د.ملاك الجهني Malak Aljuhan
د.ملاك الجهني Malak Aljuhan

@Malakii11j

41 تغريدة 14 قراءة Mar 05, 2023
لم أشاهد اللقاء الذي أجري أخيرا مع د. وليد سيف، لكن لي بعض التعليقات على المرأة في حواراته، إذ يمارس نقدا ثقافيا للنسق من داخل النسق نفسه، وقد أغرد عنه لاحقا إن شاء الله ..
وهذه ليست دعوة لمشاهدة أعماله في الحديقة الأمامية ولا الخلفية :)
تمهلت حتى شاهدت اللقاء الذي جاء فيه:
(الماضي هو الآن، الماضي هو الحاضر.
وعندما نستذكره نعيد تشكيله وتشييده على نحو ما).
هذا ما قاله د. وليد سيف في مفتتح المقابلة معه، وهذا ما كان يصنعه بالضبط (عن وعي)
بناء وتشييدا في حواراته في (ثلاثية الأندلس).
والنقد الذي يمارسه د. وليد سيف في أعماله ليس للتصورات النسقية المتصلة بالمرأة فقط، بل لتصورات المتصلة بقضايا أخرى كالفلسفة، والتعايش، والسياسة، والتقليد، والعصبيات بأنواعها.
ونقد التصورات المتصلة بالمرأة يندرج ضمن هذا السياق النقدي الشامل الهادف للنقض والتشييد من جديد بحسب قوله.
من ذلك مثلا الحوار الذي كان في (ربيع قرطبة) بين أم ولد الخليفة وجاريتها عن التفرقة بين عقل المرأة والرجل، وكيف يوصف الفعل الصادر من الرجل بالدهاء والحنكة والحزم وحسن التدبير، ويصنف من صفات القوة، في حين يسمى الفعل نفسه إذا صدر عن المرأة مكرا ودسيسة، وينسب إلى ضعفها لا قوة عقلها.
ومن ذلك مثلا الصراع على السلطة بين الحاجب المنصور وأم ولد الخليفة، وأنه يدبر للاستحواذ على السلطة، وهي تدبر، والفارق بينهما توافر أسباب القوة له باعتباره رجلا يسعه البروز في الفضاء العام، وافتقارها إلى تلك الأسباب باعتبارها امرأة لايسعها البروز فيه.
وكأن فاطمة المرنيسي تتحدث :)
ومن ذلك أيضا فكرة (قصر الأسى على الحب على النساء)، في حديث الحاجب المنصور مع قائد الجند غالب الناصري حول قضية سياسية, فقال غالب عن صاحبها: والله لا أحبه حتى تحب الأرض الدم!
فأجابه المنصور بأن ليس في السياسة حب ولا كره، وإنما تأسى على الحب النساء =
فأجابه غالب مستنكرا: فقط النساء!
ولماذا إذن أفاض كل أولئك الشعراء بكل ذلك الشعر يبكون ويستبكون كعنترة، فقال له المنصور:
لذلك لم يبلغوا مابلغ غالب الناصري!
والشاهد من هذا ونحوه يؤكد مختلف ما تردده نظريات النقد الثقافي بمعناها الواسع، كالنظرية النسوية ونظرية ما بعد الاستعمار، في عدم خلو النص أدبيا كان أم غيره من (إديولوجيا ما) ثاوية في أعماقه ..
وما فعله د.سيف وهو الأكاديمي والباحث والأديب والشاعر المطلع بطبيعة الحال على مثل هذه النظريات وغيرها، هو محاولة تفكيك النسق من داخله، وبأدوات التفكير والحجاج نفسها، وبصوت (التابع) نفسه أيضا، إذ أتاح للتابع أن يتكلم وينتقد، ولم يوجه سيف النقد من الخارج بل من شخوص ذلك الزمن أنفسهم.
أنموذج ..
أنموذج آخر ..
وثالث ..
ورابع ..
وخامس ..
بقي ما أود إضافته وهو معروف في بنية النص الفني التاريخي، لكنه قد لايستوقف البعض، وهو أن هناك واقعة تاريخية مثبتة أومتكلم في ثبوتها، وهناك حوار درامي (منقول)-أحيانا- أو (متخيَّل) أي من صناعة مؤلف النص غالبًا.
وجعل الواقعة التاريخية في نفس مستوى الحوار من حيث (الموثوقية) خطأ شائع.
فما يفعله مؤلف النص على (هامش) الواقعة أو السردية التاريخية هو في الواقع (بناء سردية جديدة) تتضمن السردية التاريخية وتصبغها برؤية المؤلف وأفكاره وتطلعاته، فهي إعادة كتابة وتأويل وتشكيل في الوقت نفسه.
