
راقـد من ليلي ساعَه
وغـلبني فيها نعـاسي
نرعى النّجمه اللّماعه
كـاني نعود المتناسي
والـدّنـيـا الا قـبّـاعــه
حـد فيها الاّ يتكـاسي
كـافـيـهـا الاّ بــدّاعــه
من فم برّادي لكـاسي
كما كان لكأس صاحبي جمّل الله حالي وحالَهُ نصيبٌ مما ذكرت، فقلت:
ذكرت بالكـأس أيـاماً مودّعــةً
وأسعدُ الحينِ والأوقاتِ والتّاره
إذ صبّ خلّيَ كيساناً منعنعـةً
تُقيمُ قافيةَ الـمقـصـود والجـاره
فقلت لما احترفت الشعر مَعلَمةً
صدقاً وعدلاً على كـأسينِ جـبّارة
تاهـت شجوني أشـجانـاً مُفرّقــةً
تـاهت لتايٍ إذا تيّاهُ "خنطاره"
سقياهُ مُنعشةٌ للكسرِ مجبـاره
ما ذاق من فاته كآسٌ لخنطـاره
وقيّدتُ بعض الخواطرِ ووصفت بعض المشاهد حتى تكوّمت الاوراق وفاحت رائحة المِداد، وتركتها بضعَ سنين، حتى قررّت الانتقال ذات يوم ففتحت خزانتي فانهالت عليّ اكوامٌ من الورق فوجدتُّني مُعارضاً لبعض ما كتبت مؤيّداً لبعضه الآخر، ضاحكاً من بعض ما أوجعني منه ..
فأدركت أنني في تغيُّر مطّرد وجبَ عليّ إدارتُه وحُسنَ توجيههِ للانتفاع به واتّقاء مايجُرّهُ من ضرر بعد ان مزّقتُ الاوراقَ التي قلّ ما يُفيدُ مُحتواها ..
كما كنت وأظُنّني لازلت "متروشاً" أو "ملقوفاً" فقد علّقت تعليقاً على أمرٍ "يقدّ يفوتني" وأظنّني تكلّفتُ فيه، فقال لي أحدهم ممّن كنت أحترمُ: ما تقدّمَ لايخوّلك بأن تتفلسفَ علينا ..
فكان اجتماعٌ بعد ذلك فلقيني آخرون فابتدرني أحدهم منادياً "ياهلا بالفيلسوف" .. فكان همّيَ الأكبر ألا تكون هذه "كُنية" فلمْ يكن هذا بالمُراد يوماً ولم يكُن هذا الطُّموح ..
فنجوتُ ولله الحمد من الكُنى والالقاب إلا ما يُشرّفني منها واعتبرته وسام شرفٍ كـ(شيخ الزّمان مُحَقّق أضْوَاء البَيَانْ) تفاؤلاً وأملاً في أن ألتحق بركب المَجد وأن أتشرف بتحقيق "أضواء البيان" وما ذلك على الله بعزيز ..
وتُلفظ الزّمان -"بسكون الزّاي المشدّد" والزّمان: الفريق - "بكسر اللّام وسكون الفاء - أي: الجمعُ من القومِ، أو القوم ونحوه.
وكما لُقّبتُ بـ (الأب أو "الأبـو") وتنطق: "البُـو" أي: الأب الجامع لأبناء الأسرة لتسميَتي عليه رحمهُ الله، رغمَ وجود من يكبُرُني ولهُ السّبق بالتسمية إلاّ أنّني كُنتُ مُختاراً لتقلُّدِ هذا الوسام ولله الحمد.
تعلمت أنّ مكارم الاخلاق تعود على صاحبها بالنفع العظيم، لاسيما في تلك الظروف التي يصعُب فيها ضبط الانفعال وتهذيبُ المقال، وبعض الخَلق موهوبٌ بهذه السّمة الرفيعه وبعضهم منزوعُها وبعضهم يطلبها، ليست بلبوسٍ عمّا قليلٍ يبلى ويتبدلّ، إنما هي معدِنٌ لا يُضاهيهِ الذّهبُ..
يُشترى به ولاءُ الأحرارِ ويبيعهُ الفُجّارُ بثمنٍ بخسٍ أو دون ذلك، وأذكر ذلك المُلصق القديم، الذي يضعه "الحلاّق جميل" على المرآة مكتوبٌ فيه:
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ  كَمَا أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي).
ولم أكن أدرك "ضرورةَ" أن يرفع العبدُ أكُفّ الضّراعة سائلاً ربّه أن يرزقهُ حُسنَ الخُلُق، فلنعمَ المطلبُ ويا لَعظيمِ الأثَرِ ويَا لَحُسنِ الجَزاء.
وقد علمتُ أنّهُ لا حول ولاقوّة إلا بالله، وأن فلاح المرء مرهونٌ بمُجاهدة الهوى، وأن التأنّي خيرٌ من العجلة إلا على المحامد مالم تكن مع إغفال العقلِ دون إعمالهِ، وأنّ المُقدّرَ كائنٌ لا محالة وأنّ التفطُّن في بعض الأمورِ قد يجرُّ وراءهُ بعضَ المفاسدِ كما يجُرّها بعضُ انعدامهِ ..
وأنّ كثرةَ الضّحكِ مميتةٌ للقلبِ مُذهبَةٌ للهيبةِ "مُسطّيةٌ" لخفافِ العقولِ، وأنّ فرضَ الاحترامِ وسموّ المكانةِ يأتي مما يردُ من المرء من قول وفعل ومُلازمةٍ وترك واجتناب وإقدامْ، "كُلٌّ في موضعهِ الصّائب".
