ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

26 تغريدة 133 قراءة Jun 25, 2022
لكي تشتري كتابا واحدا، عليك أن تكون فاحش الثراء، فسعر الكتاب هنا يقدر بأواق من الذهب والألماس، كان هذا قبل أكثر من 600 عام، قبل أن يأتي جوتنبرغ ويغير العالم للأبد، لكن كيف فعل ذلك؟ وماذا عن أول نسخة مطبوعة من القرآن؟ ولماذا حرم المسلمون الطباعة؟ وما الذي ترتب على ذلك؟
حياكم تحت
كأي شيء جديد في بدايته؛ واجهت الكتابة في سالف الأزمان معارضة شديدة من قبل كثير من المفكرين وعلى رأسهم سقراط؛ الذي ادعى أنها ستؤصل النسيان والتواكل في أرواح المتعلمين، ولن يعودوا بعد اليوم إلى استخدام ذاكرتهم!
بعد قرون طوال من الاعتماد على الذاكرة والمشافهة في تدوين الأحداث والأيام والآداب والأشعار؛ أطل الإسلام على جزيرة العرب بالانفتاح، فأوجد حركة علمية وتأصيلة لا مثيل لها؛ نمت بجوارها الكتابة وترعرت، واستجدت بجوارها مهن كثيرة متعلقة بالكتابة كالوراق والنسّاخ والخطاطين.
نما التأليف ونمت الكتابة وتعددت المصنفات، وسار العرب في طريق تجويد خطوطهم، حتى بلغوا بالخط العربي مبلغًا من الفن لا يباري؛ على الجانب الآخر كانت الكنائس والأديرة مهتمة هي الأخرى بالكتابة؛ فعرف عنها أنها بمثابة مستودعات للكتب والمخطوطات.
لكن رغم كل هذه الحركة وإقبال مزيد من الناس على العلوم وزيادة رقعة القراء والكتاب؛ إلا أن محدودية الوصول إلى الكتب وندرتها وصعوبة امتلاكها ظلت قائمة، فالنسخ اليدوي هو الأسلوب المتبع حتى القرن ال14 الميلادي، ذلك النسخ بكل ما يعنيه من جهد ووقت طويل مستغرق وأخطاء وبعد عن التماثل.
وسط كل هذه المعاناة شق العلم طريقه على مهل، ومع تتابع ظهور الجامعات الأوروبية خلال هذه الحقبة، نشأت تبعًا لها متاجر خاصة ببيع الكتب، لكن كتب لا يستطيع شرائها إلا الأرستقراطيين أبناء الطبقة المخملية، حيث متوسط سعر الكتاب الواحد حينذاك قدرته بعض المصادر بما يفوق 20 ألف دولار حاليًا
في ظلال هذه الأسعار والأحداث وعلى مقربة من نهر الماين بمدينة ماينز الألمانية، ولد طفل جديد للسيد جينفليش، وقد منحه اسم يوهانس، عاش الفتى في رغد وحياة هانئة بفضل ما لوالده من أعمال وتجارة ممتدة وراسخة في عدد من المجالات أهمها صياغة المعادن والأحجار الكريمة.
لكن بعد أحد عشر عامًا من ولادته تحديدًا عام 1411؛ ضجت مدينته بثورة عارمة ضد الأرستراقراطين والتي كان والده واحدًا منهم؛ لذلك لم تجد أسرته إلا الفرار بأنفسهم والارتحال عن ماينز نحو ستراسبورغ الحدودية مع فرنسا؛ تاركين ما كانوا عليه من ثراء في عداد الذكرى والماضي.
في شبابه درس يوهانس في جامعة إرفورت، وانتظم في الخدمة لدى الكنيسة، حيث كان قريبًا من النساخ وصانعي الكتب الكائنين بها، وفي الوقت ذاته ساند أباه في مجال عمله، فأضحى خلال سنوات قليلة ملمًا بمجال صياغة المعادن والأحجار الكريمة، وتتابعت فصول حياته في هدوء وأناة.
إنتاج كميات كبيرة من الكتب في وقت وجيز عبر طريقة مبتكرة وغير يدوية من شأنه أن يحدث طفرة وثروة لا مثيل لها، فكرة توقدت في نفس يوهانس، ولأجلها وفي سرية تامة عمل على محاولة ابتكار طريقة جديدة لنسخ الكتب تلبي له هذه الأحلام والآمال المعلقة.
مع خبرته العتيدة في مجال صياغة المعادن وضرب العملات؛ اهتدى إلى إمكانية تشكيل الحروف الأبجدية من المعادن، ومن إعادة تشكيلها مرة بعد أخرى في كلمات وجمل على أن يتم صياغة تلك الحروف بشكل مقلوب؛ ثم يصار بتلك الجمل والكلمات المغموسة سائل حبري إلى الصفحات المختلفة.
طريقة جيدة؛ لكنها لا تزال معقدة ولا تفي بالحد الأدنى من السرعة والآمال المعلقة، لم يستسلم يوهانس؛ فمع مروره بإحدى معاصر النبيذ، اقتبس من منها بعضًا من طريقة عملها؛ فبدلًا من سحق العنب سيتم فقط ضغط الورق وضمه إلى الأحرف المعدة للطباعة بنفس الطريقة.
مع الدعم المالي المتواصل استطاع يوهانس تجاوز كل العقبات والنواقص التي طرأت له، وبدت آلته عام 1450 جاهزة لتدخل به التاريخ من أوسع أبوابه، كمخترغ ومبتكر لأول طابعة في التاريخ بحروف متحركة، بدا الأمر بمثابة نجم بعيد حلق يوهانس غوتنبرغ إليه عبر سنوات، واستطاع بالفعل القبض عليه.