يقول هومي بابا في مقدمة (الأمة والسرد) Nation and Naration
إن الآخر ليس خارجنا أو متجاوزا لنا فهو ينشأ بقوة داخل الخطاب الثقافي حينما نعتقد أننا نتحدث محليا باتصال عاطفي بين أنفسنا.
/
وهذا مايحدث في الحوارات الدرامية التي تروم تفكيك الأنساق الثقافية وإعادة تأويل التاريخ من داخله.
لا أحبذ الاستطراد كثيرا لكن من نماذج الحوارات النقدية التي قدمها د. وليد سيف مايتصل بالآفات الفكرية والأخلاقية العملية لدى طبقة الفقهاء وطلبة العلم، كالفصل بين الخاصة والعامة، فللعامة أحكام وللخاصة أحكام، والتناقض بين الظاهر والباطن، والتزمت، والحسد، وطلب الدنيا بالدين، وغيرها.
من الإنصاف القول أن أعمال الدكتور - وإن كانت ذات بنية إديولوجية موجَّهة وموجِّهة كغيرها من الأعمال- تمكنت-في جانب منها- من رد الاعتبار إلى الذات الحضارية.
بودي الاستجابة لشمول التحليل موضوعات أخرى في أعمال الدكتور، والواقع أنني لاأفضل تشتيت التحليل، وأفضل بدلا من ذلك التركيز على موضوع واحد يظهر الفكرة التي أتناولها بالشواهد المستمدة من عمل متسلسل هو الثلاثية الأندلسية.
وظنننني انتهيت بالتغريدة السابقة لكنني سأضيف لها مايضيء الفكرة.
وعَوْدًا للمرأة في ثلاثية الأندلس عند الدكتور،
فقد وظف في جزئها الثالث الخاص بملوك الطوائف قصة ولادة وابن زيدون، وأجرى على لسان ولادة وحولها من الحوارات مايجسّد فكرة المرأة النّد للرجل، والصراع على السلطة بين الجنسين، وتَحيُّل المرأة لامتلاك السلطة وأسباب القوة بكل السبل المتاحة.
وقد أسهمت الحوارات في رفض فكرة المرأة السهلة المنال، وإن توسلت للسلطة بما يصورها مبتذلة لدى العامة، ورفض جعل المرأة فتحًا ضمن فتوحات الرجل، ومدعاة لتفاخره وتطاوله على أنداده بالاستحواذ عليها، أو اكتمالا لمجده ليس إلا .. فجمال المرأة سلاح لايقلّ مضاءً عن سلاح العقل عندها.
والحديث عن تعطش المرأة للسلطة بمثل تعطش الرجل لها، كان قد بدأ مع (راحة) أم عبد الرحمن الداخل في (صقر قريش) إذ لم يكن خلفاء بني أمية يولون عليهم أبناء الجواري، واستمر مع صبح في (ربيع قرطبة)، ثم جاءت ولادة في (ملوك الطوائف) لتؤكد قوة صبح وتنفي استسلامها لعاطفتها وتصرح بإعجابها بها.
وتُظهر المقاطع الآتية التواصل الفكري بين الحواررات المتصلة بالشخصيات النسائية في الثلاثية: راحة في (صقر قريش) وصبح في (ربيع قرطبة) وولادة في(ملوك الطوائف).
وليست الأفكار على نفس الدرجة من الكثافة في جميعها، بل تكاثفت شيئا فشيئا، فكان أخفها في(صقر قريش) وأكثفها في(ملوك الطوائف).
١/ راحة في صقر قريش:
"مالا تجيزه العادة تحققه القدرة والعزيمة ودهاء النساء".
٢/ حوارات ولادة:
" أنا الأقوى ما دامت أمانيهم متعلقةً بي ..
أُدْني إليهم ما لا ينالون !"
٣/ حوارات ولادة:
قلت لك أول مرة: إذا عرفوا مابيننا يئسوا مني فانفضوا .. وأين يذهب حكمي وسلطاني عليهم!"
٤/ حوارات ولادة:
" ما كان المنصور ليبلغ شيئا لولا صبح "
٥/ حوارات ولادة:
حول حب المرأة:
"أهذا ظنك بمن تزعم أنك تهواها؟ طعام تأكله ثم تترك منه فضلة يتقوّت بها غيرك!
