عـبـدالـعـزيـز
عـبـدالـعـزيـز

@AbdulAziz_Mohd

35 تغريدة 5 قراءة Feb 12, 2023
١. مثال آخر لتقوية ما ذكرت و هي كلمات كتبتها عن معنى الإيمان. لماذا سُمي "الإيمان" بهذا الاسم؟ بل ما معنى الإيمان أصلاً؟ إن الباحث في القرآن سيجد أن المؤمن هو الذي يطمئن لما غاب عنه، أو يصدق أو يُقرّ بالغيب الذي ليس باستطاعته أن يثبته حسياً
٢. عن طريق الإثباتات التجريبية والعلمية الحديثة أو المشاهدة، بمعنى أن الإنسان لن يستطيع أن يثبت وجود الملائكة بالأجهزة مهما تطورت هذه الأجهزة، ولكن يستطيع أن يستدل على وجود الملائكة، وكذلك لن يستطيع أن يرى الله سبحانه وتعالى جهرة مهما حصل، ولكن يستطيع إثبات وجوده استناداً
٣. على آياته، أو بالطرق الفلسفية والعقلية.
حتى لو بحثنا فيما يُسمى اليوم بالإعجاز العلمي في القرآن، لوجدنا أن كثيراً من الآيات التي استدل بها أهل الإعجاز على الإعجاز العلمي هي مجرد استدلالات على وجود الله رب العالمين، وهناك فرق بين الاستدلال بالآية وبين وجود الشيء حقيقة،
٤. وهذا سيأخذنا إلى مبحث كلامي وفلسفي عميق لبيان الفرق، فلهذا سأعرض عن ذلك فليس هذا موضعه.
إن استقرأت آيات القرآن الكريم، لوجدت بأنه إن كان هناك أمْر بالتصديق أو الاطمئنان بشيء غيبي لا يقول الله سبحانه وتعالى: صَدِّقوا ولكن: آمنوا.
٥. مثل قول الله سبحانه وتعالى: ((آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)
٦. فالله سبحانه وتعالى غيب، والملائكة من الغيب، وكتب الله من الغيب، وأخبار الرسل من الغيب. تأمل قوله سبحانه و تعالى في سورة البقرة: ((لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
٧. وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي
٨. الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ))، لاحظ أنه سبحانه وتعالى لم يقل: "صدّق بالله واليوم الآخر" ولكن "آمن" بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين.
٩. وأيضاً في الحديث المروي في صحيح البخاري: "أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كانَ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، إذْ أتَاهُ رَجُلٌ يَمْشِي، فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ ما الإيمَانُ؟ قالَ: الإيمَانُ أنْ تُؤْمِنَ باللَّهِ ومَلَائِكَتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، ولِقَائِهِ،
١٠. وتُؤْمِنَ بالبَعْثِ الآخِرِ قالَ: يا رَسولَ اللَّهِ ما الإسْلَامُ؟ قالَ: الإسْلَامُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ ولَا تُشْرِكَ به شيئًا، وتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وتَصُومَ رَمَضَانَ، قالَ: يا رَسولَ اللَّهِ ما الإحْسَانُ؟
١١. قالَ: الإحْسَانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّه يَرَاكَ، قالَ: يا رَسولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قالَ: ما المَسْؤولُ عَنْهَا بأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، ولَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ عن أشْرَاطِهَا: إذَا ولَدَتِ المَرْأَةُ رَبَّتَهَا، فَذَاكَ
١٢. مِن أشْرَاطِهَا، وإذَا كانَ الحُفَاةُ العُرَاةُ رُؤُوسَ النَّاسِ، فَذَاكَ مِن أشْرَاطِهَا، في خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلَّا اللَّهُ: (إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ويُنْزِلُ الغَيْثَ ويَعْلَمُ ما في الأرْحَامِ) ثُمَّ انْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَقالَ: رُدُّوا عَلَيَّ
١٣. فأخَذُوا لِيَرُدُّوا فَلَمْ يَرَوْا شيئًا، فَقالَ: هذا جِبْرِيلُ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ". لاحظ أن الإيمان الذي بيّنه الرسول صلى الله عليه وسلم كلها إيمان بأشياء غيبية.
