"لطالما كنتُ مهجوسًا بمحاولة معرفة ذلك المعنى الذي يسكن جسدي، وعبره أشعر وأفكر وأقود، ذلك المعنى اللطيف الذي يسمونه الروح أحيانًا، والنفس أحيانًا أخرى، وظللتُ أطلبه وأكدّ في طلبه فهمًا ومعرفة لسنين طويلة، وكلما ظننتُ أني قبضتُ عليه وأدركتُ سرّه مد لسانه وردّ بقسوة: "ما أجهَلَكْ".
كنتُ في البداية أُعمِل جهدي بمحاولة استنطاق ذهني في أن يقولني على الصورة التي تمثل القيم والواجبات التي أقوم بها في الحياة، يجيب ذهني باهتمامي المدرسي الواضح، وآمالي الإسلامية البيّنة، وتأثيري الحميد في أصدقائي ،
وحلمي المستقبلي الجليل بأن يجعلني الله عز وجل على نحوٍ أن أسلُكَ يدي في جيبي ثم أضعها على مهما أو مهمن يكن من العالم، فينصلح على الفور.
فلمّا انخرطتُ في التجربة، وعركتني الحياة وعركتُها، وجدتُ أن هذا الاستنطاق لا يكون فاعلًا إلا حينما أكون خاليًا إلى نفسي، وفي حالة من الخمول الذهني والسكون النفسي، وهو ما لا يُمَثِّل إلا أقلّ القليل من سلوكي وأفعالي، أما في معظم الأحيان فإن قُوًى أخرى هي التي تحركني وتحدد اتجاهي
ووجهتي. فاستوقفني ذلك، فعدتُ إلى ذهني أبحث فيه مرة أخرى عن روحي/نفسي، فوجدتُه يقولني بصورة تختلف قليلًا عن هذه لكنها أيضًا صورة ساذجة حالمة لا تتسق مع تأثير تلك القوى التي لاحظتُ تأثيرها عليّ، فنظرتُ في هذه الصورة الماثلة في ذهني ثم اقتربتُ منها ولمستُها ثم نفذتُ إلى ما وراءها،
فإذ بي أمام مرآة تعرض لي صورة عن روحي/نفسي هي تمامًا ما أريدها أن تقوله عني، ولا علاقة لها سوى علاقة نظرية بأفكاري.
فلمّا لم أظفر من محاولتي هذه بطائل، ولم أجد ذهني جوهرًا يحوي، وإنما مرآة تعكس، انتقلتُ إلى طلب معرفة روحي/نفسي في مكانٍ آخر،
فلمّا لم أظفر من محاولتي هذه بطائل، ولم أجد ذهني جوهرًا يحوي، وإنما مرآة تعكس، انتقلتُ إلى طلب معرفة روحي/نفسي في مكانٍ آخر،
فتتبعتُ تلك القوى الغامضة التي لمحتُ تأثيرها عليّ، ثم خلال بحثي اهتديتُ إلى النزول إلى ذلك المُظلِم الذي تختبئ داخله النوازع والشهوات الأساسية التي تحركني، ووجدتُه حيزًا مضطربًا غامضًا لا قواعد تحكمه ولا قائد فيه يحكمه، فتجنبتُه ردحًا من الزمان حتى عاد سؤال الروح/النفس وسلقني
بسياطه، واضطرب تعاملي مع الناس مما سبب لي خسائر كثيرة، فقدتُ خلالها الكثير ممن أحببتهم (من الواضح أنه ليس من السهل أن تعيش حياتك وأنت لا تدري من أنت)، فعدتُ إلى هذا الظلام عاقدًا العزم على استكشافه.
كان الظلام الدامس في الحيّز الفارغ يعني أنّ الحاسة التي ستُستعمَل فيه هي الحس الباطن بشكل أساسيّ، فلا سمع ولا بصر ولا لمس ولا شمّ لهم أدنى عون في هذا المسعى. دخلتُ إلى الظلام على عماية إلا من حبلٍ ربطتُه إلى الباب لأعود عبره دون أن أغرق هناك، وحدثت قصة طويلة -ربما أفصّلها في يوم
آخر- إذ كنتُ أعايش الخوف فأهرب عائدًا، ثم أعايش الشهوة حتى أكاد لا أُفلِت منها، وأنجو بأعجوبة، ثم أعايش السعادة فأذهل عن كل شيء يحدث حولي وأسبب الأضرار في الخارج، حتى تلفظني السعادة بغتةً في اليأس، وهي قصة طويلة ليس هذا المجال لبسطها.
