حسن مفتي
حسن مفتي

@HS__mz

10 تغريدة 304 قراءة Jun 22, 2022
لدي جارة بالمستشفى، يصلني صراخها آناء الليل وأطراف النهار، لا تنام ولا ترحمنا بالصمت.
أسأل الله العظيم العافية والشفاء لكل مريض.
هذه الغرف مملوءة بالعبر والقصص والآيات، والذي يأمن الدنيا، مسكين ولاه حتى يقع، عندها يعلم جيدا أن الله تعالى حق، وأن البلاء أقرب إليه من الهواء فيقصُر.
معايشة المرض ومجاورة المرضى، يغير نظرتك إلى الدنيا برمتها، استيطان المستشفيات عالم آخر منفصل عن واقع الحياة، ولولا الصبر وشيء من بقايا إيمان، لتداعى الإنسان على رتابة الوقت، وأنين المبتلين.
لا يغني عنك في المستشفى جودته وبراعة الطاقم، والندماء إن كنت من علية القوم، حتى لو استوطنت
المنتجعات رفقة الحاشية، فكل ما في المستشفى يذكرك بقدرك وأنك مريض، لست في إجازة استجمام، وما دمت مريضا، ستسري عليك قبضة المرض، تبعا لحالتك وتطوراتها والقسم الذي أدخلوك إليه.
في تنوع البلاء قد تجد سلوى ربما تخفف عنك شيئا من ألمك، مع إحساسك بالذنب لأن هناك من يحتضر قربك!
ما زالت الجارة تصرخ وأنا أنفصل عن ضجيجها بالكتابة وشيء من القراءة، نسيت سماعتي بالمنزل كي أعزل صوتها، والنويزلندية العجوز تعتذر عن الضجيج.
أقول: إن مشاطرة الآخرين المرض قد تخفف، لكنها تذكرك بالمشكلة، فهناك في الأبنية المجاورة من نهشه السرطان، أو فشلت أعضاء جسده، أو من أصيب بالشلل
تبدأ المقارنات المضنية، أنت خير من غيرك، وغيرك أسوأ منك! هذه المقارانات أعدها لا أخلاقية في قرارة نفسي، لأنها تنتزع عنك بقايا التعاطف بشكل لا إرادي مع جارك أو جارتك، لصالح نفسك وألمك الذي يجعلك محور الكون أمام نفسك والعائلة.
هل تواسي نفسك أم الآخرين؟ إنها لعبة الأنانية أحيانا=
كأنك تقول لنفسك: نلت كفايتي من الألم، فما شأني بالآخرين؟
غير أن أطياف جيرانك في تلك الحقب التي جمعتك بهم مختلف مستشفيات الرياض تزورك حتف أنفك، يقظة ومناما، صبحا ومساء، كان معنا قطري من آل ثاني، شاب ينتظر زراعة قلب، جلبوه من بريطانيا رفقة ممرضته، لم يصمد في سباقه مع الزمن=
يزورني، وكان معي شاب من مكة أجرى نفس ما أجريت ثلاث مرات، ولم يصمد في الرابعة، رحل صغيرا وكان مرحا خفيف النفس، رأيته في المنام يوما وأنا بالمستشفى العسكري، فاتسيقظت ألهث.
أقسى ما تراه ألم الطفل أو الطفلة، إذ يقصفك قصفا، فالصغير لا يدري لم يتألم، ولا يدرك سبب العناء، وإذا رأيت=
صغيرا يعاني ازددت مرضا على مرض، ووهنا على وهن، بل إنني أتخاشاه، ولو جاورني طلبت تغيير الغرفة رأفة بنفسي.
أما الحديث مع المرافقين وتلمس آلمهم من النوع الآخر، فهو لا يقل ضراوة عن مجاورة المرضى، إذ يتشبثون بالأمل ويغالبون الألم! يقتربون من الموت ويجاورونه، يتداعون لعجزهم عن فعل شيء
في العناية كان هناك شخص أعرابي مبتور القدم، قال لي: زر معي ابني فهو مشلول منذ خمسة أعوام لا يتحرك من وجهه غير بصره! ثم أردف، كان يقود مركبتي حين وقع الحادث، بترت قدمي من وسط الساق، وأصيب ابني بالشلل الكلي.
دخلت وقد مزقوا حنجرته كي يتنفس، كانت عينه تستجيب لبقايا الحياة تأملا=
وصوته يخفت همسا بفعل أنبوب الهواء، دعوت قليلا ثم مشيت وقد انحنى ظهري مع غم على غم.

جاري تحميل الاقتراحات...