وقد علمتُ بأن الحُبّ في الأصلِ طاهرٌ عفيف، وأنّ سيرتَه بين العامّة تلوّثت في غيرِ ما جانبٍ من قديم الزّمان بأيدي العابثين وأفواههم، وأنّ طهارتهُ طريقٌ إلى العِفّة، وأن الخُبثَ يصدُرُ من خبيث، وأنّهُ مُقيّدٌ بمبدأٍ وعقلٍ وفكرٍ سليمٍ، وأنّه لايكون إلا بسبب ..
وأنّه لا ينكر السّببيّةَ فيهِ إلا "مراهقٌ دَاجّ" أو "خرقاء غافلة" وأنّهُ رحمةٌ موزّعةٌ بين الخلقِ وأنّه درجاتٌ وأن أسمَاها ما كانَ مُخلَصاً لله وأن أدناها ماكان لمعروفٍ قد رُصِد في نفس المُحبّ وأنّه مرتبط بإيمانِ المسلمِ بمحبّته الصادقة لنبيه الكريم ﷺ
وقد أدركتُ ألّا صاحبَ لي أجدُ فيه ما أجدُ في نفسي، إذ يعيش داخلي رجُلٌ جاوزَ ضعفَ ما بلغتُ من العُمُر، إلاّ أنّني لا أحبّ سوى أن أكون بين بني جيلي، وما أجمل "الضحك والفلّة" إن لم يوازيها استهلاكُ " الغلّة" في غير نافعٍ مفيد ..
وقد سمعت بمقولة: "الرّجالة لمعقّده .. ماينجبرو مزرّقَه" ولا أدري إن كان معناها الصحيح هو ندرَة وجود الرّجال ذوي الهمم لاشتغالهم وسعيهم للقمم ولا أرى أنّني منهم إذ أنّ هذا الأمر وإن كان ظاهرُهُ أنه مزيّة إلا أن فيه من الشتاتِ بعض الشيءَ فلا أنا من هؤلاء ولا مع هؤلاء..
ولا أدّعي بذلك "الوثقة" فأبعد ما أكون عنها وكم أكرهُها إن لم تكن في موضعها وهي بحسب فهميَ القاصر التصدُّر لمن لم يحن أوان تصدُّرِهِ، فيُرى منه ما لا ينسجم مع ما يخوّلُه لما وضَعَ نفسه فيه فيكون بذلك عُرضةً لأن يُهـزأ به..
إنّما وجدّتُني متأمّلا في أروقة المسجد النبويّ وكأنني أسمعُ صوتَ أعجوبة زمانه يصدح في أنحائه مفسّراً لآيات من القرآن العظيم، أو خلف المقام ترتوي عينايَ بمهابة البيت أو في ساحة الخليلِ أرتشفُ "البلاك كوفي" أو على كتفِ الطريقِ الأيسرِ بين المكّتينِ مُسافراً ..
أو على ساحل البحرِ مُعمّراً أتايَ بلا نعناعٍ لخلافي معهُ.. وأظنّ أن خلافي معه لا يُفسد الودّ فلا بأس برائحتهِ دون طعمه..
وفي خاتمتي لخُلاصة السنوات التسع، فقد بُشِّرت خلالها وبَشَّرْتُ وهُنّئتُ وهنّأت وعُزّيتُ وعَزّيت، وَصُبّرتُ وصَبّرْتُ ومَرِضتُ وزُرتُ مرضىً، وعوفيتُ وعوفيَ مرضىً، وعلمتُ أنّ دوام الحال قطعاً بالضرورة لمن المُحال، وإن مرّت بالمرء نائبةٌ ظنّ من ثقلِها ألاّ انقضاء لها..
وقفتُ ذات يوم ساعةً أنظرُ مدّ بصري قبورَ الذينَ كانو معي في الدّارِ والأرض يُقاسمونني العيشَ ويلبسونَ ما ألبسُ ويتكلّمون ويضحكون ويبكون، سكنت أجسادهُمُ الترابَ فلا أراهم ولا أسمعُ لهم همساً، ولم يبقَ منهم الا ما اختزنتهُ ذاكرتي ..
فحمدّتُ الله أن منّ عليّ بأن جعلني مسلماً، تالياً لكتابه الكريم، مؤمناً بلقاءهِ راجياً عفوَهُ ومغفرته، مُدركاً بأنّ هذا التراب سيحتضنُ جسدي متى ما أرادَ الله، وأدركتُ نعمةَ الله العظيمةَ إذ أخّرني لهذا اليوم ..
ولم يقبضني حتى أُسبّحَهُ وأسجُدَ لهُ وأذكُـرُه وأتقرّبَ إليهِ قبل أن يُحال بيني وبين العَمَل، فتبادَر إليّ حقيقةَ معنى "دُنُـوَّ" الدُّنيا وزينتها، وظلّها الزائل وسُرعة انقضائها وفواتُ أيّامها، وكل ذلك كان معلوماً لديّ غيرَ أنّ استشعارَهُ وقرارَهُ في النّفس كان في تلك الساعة..
فكُنتُ عندما يصلني خبرُ رحيلِ أحدهم، لا يخطُرُ ببالي أنني عمّا قريبٍ لاحق، وربّما وُجِدَ ظنّيَ الخاطئ لأنّني في مقتبل عُمري وعافيتي غيرَ أن الرّحيلَ لا يحول دونَهُ عُمْرٌ ولا عافية والشّواهدُ لا حصْر لها، فنسأل الله الرحمة لمن سبقنا وأن يرحمنا عند لحاقنا بهم.
هذه تسعَ سنين، وإن بلّغنيَ الله تسعَ سنين أُخَر، فسأكتُب إن شاء الله شيئاً يسيراً غير ما تقدّم .. الحمدلله

جاري تحميل الاقتراحات...