أقول أني كنت أحاول أن أهتدي إلى معرفة روحي/نفسي، فوجدتُ بهذه التجربة أنني فعلًا أمام نوع القوى التي تقودني وتحركني في الحياة، وأنّ هذه الشهوات والنوازع تمثّل فعلًا جوهرًا تصدر منه القوى التي تحركني، لكنني وجدتُ إشكالًا أساسيًّا فيها، أنها كانت جواهر "منفعلة" وليست "فاعلة"،
بمعنى أنها كانت تعمل دون منطق واضح ناشئ عنها، وقد كنتُ بعد كل ليلة من الدخول في الظلام أكتب تسجيلاً تقريبيًّا للانفعالات التي مررتُ بها (بعد أن أعطيها اسمًا)، والمدة الزمنية التي مكثتُها فيها، والترتيب التسلسلي لانتقالاتي عبرها،
فلم أجد نمطًا ثابتًا يمكنني أن أستعمله لمعرفة روحي/نفسي، فيئستُ من هذا المسعى دهرًا من الزمن، إذ أنّ فكرة أنّ الروح/النفس عشوائية هو في جوهره نفي لها، وإلا من أين أجد فاعليتي في الحياة وتزعُّمِي لنفسي وخياراتي.
بعد سنين من السعي حدث ذات يومٍ أنَّنِي تصرفتُ على نحوٍ شديد الغرابة حتى على نفسي، أتذكر أني كنت سمعتُ أغنية لا أعرفها إلا أنها كانت مألوفة جدا لأذني وقلبي، ثمّ مع مرور الزمن ومثلما يشعر المستيقظ من حلم في نومه أنّ حلمه كان وهمًا ويزداد شعوره بواقعية العالم الذي يستيقظ عليه،
فجأة تذكرتُ الأغنية من طفولة قديمة، وعبقت في المكان رائحة بيت صديقي قبل عشرين سنة، وأصبح شعوري وكأنّني واقف في بوابة زمنية بين لحظتين: اليوم وقبل عشرين سنة، فانقلبت كل مشاعري وتغيرت كل أحوالي واكتسبتُ رِقّة نفسية وشوقًا لم أعهدهما في نفسي من قبل، ومكثتُ على هذا الحال ردحًا من
الوقت قبل أن أعود لنفسي.
ما رجعتُ بعدها، إلا وقد فطنتُ إلى السر الأساسي في معرفة روحي/نفسي، فعدتُ إلى الدفتر الذي كنتُ سجلتُ فيه الانفعالات ومددها وترتيبها، وبدلًا من محاولة استخلاص نمط لكل الانفعالات اخترتُ أن أنظر وجود أنماط متكررة ولو على فترات مختلفة،
ما رجعتُ بعدها، إلا وقد فطنتُ إلى السر الأساسي في معرفة روحي/نفسي، فعدتُ إلى الدفتر الذي كنتُ سجلتُ فيه الانفعالات ومددها وترتيبها، وبدلًا من محاولة استخلاص نمط لكل الانفعالات اخترتُ أن أنظر وجود أنماط متكررة ولو على فترات مختلفة،
فوجدتُ حوالي الخمسة تتكرر باستمرار، وثلاثة كل فترة، فعلمتُ أني وجدتُها.
هذا الظلام في جوهره هو عدة شخصيات متعددة تشكّلَت على مدى سنين طويلة من العمر، تتصف كل واحدة منها بنفسي تختلف عما سواها، وعلى الرغم من وجود تواصل بينها إلا أنّ هنالك استقلالًا بين كل شخصية وغيرها.
هذا الظلام في جوهره هو عدة شخصيات متعددة تشكّلَت على مدى سنين طويلة من العمر، تتصف كل واحدة منها بنفسي تختلف عما سواها، وعلى الرغم من وجود تواصل بينها إلا أنّ هنالك استقلالًا بين كل شخصية وغيرها.
يتنقل الفرد بين هذه الشخصيات بحسب البيئة المحيطة به، وبحسب ما يغذي به إحداها على حساب الأخريات، ستجد منها شخصية هادئة حكيمة في نظرها للعالم، وشخصية مأساوية متألمة ملّت مما كالها الدهر من جراح، وشخصية حادة المزاج غضوبة مؤذية،
وأخرى حنونة لطيفة، وكل شخصية لها نمط انفعالات وموقف من العالم وردّ فعل مختلف تجاه المواقف المختلفة، وهذه الشخصيات هي ما يمث الجواهر الفاعلة في ذلك الظلام.
فلمّا عرفتُ ذلك حمدتُ الله سبحانه وتعالى وشكرته، وصرتُ ألاحظ وأدير هذه الشخصيات على نحو أفضل، وأدري كيف أخاطب هواجس كل منها،
فلمّا عرفتُ ذلك حمدتُ الله سبحانه وتعالى وشكرته، وصرتُ ألاحظ وأدير هذه الشخصيات على نحو أفضل، وأدري كيف أخاطب هواجس كل منها،
وأستعين ببعضها على بعض. لا أزعم أنّي أدركتُ كل الشخصيات الموجودة في هذا الظلام، ولا من أين جاءت كلها، وكثيراً ما يحدث أن تستيقظ بغتةً شخصية جديدة فلا أجد إلا أن أرحّب بها وألاحظ سلوكها،
لكنني أزعم أنّي على الأقل أستطيع الآن أن أحقق نوع وئام وتعاون بين ذهني واعتقاداتي، والقوى التي تحركني، والشخصيات التي تسكنني، وأعتقد أنّ هذا الكلّ هو ما أسميه روحي/نفسي".
-كريم عبدالقادر.
-كريم عبدالقادر.
جاري تحميل الاقتراحات...