نهار
نهار

@N_har5

15 تغريدة 7 قراءة Jun 27, 2022
1
اكبر ما يصاب به الفرد معرفياً هو وهم المكانة الرفيعة، ويشعر بأنهُ اعلم من غيره، ويتوهم أنهُ معيار المعرفة والعلم، وهُنا يصبح منطلق من ثنيوية (أنا العارف/الآخر جاهل) فكل مخاض يتمخضه يراه هو الحق، وكل إختلاف معه هو إختلاف مع الحقيقة، هنا يصبح كوجيتو وهمه (إنا الحق وغيري الباطل)
2
هذا الوهم يتأتى للذات من خلال ثلاث مشارب وحليّة (إعتلال الذات الغير متعقّلة) و(هشاشة الوجود الذاتي) و(فقدان المكانة الذاتية عملياً) لأن هذا الثالوث يتعاضد لإنتاج هذه الوهمية المعضلاتية الكبرى، كون الوهم مع تكراره يخلق وهم أشد، وهو تجاوز الوهم بالوهم إلى الإعتقاد الراسخ بالوهم
3
إعتلال الذات المتعقّلة، يكمن في فقدان بوصلة العقل وركيزته، وهذا البوصلة تتأصل على قواعد أصيلة في العقل وهي (الحق حمّال أوجهه) و(المعرفة والوهم متجاوران) و(كل معرفة تحمّل بجوفها وهمها الخاص) و(لا معيارية قطعية بالعلم) وعندما يفقد العقل قواعد بوصلته، يبدأ في تشعبٍ مفرط بالتوهّم
4
هشاشة الوجود الذاتي، يكمن في ضياع القيمة الوجودية، فلا تجد هذه الذات قيمتها وجودياً في التماهي مع ظواهر الحقيقة، وهذا يحيلها إلى اللوذ والفِرار للصنميات الذاتية، وينتهي بها المطاف في الغلواء الإدعائية، لخلق قيمة وجودية وهمية للذات، وتبدأ في سلك طريق الزور الإدعائي لرفعة الذات
5
فقدان المكانة الذاتية عملياً، يكمن في جفاف ينابيع الأصالة الذاتية عملياً، فلا يوجد شيء يجعل هذه الذات تشعر بإنجازه عملياً، لتحقق شعور الزهو الداخلي ولا إشارة الإغيار لهذه الذات، وفقدان الداخلي والخارجي، يجعل هذه الذات بتعطش مجنون للبحث عمّا يروي عطشها، فتجد بالإدعاءات مفقودها
6
من سمات هذه الذات الإدعائية، سمات متعددة (كل قول تنطقه هو تقريري وقطعي) و(المعيارية طاغية في مقولاتها حتى بالإنسانيات) و(حساسيتها مفرطة في مجرد الإختلاف) و(هشاشتها عالية من الجدل) و(تعشق لهوس الجماهير فيها) و(تميل للإنتقاص من كل آخر يهدد وجودها المعرفي الوهمي)وسمات أخرى كثيرة
7
إننا في عالم يموج في قِصر المسافات الفاصلة بين المتقابلات، وما بين الإدعاء والإستحقاق، والحق والباطل، والحقيقة والوهم، والمنطقي والخرافي، وغيرها من المتقابلات، يوجد مسافة ضئيلة، يكاد كل متقابل أن يكون مُتقابلة، وهنا يتطلب الأمر من الإنسان البصيرة لا البصر، التعمّق لا التسطّح
8
لأجل فرز وكشف المتبع والمشرّب، إن الإنبهار بالذات الإدعائية يحيلك إلى أمرين كلاهما أصنام، الأول/العبودية المعرفية الضمنية لهذه الذات، وهُنا أنت تجعل دخول الزيف لوعيك أكثر من دخول الحقائق، الثاني/أنت بتعّليتك لهذه الذات، قد تأخذ منها قيم زائفة، تسقطها على الآخرين وتظلمهم بحكمك
9
لا تغرنّك كثرة الكم المعرفي والثرثرة المعلوماتية، فهذه فخ علمي غالباً، فالثقافة الكمية ليست معوّل لجعل الآخر بارزاً وأستاذاً، المعرفة الحقيقية تكمن في (الجدل) عندما تشتعل بنادق المجادلات العقلية، من خلالها يتم فرز الذوات المتعقّلة، أما ثقافة المنابر والسرد المعرفي فقيمتها هشة
10
تخيّل معي مشهدين، الأول/ أحمد يُدعَى لإلقاء محاضرة أياً كان عنوانها، ثم يأتي صوتياً يتحدث عن عنوان محاضرته، وامامه عدد كبير من الورق جمعَ فيه كمية معلومات كثيرة، ويسرد هذه المعلومات تباعاً وبشكلٍ متواتر على مسامع الحاضرين، دون الشرح والتمثيل الواقعي لمسروداته المكتوبة ..الخ
11
المشهد الثاني/محمد يدخل في جدليات في مكان مع الآخرين لتسليط الضوء على مكتسباته المعرفية وإمتحان عقله ومناهله ومشاربه، وهو لا يملك إلا عقله وإرثه المعرفي الذي نهله وتشربه، فلا يجد إلا صرامته العقلية سلاح ينافح فيه عن معرفته وإعتقاداته، مع عدم المعرفة المسبقة بسير الجدل الحاصل
12
هُنا نُدرك أن أحمد (محاضر/ ورقي/ ترديدي/ كمي/ قبلي) بينما محمد (مجادل/ عقلي/ إختباري/ كيفي/ بعدي) وكل توصيف يحمل حمولاته معه في كلا الطرفين، وهذا يجعل الشك في الاول أكبر من الشك بالثاني، والميل للثاني أعمق من الميل للأول، والموثوقية في الثاني أولى من الموثوقية في الأول وهكذا
13
لذلك الذات التي تتوهم المكانة الرفعية تجد في المنحنى الأولى ملاذها، حيث تستطيع من خلال إنتهاج منهوجات هذا الإسلوب تمرير زيف مكانتها الرفعية، فلا مجادل يجادلها، ولا معارك يعاركها، ولا محاكم يُحاكمها، ولا مُمتحّن يمتحنها، فتستفرّد باللوذ بهذا الإنتهاج الى تبرير مكانتها الرفيعة
14
وغالباً ما تبرر هذه الذات مكانتها الزائفة بالإدعاءات الوهمية، أنها قرأت كثير/ انها تَشرُع في مشاريع قريبة/ أنها تملك إطلاعات لا محدودة/ أنها مظلومة من المؤسسات/ أنها محسودة من الأغيار، وغيرها من مخاضات الزيف الذي ينبع من الكهف الأم (زيف المكانة الرفيعة) وهكذا تجدها تُفكّر
15
أخيراً، الإستقلالية المعرفية ضرورية، التوعّي في معرفة المسافات الفاصلة بين المتقابلات ضروري، لا تسلّم عقلك بالإنبهار بأحد، لا تندهش بالكم المعرفي مهما كان، فالعوالم الإفتراضية لا تعطي إلا أهشّ المعارف، ولا تمنح إلا السطحيات بالعلم، وتذكّر أنك حر قبل أن تكون عارف!
إنتهى

جاري تحميل الاقتراحات...