د.صغير العنزي
د.صغير العنزي

@arab14361

24 تغريدة 34 قراءة Jun 23, 2022
تحدثت في سلسلة التغريدات عن مجموعة تصورات للنكاح، منها: النّكاح رقّ (ملك)، وسأحاول تفصيل هذا التصور، ونرى معًا هل كان مقايسة -أو بلغة أقرب- تشبيهًا أُريد منه استنتاج حكم فقهي بين مختلفين أم أنه تحرّك باتّجاه الأصل الأول للنكاح التاريخي (التملك)؟ ثم هل ترتبت عليه آثار رق للزوجة؟
1-من أقدم الآراء التي خضعت لهذا التصور صراحة رأيا الزهري والليث بن سعد: "لا يُقتَل الزوجُ بامرأته؛ لأنه ملكها بعقد الزواج، أشبه الأمَة".
حين أصدر عالمان ورعان حكمًا يتعلق بالدماء باطمئنان تامّ، فإنما كان ذلك؛ لأنه ترسخّ في ذهنيهما أن النّكاح رقّ وتملك.
2-هذا التواشج دفع من نقضوا هذا الرأي إلى أن يفصّلوا في وجوه الاختلاف بين الرقّ والنّكاح، وهذا يعني أن هناك استقرارًا لهذه الفكرة دعا إلى هذا التفريق، وبيان أنه إنما "ملك منها منفعة الاستمتاع، فأشبه المستأجرَة".
المدافعون أنفسهم لم يسلموا من مصيدة "النكاح رقّ" في آراء أخرى.
3-بدءًا من القرن السادس الهجري طغى حضور هذا النصّ صراحة، أما آثاره فسابقةٌ متمكنة في آراء من هم أقدم.
توزعت نسبته، فعدّ حديثًا نبويًّا، وكذلك نسب إلى شخصيات اعتبارية أخرى، والنتيجة واحدة هي تقرير عبودية الزوجة، واختلاف القائل، والارتباك في نسبته لم يحدّا من رواجه ولا من أثره.
4-نصّ الغزالي صراحة على أن المرأة رقيق وتابع، وفي موضع آخر أشار إلى أنها مملوكة للرجل، ومسخرة له، وأنّه سيدّها بنصّ القرآن، فإذا أطاع الزوج زوجته- التي كما يقول ملّكه الله إيّاها-"فانقلب السيّد مسخّرًا فقد بدّل نعمة الله كفرًا".
ورأي الغزالي كان محلّ احترام من بعده.
5-"نصّ النكاح رقّ" من هذه اللحظة بدأ يستعين بنصوص أخرى لدعم وجهة نظره، ويُعتَسف تأويل هذه النصوص، لتتناغم، وتدعم الفكرة نفسها.
"آية ألفيا سيّدها لدى الباب"، وحديث "استوصوا بالنساء خيرًا فإنما هنّ عوان عندكم"، صحبَا هذا النصّ عند ابن تيمية، وكان المجموع عنده مقطعًا أثيره يردّده.
6-في عدد من فتاوى ابن تيمية تقترن صورة الزوجة بصورة العبد الذي مهمته الطاعة والخدمة "قيل -وهو الصواب- وجوب الخدمة، فإن الزوج سيّدها في كتاب الله، وهي عانية عنده بسنّة رسول الله-صلى الله عليه وسلم- وعلى العاني والعبد الخدمة". لم يعط ابن تيمية فرصة للمراجعه، فرأيه الصواب، كما ينصّ.
7-المرأة عنده لا تخدم زوجها؛ لأن هناك أعرافًا أُخِذ بها، وإنما لأنها "عانٍ وعبد".
فإلى جانب نصّ "النكاح رقّ" الذي اعتمده، جاء بالآية والحديث، وجزم بأن المعنى الذي فهمه منهما هو المعنى الصواب؛ لأنه يتساوق مع تصوراته عن النكاح/الرقّ.