١٤. وهكذا ابحث في جميع آيات القرآن التي ذكر فيها الإيمان لوجدت أن هناك أمراً غيبياً لا يمكنك إثباته حسياً. قد تقول لي: ولكن القرآن أثبتناه علمياً بنقله إلينا بالتواتر، وكذلك التوراة موجودة اليوم عند اليهود والنصارى عندهم الأناجيل وعندهم ما يُسمى اليوم "بالكتاب المقدس" والرسول
١٥. صلى الله عليه وسلم قبره موجود اليوم في المدينة المنوّرة فنستطيع إثبات وجوده، فلماذا نجد الإيمان بمعرض ذكر هذه الأشياء؟
أقول والله أعلم: بأن الإثبات العلمي بالتواتر وغير ذلك بالنسبة للقرآن والتوراة والكتب التي أنزلها الله غير ممكن عند التحقيق، أقصد حادثة نسخ وجمع ونقل القرآن
١٦. إلينا، والأحداث التي وقعت، مثلها مثل الأحاديث النبوية، لا يمكن إثبات ما ينسبونه للرسول صلى الله عليه وسلم بنسبة ١٠٠٪ علمياً عن طريق النقل، لأن في النفس البشرية جانباً لا يعرفه إلا الله سبحانه وتعالى، وبما أن الرواة الذين نقلوا هذه الروايات من البشر فلا يمكن إثبات ذلك بإثبات
١٧. قطعي عقلياً عند من يفهمون مبادئ العقليات، أما من يشقّ عليهم فهم هذا أو حتى قبوله فلا داعي لمجاراتهم.
وكذلك الكتب الموجودة اليوم عند اليهود والنصارى، لا يمكنهم باعترافهم هُم أنفسهم بأنها وصلتنا ١٠٠٪ كما أُنزل على موسى أو عيسى عليهما السلام.
١٨. وأيضاً لا تنسَ هذه الكتب جميعها كتب مُنزّلة عن طريق الروح الأمين إلى قلب الرسول الكريم أيًّا كان الرسول. تَلُف هذه الكتب حقائق وأخباراً لا يمكن أن نجعلها من المحسوسات الفيزيائية، وما لنا سوى الإيمان بها، أما الأوراق والجلود وهذه الأمور شيء آخر، فالورق شيء، والكلام المكتوب
١٩. على الورق شيء آخر. كذلك وجود الرسل، أقصد موسى وعيسى ومحمداً عليهم الصلاة والسلام أجمعين. لا يمكن لمؤرّخ اليوم أن يثبت وجودهم اليوم استناداً على قبر أو شيء من هذا القبيل، بل حتى تاريخ ميلادهم مختلف عند جميع الطوائف.
٢٠. فإن وجدوا جثة في قبر من القبور، فكيف سيعرفون أن هذا للنبي ولم يتغير؟ لا يمكن أبداً، لا بد من وجود مجال للشك.
أما حديث: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" فجمع من العلماء انتقدوا الحديث وضعّفوه. فالذي أريد قوله، إنك اليوم إن أردت أن تثبت لغير المسلمين عن قطعية
٢١. النقل أو قطعية وجود النبي أو غيره من الأنبياء والكتب لن تجد إلى ذلك سبيلاً يقبله الذين يتّبعون المنهج العقلي البحت، ولكن بلا شك تستطيع أن تستأنس بأمور تُرجّح ما لديك، أما الإثبات القطعي فلا، وهناك فرق بين الإثبات القطعي وحصول اليقين، ولبيان الفرق مبحث آخر ليس هذا موضعه.
٢٢. قد تقول: "بهذه الطريقة، ستجعل الشك يدخل في قلوب المسلمين!" أقول: كلا! ليس الأمر كما تظن! بل إن ما أقوله قد ينفع بعض المسلمين وينقذهم من الكفر. قد تتساءل وتقول كيف ذلك؟ سأعطيك مثالاً ليتّضح لك الأمر. مثال الشخص الذي يعتمد على المرويات المنقولة، ثم يكتشف بعد ألف سنة أن مرويات
٢٣. فلان كلها ضعيفة، أو نقل فلان غير أمين (كما وقع بين أهل السنة والشيعة في مسألة نقل القرآن) قد تجد هذا الإنسان المصدوم قد يكفر! وبالفعل اليوم تجد أن كثيراً من المسلمين في الدول العربية والخليج كفروا وألحدوا بسبب تصديقهم بهذه الأمور من غير وجود الإيمان في قلوبهم.
٢٤. أما إن كان الإيمان مستقراً في القلب فلن يحدث ذلك إن شاء الله رب العالمين.
لنفترض مثلاً، جاء أحدهم وحفر قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم لم يجد في القبر من أحد، هل لك أن تتخيل حاله وحال المسلمين حينها؟ قد يكفر ألوف من المسلمين بسبب أنهم فقط صدقوا بحديث ضعفه العلماء اليوم،
٢٥. ولكنهم لم يؤمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم الإيمان المطلوب منهم كما هو مطلوب منهم في القرآن الكريم.
