علي عوض آل قطب
علي عوض آل قطب

@alialqutob

29 تغريدة 52 قراءة Jun 24, 2022
1- لا أتحسّر على قوم كرام مثلما أتحسر على بني قيلة، أولئك العرب الأقحاح الأشاوس الذين تغافل عنهم التاريخ، وتركهم وراء ظهره، بالرغم من أن ركائبه قد أناخت بين ظهرانيهم، فاستقبلوها، ودفعوا ثمن ذلك دماءهم، وأولادهم، وأموالهم! لكن التاريخ رغم إشاحة وجهه عنهم لم يسعه....
2- إلا أن يلتفت إليهم مرغماً حين جاءهم أكرم البشرية، ونزل في رحالهم، واحتمى بهم، فكانوا نعم الحماة، وكانوا هم الأنجاد، والفرسان، والكرام. بل كانوا كما قال الله عنهم: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ .....
3- وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) .....
4- هذه العُصبة اليمنية الأزدية القحطانية الزكية التي نزلت يثرب، تاركةً بلاد اليمن، ومنخزعةً عن العصائب الأزدية التي تفرقت في بلاد عسير، وعمان، والشام، لم تكن تعلم أن قدر الله، وسره الخفي قد اصطفاها لتكون ناصرةً لمنقذ البشرية....
5- وهادي الإنسانية الذي ارتحل إليها طريداً من مكة، بعد أن سامت قريش أتباعه سوء العذاب.
ذهب إليهم النبي الأعظم فأووه، وآووا أتباعه المهاجرين، واستقبلوا بذلك حرب قريش، بل استقبلوا حرب الأحمر والأسود حفاظاً على ميثاقهم الغليظ الذي بذلوه....
6- وهو ما عناه البردوني حين قال مباهياً بيمانيته وبهم، ومخاطباً نبي الرحمة:
أنا ابن أنصارك الغُرّ الألى سحقوا ***جيش الطغاة بجيش منك جرار
تضافرت في الفدى حوليك ***أنفسهم كأنهنّ قلاعُ خلف أسوارِ
.......
7- ولهذا لم يكن غريباً أن يستحيل اسمهم إلى الأنصار، لأنهم نصروا نبي الله، وتفانوا في الذود عن حياض الدين الإسلامي الحنيف، فكان لهم في بدر يومُ مشهود، وكان معظم جيش المسلمين منهم، منهم معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة ومعوّذ بن عفراء.....
8- الصقران – والوصف للصحابي القرشي عبد الرحمن بن عوف - اللذان شدّا على أبي جهل بن هشام المخزومي وقتلاه، بعد أن عرفا أنه العدو الأكثر عداوة للنبي الأعظم في مكة، ثم حين جاءت معركة أحد، جاد بنو قيلة في هذا اليوم بمشاهد بطولية تثير الدهشة، مثل: أبي قتادة النعمان، وأنس بن النضر....
9- الذي أنزل الله فيه قرآنا يُتلى إلى قيام الساعة: (مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)، حيث وجدوا به بضعاً وثمانين طعنة، إلى درجة أنهم لم يعرفوه إلا ببنانه...
10- وأطراف أصابعه رضي الله عنه.
ثم لما جاءت معركة الخندق، وحاصر الأحزاب المسلمين في المدينة، أصُيب سيدهم الوقور سعد بن معاذ بجرح في أكحله، وهو الذي قال عنه النبي الأكرم بأن العرش قد اهتز لموته، وهو من قال عنه أيضاً إكباراً لشأنه.....
11- ليحكم في بني قريظة مخاطباً المسلمين وفيهم أبو بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وكان قد أعياه جرحه (قوموا إلى سيدكم!). ثم حين جاءت معركة حنين، فرّ المسلمون في بداية المعركة، فلم يصرخ صارخ النبي الأكرم في الثبات إلا في الخزرج، ثم اختصرها في بني الحارث بن الخزرج.....
12- وكانوا من أصبر العرب على وقع السيوف رضوان الله عليهم أجمعين، وبعد أن ثبت الخزرج، وعاد المسلمون، وكروا على أعدائهم، وانتصروا غنموا غنائم كبيرة من هوازن، فقسم النبي الأكرم هذه الغنائم على قريش وبعض العرب تأليفاً لقلوبهم، وترك أنصاره من بني قيلة، فوجدوا في أنفسهم....
13- ونما الخبر إلى النبي الأكرم فدار بينهم هذا الحوار المبكي، والذي تناقلته دواوين السنة، حيث جاء فيه ما يلي:
(عن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "لما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطى من تلك العطايا في قريش وقبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء....
14- وجد -غضب- هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القالة.. حتى قال قائلهم: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة، فقال: يا رسول الله، إن هذا الحي قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت....
15- قسمت في قومك وأعطيت عطايا عِظامًا في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار شيء، قال: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» قال: يا رسول الله، ما أنا إلا امرؤ من قومي، وما أنا من ذلك، قال: «فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة»، قال: فخرج سعد فجمع الناس في تلك الحظيرة...
