10 تغريدة 2 قراءة Dec 26, 2022
"إني منذ أن مرّت هي بمرآي باكرَ اليوم أحاول التشاغل عن السماح بطيفها أن يسلبني رجاحتي واتزاني في النظر للحياة، إذ أنها كانت ذات يوم الميزان الذي أرجع إليه لأعيد ضبط ذاتي كلما تقطعت بي السبل في معمعة الحياة، ومنذ رحلت وأنا أطلب من نفسي ميزانًا جديدًا أعود إليه، لكنني كلما اقتربتُ
من استحداث واحد جديد، كانت هي بحضورها القويّ الذي ازداد حضورًا في نفسي بسبب غيابها عن حياتي؛ كان ميزانها يُفشِل ميزاني، ويتركني في تيه وضياع وسأم بالغ.
يقول أهل علم الأعصاب أنّ المرء حينما يحب ينطبع هذا الحب في الشبكات العصبية للدماغ، ويصبح طريقًا مألوفًا للنبضات العصبية كي
تتحرك خلاله كلما مرّت بنفس الظروف، فالحب وفقًا لهم يترك توقيعه المباشر على الدماغ، ويكون التحدي الذي يواجهه المرء هو أن يمحو هذا التوقيع عبر استحداث طرق جديدة للنبضات العصبية بعد إيقاف استعمال الطرق القديمة حتى تصير خرابَا.
وعلى رغم كراهيتي لهذه الرطانة العلمية في محاولة فهم
الحب وتفسيره، إلا أنه لا يسعني سوى قبول هذا المجاز العلمي بوصفه ذي فائدة عملية في التعامل مع هذه الفوضى التي يتركها الحب.
إحدى الأسئلة مثلًا التي تراودني كثيرًا هو سؤال لماذا يجب على المرء أن يختار أن يمحو وجود هذا الحب من نفسه بعد الفراق؟ يمكنني بالطبع التفكير بصورة عملية وأن
أدرك أنّ هذه العلاقة انتهت، ولكن ماذا يعني ذلك بالنسبة للحقيقة، ماذا يعني هذا الحس العمليّ الذي يقيس الأشياء بواقعية جافة لا تدع المجال أمام عالم الوقائع الروحية التي يكاد المرء يشعر أنها أزلية في نفس المرء، هذا الحب الذي أكاد أقسم أنه وشمٌ غير قابل للإزالة على صدر روحي،
ماذا تعني هذه الموضوعية الباردة التي تشير ببساطة إلى أنها رحلت، أمام قلبي المُعَلّق بخيط وجوديّ مشدود إلى قلبها، الخيط الذي لا هي ولا أنا نملك أن نقطعه مهما حاولنا، لماذا يجب أن أمحو أشدّ الحقائق جلاءً في نفسي لصالح شروط الواقع وحسابات المصلحة والحس العملي، لماذا يجب أن أنساها؟
أتذكرها الآن وهي تتكلم بصوتها الحاني ذي المسحة من الحزن، وجهها وهو يبرق بالفرح والغبطة إثرَ مفاجأة صنعتها لها، عطرها الذي كان يتجاوز جسدي ليعبث في روحي مباشرةً أثناء اقترابي منها عمدًا لأملأ منه أنفاسي، وكفّها الذي كم دفنتُ في رحابه وجهي المُحبَط من نفسه.
أتذكرها الآن -وأدور في ذكراها- معلنًا رفضي لفكرة النسيان، ولرطانة خبراء العلاقات وكهنة "الاستغناء" عن الناس، أعي أنني أتصرّف على نحو مضادّ لمصلحتي الشخصية، لكنني لا أشعر أنّ مصلحتي الشخصية حقيقية بقدر ما أشعر أن هذه الفتاة حقيقية في نفسي، إنني أرفض الواقع، وأتمسك بالحقيقة.
لطالما وعيتُ بأنّ الحياة مأساة، وبأنّ طبعي النفسي لا يصلح لمعايشتها والانخراط فيها، لذلك لم أطلب من الحياة الكثير، وقد كانت الحياة سخية جدا معي حينما منحتني هذا الحب، ثم عادت فكانت أقسى ما يكون حينما أخذتها مني.
فإن طالبوني في حقوق هواهم
فإني فقيرٌ لا عليّ ولا معي"
-كريم عبدالقادر.

جاري تحميل الاقتراحات...