لم يخطر بباله احتمال آخر بسبب ضغط هذه التصورات.
8-والسيادة التي فهمها من الآية "وألفيا سيّدها" سيادة ملكية لا رئاسة إدارية، وغاب عنه سياق السورة التي وردت فيها الآية، وأن المتحدث عنه هو سيّد/زعيم فعلًا، لبلاده، ليوسف، لزوجته، ولغيرهم، وأن الملك وكذلك رئيس وزرائه تصفهما السورة "إنه ربي"، "سيدها"، "اذكرني عند ربك".
9-ومن التصور نفسه فهم معنى "عانية"، وتعامل معه على أنه معنى حقيقي، تطبق أحكامه على هذه الأسيرة/الزوجة. وهذا الفهم شوّه مقاصد الحديث الذي هدفه اللطف بالمرأة، والرقي في تعاملها، ونقله من وثيقة لصالح المرأة إلى وثيقة ضدها، وحوّلها هذا الفهم المغلوط إلى أسر حقيقي، واستعباد.
10-والأسر المجازي المقصود في الحديث مصرّح به "وهو استحلال الفروج"، وما يستلزمه ذلك من أنه لا يحلّ للمرأة نكاح رجل آخر مع زوجها إلخ...وابن تيمية نفسه جاء بنصّ عن الأسر ذهب به مذهبًا مجازيًّا يتضادّ مع نظرته هنا، فقد روى أنّ النبيّ-صلى الله عليه وسلم- قال لغريمٍ لزمه غريمه:
11-" ما فعل أسيرك؟"، فهل ترى ابن تيمية سيطبّق أحكام الأسير على هذا الغريم، فيلزمه خدمة من لم يفِ له بحقه، ثم يقول له: "وعلى العاني والعبد الخدمة".
هذه التصورات التي تتحكم بتوجهات الفقهاء لحظة إصدار الحكم ، فيفهم ابن تيمية-مثلًا- أن سيدها يعني مالكها، وأن عانية تعني أسيرة حقيقة
12-هي التي أنتجت أحكام المرأة، وحكمت عليها بما يضادّ رؤية القرآن في مواضع كثيرة.
وسنجده يؤكد فكرة النكاح رق في تعليل الزواج من الكتابيات، فيقول عن المسلمين: " ولا يتزوّج أهل الكتاب نساءهم؛ لأنّ النكاح نوع رقّ"، ثم يدعمه بأدلة المقطع الأثير الذي أشرنا إليه.
13-" ويقول جُوّز لمسلم أن يسترقّ هذه الكافرة، ولم يُجوَّز لكافر أن يسترق هذه المسلمة"، فالزوجة الكتابية -في نظر ابن تيمية- هي أقرب إلى الرقيق منها إلى الزوجة الحرّة.
والمقطع الأثير عند ابن تيمية تلقّفه تلاميذه للغايات نفسها، وأصبح مقطوعًا به كما سنرى عند ابن القيم.
14-يقول ابن القيم في حديثه عن خدمة الزوجة: "مرتبة الأسير خدمة من هو تحت يده، (ولا ريب) أن النكاح نوعٌ من الرقّ، فهنا أصبح الجزم واضح (ولا ريب).
ومفهوم المرأة العبد مستقرّ عندهم، فحين ناقش ابن الملقن حديث :"لا يجلد أحدكم زوجته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم"...
15-علّق: "وفي قوله: "جلد العبد" بيان أنّ النكاح رقٌّ ويَدٌ ومِلْكٌ وحُكمٌ كنوع من أنواع العبودية، كما نبّه عليه ابن العربي، ولكن فيه فضل الاشتراك في المنفعة واستحقاق العِوض عليها".
