أثناء أسفاري للبحث عن الحقيقة قررت الإقامة لفترة سنة و نصف تقريبًا في أحد المدن الأوروبية، و كالعادة لا بد من وجود شباب سعوديين، لن أقول الكثير في وصف المدينة لإن الجماليات الظاهرية بلا معنى بالنسبة لي لكن يمكن وصفها بأنها مدينة هادئة و شعبها ضائع ما بين التمدن و الحياة البسيطة >
بدأت بالتأقلم في هذه الأجواء و تعرفت على مجموعة من الشباب السعوديين و البعض من الجنسيات الأخرى لكن دائمًا ما كان هناك حاجز بيني و بين السكان المحليين، في هذه الاثناء تعرفت على سعد غنام و عطية و مسفر و آخرون، هذي المرة سأحدثكم عن عطية >
عطية جاء إلى تلك المدينة مبتعثًا، هو شاب قروي من الجنوب كان بسيطًا لم يفكر بالاستقرار خارج منطقته أبًدا إلى ان حصل و تم كشفه بواسطة قوة حرس الحدود متسللًا إلى حدود اليمن، ما كانت العواقب كبيرة كان مجرد شاب يرعى ماشيته و دخل بلاد اليمن بالخطأ، لكن من هنا خرجت شرارة الاستكشاف >
استحوذت فكرة الخروج من منطقته على عقله، تم توصيل الإنترنت إلى قريته في ذات العام، فتح عليه الآفاق ولهذا منفعته و مضرته كذلك، نعم لقد وجدته شخص مميز، تجد فيه عفوية و نقاء أهل القرى و في نفس الوقت تجد فيه معرفة و إهتمام بالقضايا التي لا يفكر فيها الإنسان إلا بوصوله قمة هرم ماسلو >
كان قليل الخروج و يأكل بشكل مستمر من KFC و يملك جوالين، لابتوبين، شقة من غرفتين و حبيبتين 2? لا أعرف. العجيب إنه على العكس من أقرانه لن تجد دلة او قدر ضغط في مطبخه، انتعش اقتصاد تلك المدينة في سنة وصوله فقد كان يطلب كثيرًا من Amazon فساهم في الحفاظ على كثير من وظائف السائقين >
و مثل ما ذكرت أصبح عطية يمثل كل تناقض و مو شرط تناقض صرف يعني ممكن يكون تناقض بالصور النمطية، مثلًا تلقاه يسمع شيلات و أقدم تسجيلات العود و يتابع حسابات قبيلته و راعي فزعة و ديات لكنه بالليل يتابع أنمي و يسمع Nightcore، في تصوراتي ذاك الوقت إن شخصيته وحدة بس سريع التكيف لكن… >
مع الوقت عرفت إنه يعيش عدة شخصيات و مرات اقول لا هو تحت رحمة هذي الشخصيات ولا يقدر يتحكم فيها، رغم كل هذا كان رجال و نعم. >
بعد فترة طويلة و في ليلة الأحد استلمت اتصال من عطية و دعاني أسمر معه و مع صديق يقال له نعيم قرنفلة (اي هذا اسمه)، بعد قرابة الساعة وصلت إلى شقته ذات الغرفتين و دقيت الجرس فخرج لي نعيم و رحب فيني كان شيء غريب نوعًا ما لكن لم أبالي، بعد ما دخلت صدمت فعلًا! >
شفت عطية مغطي وجهه بيد و يحمل بيده الأخرى كأس بلاستيكي، على الطاولة عدة زجاجات من المشروبات الكحولية-عافانا الله و إياكم- توقفت لوهلة ثم قلت يا عطية وش جاك؟ لم يرد. نعيم قرنفلة: يا واد اشبك صل عالنبي الوضع حبي و كدا. جلست و بدأ عطية يتكلم مبررًا بينما نعيم يسكب لنفسه كأس آخر >
قال لي ضغوطات و إنه شاب و إلى آخره… قلت ما عليك حصل خير و جلست ثم بدأ يتكلم و يشكي من حياته و ظهر ان كل ماحدث كان كذب، فقريته ليست على حدود اليمن أصلًا و تبينت ان القصة كلها وهمية فهو لم يكن مكتشفًا أو غيره >
ما حدث بالحقيقة إنه في المتوسط دخل في عراك مع ابناء عمومته و جيرانهم في القرية المجاورة و عندما حمي الوطيس غلبت القرية الثانية بسبب العدد، فأغلب سكانها مستوطنين على عكس قرية عطية التي يسكن أغلب أفرادها في المدن الإدارية و لا يزورون قريتهم إلا مرة واحد مثل رحمة في عجوز ضرير >
نعود لما حدث، بعد ان بدأت ملامح الهزيمة تظهر على ابناء عم عطية بدأوا بالهروب و فعلًا تمكنوا جميعا من الهرب ما عدا عطية المسكين الذي كان يكثر من أكل العريكة ولا يقوم للعمل باكرًا كأبناء عمومته، فتم الإمساك به و ضربه لكن الضرب الجسدي لم يشكل مشكلة كبيرة>
قد "تنمروا" عليه و أخذوا يطبلون على بطنه و يرقصون/يلعبون القزوعي فأخذ هذا في نفسه شيئًا كبيرًا و عندما عاد لزم غرفته و اشترت له عمته جهاز كمبيوتر رحمة بحاله عندما جائتهم من الرياض، و أصبح يتابع الأنمي بشكل مستمر و لا يملئ فراغه الاجتماعي إلا في سيرفرات ديسكورد و ريديت >
عندما تخرج من الثانوية العامة اراد والده ان يكون عسكريًا منضبط، لكن تم رفضه بسبب نظره الذي تدهور من ملازمة الشاشة، لم يلبث طويلا إلى ما جاء عمه من جدة و معه فرصة ابتعاث فتوسط لابن عمه و تم إرساله بدون مشاورته، نعم! عطية وجد نفسه في طيارة للرياض لإنجاز أمور السفر و منها للابتعاث >
مجموع تلك الصدمات و الخلفية الاجتماعية إضافة إلى انه وجد نفسه في حياة يكون فيها مسؤولًا عن نفسه و هو ذات الفتى الذي لم يختر خيار دراسته في الخارج جعل منه هذا الانسان الغريب، لم يكد ينتهي من قصته حتى وجدت نفسي اشرب من الكأس الذي أعده لي نعيم و هو يقول الله يلعن البدوات دولا.
تمت.
تمت.
@rattibha رتب
جاري تحميل الاقتراحات...