تُسخن في البداية سبيكة معدنية، ثم تُصب في قالب (على شكل حرف)، وبمجرد أن تبرد السبيكة، تُرتب الحروف المعدنية الصغيرة لتشكل كلمات وجمل في إطار معين، ثم تُغطى بالحبر، وفي النهاية، توضع الورقة فوق الإطار ويضغط عليها لوح ثقيل لتنطبع عليها الحروف، كما يعصر العنب تمامًا.
أول اتفاق تجاري مضى فيه يوهانس غوتنبرغ مع شريكه فوست هو صناعة المئات من الكتاب المقدس؛ والذي كان ذو ثمن مرتفع جدًا حينذاك، مول فوست المشروع، حيث تضاعف عدد الآلات؛ وأحضر أكثر من 25 حرفي، وجيء بالورق بكميات ضخمة، وجهزت آلاف الأحرف المعدنية.
كانت الصفحة الواحدة تستغرق تقريبًا أكثر من نصف يوم في صف وتجميع أحرفها على شكل صحيح، ثم يثبت النموذج وتطبع منه عشرات النسخ، ثم تعلق هذه النسخ لتجف قبل أن تضم إلى صفحات أخرى سبقتها في الكتاب، كانت النتائج مبهرة، والنسخ متماثلة دون أخطاء وهذا ما لم يعهده العالم من قبل.
استطاع المشروع أن ينجز أكثر من 180 كتابًا من الكتاب المقدس، فضلًا عن آلاف من صكوك الغفران، بالإضافة إلى كتب أخرى غير دينية، لكن يبدو أن فوست استثارته كم المكاسب الطائلة؛ لذلك طمع ألا يشاركه فيها أحد؛ من هنا أقام دعوى في المحكمة تتهم جوتنبرغ بإساءة استخدام أموال المشروع.
في عام 1459م حكمت المحكمة لصالح فوست الذي امتلك الأوراق الكافية التي تدلل على صحة موقفه القانوني، ومن ثم ذهبت جميع الأموال والكتب وآلات الطباعة ومشتملات المشروع لفوست، أما غوتنبرغ فقد خرج من مساحة إنجازه خاوي الوفاض، وعاد من جديد فقيرًا أكثر مما كان.
رغم خيبة أمله وعوزه إلا أن غوتنبرغ اعتاد دومًا على البدء من جديد؛ لذلك رجع إلى ورشته واستطاع في أشهر قليلة أن يبني آلته الخاصة، والتي عبرها عاد إلى اللحاق بركب حلمه، فأنتج العديد من الكتب، والتي لا يزال كثيرًا منها حاضرًا حتى اليوم في كثير من متاحف أوروبا.
لم يتكسب جوتنبرغ من الطباعة، بل على العكس قضى ما تبقى من حياته في نسخ الكتب بأرخص الأثمان، قبل أن يفقد عينيه في أواخر عمره، لتفيض روحه إلى بارئها عام 1468، وعلى الرغم من عدم تقديره في عصره؛ إلا أن التاريخ حفظ لـ غوتنبرغ حقه وخلد ذكره، واحتفت بها ألمانيا والعالم.
بعد ذلك تطورت تقنيات الطباعة وانتشرت في كل أوروبا بسرعة البرق، وبدأت الأخبار والكتب تنتقل، وبدأت المكتبات تتشكل، لقد غذت الطباعة الحركة العلمية المتنامية، وبها كثر المبدعين والكتاب والعلماء، وكان الأمر بمثابة عتبة عالية أطلت عبرها أوروبا على عصر نهضتها وخروجها من أسر الظلمات.
مع حلول السبعينيات من القرن الخامس عشر، كانت كل دولة أوروبية تمتلك شركات للطباعة، وفي مطلع القرن السادس عشر، تشير التقديرات إلى أن عدد الكتب المطبوعة والمباعة وصل إلى أربعة ملايين كتاب، في تلك الأثناء مثلت البندقية في إيطاليا أهم مدن الطباعة العالمية على الإطلاق.
في البندقية تحديدًا عام 1537 قام الطباع الإيطاليون بعمل أول نسخة من القرآن بواسطة المطابع، وذلك بغرض بيعها للمسلمين، لكن صدرت فتوى من المفتي العثماني وكذا من علماء مسلمين أزاهرة ومغاربة بتحريم الطباعة بدعوى تحريفها للعلوم وإقعادها لهمم المتعلمين وكذا لإهدارها أرزاق النسّاخ.
استجاب السلطان سليم الأول لتلك الفتاوى وأصدر فرمانًا بمنع الطباعة في الدولة العثمانية بكامل أقطارها، وبالتالي نُسب إلى هذه الفتاوى وهذا المنع؛ تأخر المسلمين عن الاختراع والابتكار والمعرفة قرونًا طويلة، حيث لم يعرف العرب الطباعة إلا عام 1798 حين جاءت الحملة الفرنسية محتلة مصر
اما أول مطبعة في السعودية فكانت المطبعة الأميرية في مكة المكرمة عام 1883، "ليطبع فيها كتب العلوم ليكثر انتشار العلم في موضع مهبط الوحي المكين" كما عُبر عن سبب الإنشاء في وثائق تأسيس المطبعة.
كانت الطباعة سببا مباشرا في تغيير العالم على كل الأصعدة، فبسببها تيسرت الكتب وتطور العلم، وزادت الابتكارات والاختراعات، وصولًا إلى ما نحن عليه اليوم، وبفعل التقنيات الجديدة والأجهزة اللوحية والهواتف؛ ها هي الطباعة تحزم أمتعتها وتغادرنا يومًا بعد آخر؛ بعد أن أدت ما عليها وزيادة.

جاري تحميل الاقتراحات...