16- قال: فجاء رجال من المهاجرين فتركهم، فدخلوا وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا أتاه سعد، فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار.. قال: فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو له أهل، ثم قال: «يا معشر الأنصار ما قالة بلغتني عنكم وجدة وجدتموها في أنفسكم ...
17- ألم تكونوا ضُلالًا فهداكم الله، وعالة -فقراء- فأغناكم الله، وأعداء فألَّف الله بين قلوبكم؟» قالوا: بل الله ورسوله أمن وأفضل، قال: «ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟».. قالوا: وبماذا نجيبك يا رسول الله، ولله ولرسوله المنُّ والفضل....
18- قال: «أما والله لو شئتم لقلتم، فَلَصَدَقْتُمْ، وَصُدِّقْتُمْ، أتيتنا مُكَذَّبًا فصدقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائِلًا فآسيناك، أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألَّفتُ بها قومًا ليُسلِموا، ووكلتكم إلى إسلامكم....
19- ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم في رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنتُ امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شِعبًا، وسلكت الأنصار شعبًا لسلكتُ شعب الأنصار....
20- اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار»، قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفرقوا).....
21- وكما صدقت هذه العصبة الزكية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، صدقت معه بعد وفاته، فحين ارتدت العرب، كان شعارهم في قتال المرتدين (وامحمداه) وهو بلا شك شعار يحمل دلالات عميقة تؤكد أنهم لا زالوا على الميثاق الذي أخذوه على أنفسهم مع نبي الإسلام ما حادوا عنه قيد أنملة!....
22- ولذلك كان لهم يوم مشهود في ساحات القتال مع بني حنيفة، فكان عباد بن بشر، الذي استشهد في اليمامة قد أبلى بلاءً عظيماً في ذلك اليوم إلى درجة أن أبا سعيد الخدري رُوي عنه بأن عبّاداً لم يُعرف نتيجة لكثرة ضربات السيوف في وجهه رضي الله عنه....
23- وكان الحنفيون بعد رجوعهم للإسلام بسنين إذا رأوا الجروح الغائرة في بعضهم، كانوا يقولون: هذا ضربُ محرب القوم عباد بن بشر! وفضلاً عن كل ذلك فإن البراء بن مالك الأنصاري روي أنه هو المبادر باقتحام حديقة الموت، وأن أبا دجانة الأنصاري هو الذي اعتلى مسيلمة الكذاب بالسيف....
24- يقول مجاعة الحنفي لاحقاً – أحد سادات بني حنيفة – لأبي بكر الصديق يا خليفة رسول الله: لم أرَ قط أصبر لوقع السيوف ولا أصدق كرة من الأنصار؛ فلقد رأيتني وأنا أطوف مع خالد بن الوليد أعرّفه قتلى بني حنيفة، وإني لأنظر إلى الأنصار وهم صرعى، فبكى أبو بكر حتى بلَّ لحيته....
25- ورغم هذا التفاني العظيم والذود عن حياض الإسلام وعن نبيه الأكرم، إلا أن هؤلاء القوم طواهم التاريخ طياً، وتقلبت بهم صروف الدهر، وغمط حقهم التاريخ، وهضمتهم السياسة، فكان حضورهم – باستثناء الردة – بعد النبي صلى الله عليه وسلم باهتاً....
26- ثم أخذ في التلاشي بعد أن اقتنص القرشيون الخلافة، وتعاوروها فيما بينهم، سواءً كانوا من الأمويين أو أندادهم العباسيين، وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير، والطامة التي أبادت خضراءهم ما فعله يزيد بن معاوية حين استباح المدينة المنورة، فقتل من الأنصار مقتلة عظيمة…
27- ليذوي بعد ذلك ذكرهم، ويذوبوا في غياهب الزمن، وتصدق فيهم نبوة نبيهم صلى الله عليه وسلم الذي خاطبهم ذات يوم قائلاً: (إنكم ستجدون من بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)، ولأن النبي الأعظم كان ذا حدبٍ على هذه العصبة التي نصرته، خاطب المسلمين….
28- وكأنه يوصيهم بهم: (إن الناس يكثرون ويقل الأنصار، حتى يكونوا بمنزلة الملح في الطعام، فمن ولي منكم شيئاً يضر فيه قوماً، وينفع فيه آخرين، فليقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم، فكان آخر مجلس جلس به النبي صلى الله عليه وسلم)…..
29-رضي الله عن الأنصار، وجمعنا بهم مع النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم في جنات النعيم.

جاري تحميل الاقتراحات...