أظنك عزيزي قارئ التغريدات، ستتساءل معي: كيف استشفَّ ابن الملقن هذا الحكم؟ ومن أين تبيّنه؟
16-والتشبيه بين حالي ضربٍ مُبرّحٍ، يقضي النصّ بأنّه لا يكون في علاقة حميمة، والإفادة هنا تباعدُ لا تقاربُ، ثم ضرب الطفل للتأديب مُفتَى به من قبل فقهاء، فهل ضرب المؤدب له يدلّ على أنّه عبد، وغير ذلك من النماذج...
يظلّ للصورة التي تعلل بها الأحكام، وحضور تعليل دون آخر ، دلالتهما.
17-النماذج كثيرة، وسآخذ الآن نموذجًا على استيعاب النكاح لصريح ألفاظ العبودية، وانعقاده بها، وهذا أدلّ ما يكون على أن النكاح أصبح عين الرق، فقد أقر بعض الفقهاء أن قول والد الفتاة للراغب في الزواج منها:"هي جاريةٌ في مطبخك": عبارةٌ يصحُّ بها عقد الزواج، فكأنّه قال: "أنكحتُك ابنتي".
18-ومثلما نأخذ نموذجًا على عقد النكاح، فلنتبين حلّ العقد بالطلاق، لاحظوا التبادل: "إذا قال لزوجته: أنت حُرَّة أو معتقة، أو أعتقتك ونوى الطلاق، طُلِّقَتْ، ولو قال لعبده: طلّقتك، ونوى العتق عتق".
هذا التواشج بين الطلاق والعبودية في صيغ الزواج والطلاق والأحكام يؤكد أنها ليست مقايسة.
19-لنتأمل نص الزركشي عمّن سمّاهم الأصحاب، في كون لفظة "أنت حُرّة" بمثابة "أنت طالق"، ولا يدع الزركشي فرصة لحسن الظن بأنها مجاز: "الحُرَّة هي التي لا رقّ عليها"، ويؤكد بعبارة جازمة: "ولا شكّ أن النكاح رقّ"، وهذه الجملة كررها أكثر من فقيه عند الحديث عن الطلاق بصيغة "أنت حُرَّة".
٢٠-تصورات أن النّكاح تملّك للمرأة، ورقّ لها (وما يجري على العبد من البيع والشراء) هي التي غمطت حقوق المرأة عند الفقهاء، وما ترتّب عليها من أحكام، ولعلني لاحقًا أفصّل في ذلك، أما الآن، فأختم بالنص المرفق الذي لم يعط للمرأة أي اعتبار، فهي كائن مسخّر للرجل وحسب:
21-يتحدّث النصُّ عن رجلٍ طلّق امرأته غيابيًّا، وقد بلغها خبر الطّلاق، ثم أرجعها قبل انقضاء العدَّة دون أنْ يشعرها بذلك، ثم تزوّجت بناء على معرفتها بطلاقها. وفتوَى أبي حنيفة تقضي أنّه حال عودة زوجها الأوّل ورغبته فيها ترجع إليه مع الاحتياطات التي ذكرها.
22-وهذه الفتوَى التي لم تُقِمْ للمرأة أيّ وزن، ولم تنظر إلى تجاهل الرجل إبلاغها بإرجاعها، لم تصدر إلا من خلفيّة مقتنعة بأنّ المرأة مُسخّرةٌ للرجل، وأنّها من ممتلكاته التي يحكم فيها كيف يشاء، ووقت ما يشاء، وهي صادرة من رحم تصور النّكاح رقًّا.
٢٣-وقضية إلصاق الرقّ بالمرأة لا تصدر منهم عن مقايسة هدفها تقنين الحكم الصّادر، وإنما تنبع من أن الرقّ أليق بالمرأة، فالقرافي حين تحدث عن علة إلحاق الولد بأمّه في الملك والجزية قال: "...لأن الأديان إنما تقوم بالنصرة، وهي بالرجال أليق. والرقّ مهانة واستيلاء، وهما بالنساء أنسب".

جاري تحميل الاقتراحات...