إذن فإني لا أخشى عليها من العدو، بل من المحب إذا كان هذا معنى الحب عنده"
٦/ حوارات ولادة:
توبيخ ابن زيدون على تشبيهه لها بالطعام وتحديه:
"هيهات يا ابن زيدون.. سترى أن احتياز مُلْك أهون عليك وعلى غيرك من احتياز امرأة مثلي لم تعد تملك إلا نفسها"
ألا فلا يقولن أحدٌ بعد هذا أن الأعمال الفنية والأدبية مرافئ للمتعة الخالصة والاسترخاء الفكري :)
إضافة لشواهد السياق السابق، الجمع بين الاستكانة والاستقواء، واستيلاد القوة من رحم الضعف في حوار آخر:
👇
"رأيت صبر الرجال على ماتذل له النساء…فأخذت على نفسي أن أكون كفاءهم، يسعني مايسعهم، وقد استوينا عند الله في التكاليف والمآل، فنستوي في الذمم والأحوال، ومن ساواك بنفسه فما ظلمك"
لله أنتن أيتها النساء ..
يكاد د. وليد سيف يطعمكن طرائق التفكير بحورانه إطعامًا ؛)
ومما يلحظ في حوارات د.وليد سيف-أيضا-أنه لايعمل على نقض كافة الأفكار القائمة عن المرأة، بل يستبقي بعض الأفكار، ويحولها إلى مصدر لقوة المرأة، فلا نجده يرفض فكرة توظيف المرأة لجمالها في أغراضها، ولافكرة تشييء المرأة واختزالها في مجرد مصدر للمتعة، بل يثبتها ويجعلها أداة موصلة للسلطة.
ومن ذلك مثلا حوار لايسعني إثباته بكل تفاصيله هنا.
وقد أكد فيه المعتضد في حواره مع ابن زيدون على فكرة (المرأة المتعة)، قائلا: "يا سبحان الله، وهل المرأة غير ذلك!"
فالمرأة -برأيه- تعرف هذا، وتستعمله فيما تريد من شأن السياسة، لينتهي الأمر بحصد أعناق الرجال في المعارك.
ومن الأفكار الضمنية التي أريد نقضها:فكرة (الجميلة الغبية)وهي فكرة غريبة عن تراثنا ومستجلبة من السائد الثقافي الغربي،إذ زخر التراث بالجميلات القويات أمثال الخيزران زوج الرشيد، ومع ذلك فعمل الدكتور يسهم في صناعة معيار نقيض يستبعد غير الجميلات من التأثير كما استبعدهن من مشهده الفني.
المرأة في مواجهة الفقيه:
"- ما أكثر جدالك يا امرأة !
⁃أستفتي الفقيه في الدين ويسميه جدالاً !؟ أليس في القرآن الكريم سورة المجادلة !؟ (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها). الله، الله أيها الفقيه سمع قول المحادلة، وأجابها بقرآن تتعبد به، أفلا تجيبني أنت !؟"
استكمالا للمرأة في مواجهة الفقيه:
"- هل تبايع النساء كما تبايع الرجال أيها الفقيه؟
-كنا نبايع أزواجهن وهن تبع لهن.
-ولكن الله قد جعل لهن ذمة مستقلة، فإذا كان يوم القيامة حوسبت الواحدة منهن فردًا، لاجماعةً مع زوجها وولدها".
سبق وذكرت أنني أتفادى الاستطراد وأن هناك أكثر من جانب في نصوص سيف، وعندما يحتفظ الكاتب برؤية تحضر في صياغة نصوصه، فعادة ماتتمثل هذه الرؤية في أعماله بوصفها نسيجا متشابكا متكاملا، وهذا مايفرق بين الشواهد المنتقاة والمقحمة اعتسافا لتبرير رؤية المحلل، وتلك التي يأخذ بعضها برقاب بعض.
النموذج النسائي الذي يقدمه د. وليد سيف عندما يلتقط تصورات وممارسات سلبية قائمة وينتقدها على ألسنة شخصياته، هو (أنموذج مأمول) لامرأة تحاجج عن نفسها، وتدفع هذه التصورات بنفسها أيضا، وكأنه يقول هكذا كانت نساؤنا، لا يرضين بغير مقام الند للند في شأنهن كله، وإن غُلبن على أنفسهن!
كمايقدم الدكتور نموذجا عكسيا لنظرية التقدم الأوروبية، فالتقدم لايسير عنده في خط تصاعدي نحو نموذج مأمول في المستقبل، بل يبدأ من العودة إلى نموذج مأمول في الماضي، والوحدة الزمنية الأساسية لديه هي الماضي، وليس الحاضر الذي كان حاضرا بالأمس، وسيكون مستقبلا غدا، بل الماضي عنده هو الآن.

جاري تحميل الاقتراحات...