قارن حالهم بحال المؤمن بالغيب، حتى إن لم يكن لديه ما يثبت ما يؤمن به، فلن يضره وجود الرسول صلى الله عليه وسلم في قبره من عدمه، ولن يضره (بمعنى أن يكفر) صحة نقل هذه المرويات
٢٦. أو العكس، فهو مؤمن بالغيب أساساً! وبما أن القرآن الكريم يفسر بعضه بعضاً، ما عليك إلا أن تفتح أول صفحة في سورة البقرة وتقرأ بداية السورة: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)، فإن تساءلت وقلت: من هم يا ربّنا، بيّنهم لنا ستجد البيان الشافي في قول الملك الحق:
٢٧. (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (٣) والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون (٤))، وهذا بلا شك أفضل بيان وتعريف للمؤمن وليس بعد بيان الحق سبحانه من بيان.
إن الإنسان الذي يُصدق بشيء لا يمكنه إثباته برأيي الشخصي هو أعظم تصديقاً
٢٨. من الذي يُصدق بشيء نستطيع إثباته بالطرق العلمية الحديثة، سأعطيك مثالاً وأنت اختر أيهما أصدقهم لي، إن قلت بأني أستطيع أن أكسر هذه الخشبة، فقال الأول: نعم أنا موقن بأنك تستطيع، وقال إنسان آخر: لن أصدق ذلك حتى أراك فعلاً تكسر هذه الخشبة.
٢٩. أيهما أعظم تصديقاً لي وإيمانا بي؟ الأول بالتأكيد، أليس كذلك؟ كذلك المؤمن، الذي يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله من غير حاجة إلى إثبات علمي، أو تجربة أو مشاهدة، لا شك بأن إيمانه أعظم من إيمان الشخص الذي يؤمن بالقرآن فقط، لأنه وجد ما يُسمى اليوم إعجازاً علمياً في القرآن،
٣٠. أو يؤمن بالرسول صلى الله عليه وسلم فقط لوجود قبره في المدينة المنوّرة، أو لتحقق نبوءة من النبوءات.
كما ترى، هذه النظرية فتحت لنا آفاقاً جديداً في فهم معنى الإيمان، وبهذا الفهم للإيمان نستطيع أن نحل مشاكل كثيرة، بل إن المسلمين الذين كفّروا بعضهم البعض، قاموا بالتكفير بادئ
٣١. الأمر بسبب عدم إدراكهم لهذه المعنى العظيم في كتاب الله سبحانه وتعالى.أظن والله أعلم بأنه سبحانه وتعالى يريد منا أن نثق به ونطمئن ونؤمن به من غير طلب إثبات مشاهدة أو غير ذلك، كما فعلت اليهود من قبل فقالوا: ((أرنا الله جهرة)). الإنسان الذي يدرك ما المطلوب منه من ناحية الإيمان،
٣٢. أعظم تصديقاً وأوسع صدراً وأبعد أفقاً من غيره. لك أن تتخيل سعادة صديقك بثقتك، إن قال لك: "ثق بي، سآخذك معي إلى البلد الذي تحبه" وأنت تثق به ليس لأنه أثبت لك من قبل بأنه قادر على أخذه معك، لكن فقط لمحض الثقة والتصديق، صدّقني سعادته ستفوق سعادته المعتادة إن كان يسعد بهذه الأمور.
٣٣. قد تقول: إن في هذا لمخاطرة إذ يمكن لأي انسان أن يؤمن بأي شيء يريده، أقول: نعم، وهو كذلك، فالله سبحانه وتعالى لا يريد إجبار الناس على الإيمان به، فإنه عز وجل أعطاهم حرية الاختيار، لأن هذه الحياة الدنيا عبارة عن ابتلاء، والابتلاء هو الاختيار، كل ما عليك هو أن تختار.
٣٤. في كل لحظة، في كل أمور حياتك، ستجد نفسك في حالة اختيار. فأنت عزيزي القارئ تختار ما تؤمن به، وأنت تختار أين تضع ثقتك (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) وبالتأكيد كل هذا لا يخرج عن مشيئة الله (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).
٣٥. أنا كمسلم قرأت القرآن الكريم وقرأت كتب اليهود والنصارى والهندوس وغيرهم كثير لكني قررت أن أضع إيماني في كتاب الله لأسباب كثيرة، ولكن فوق كل هذه الأسباب الإيمان بأن هذا الكتاب وما يحتويه من كلمات لا يمكن أن يكون إلا من عند الله العزيز العليم.

جاري تحميل الاقتراحات...