باسم جفّال
باسم جفّال

@bmjaffal

17 تغريدة 5 قراءة Dec 07, 2022
قبل سنوات زرت طبيباً مشهوراً وكانت تجربتي الأولى مع الانزلاق الغضروفي (الدِسك). كان الطبيب مندفعاً كأنه يحمل مشرط العمليات بيده، أصرّ على أن حالتي تحتاج إلى تدخل جراحي عاجل مع أن أغلب حالات الدِسك لا تحتاج إلى جراحة. عبثاً حاولت أن أثنيه عن رأيه .. كان غريباً بعض الشيء 👇
أشعرني بأنني إن لم أوافق على العملية خلال أسبوع فقد لا أتمكن من تحريك يدي مرة أخرى. كلما اقترحت أن نجرّب شيئاً غير العملية أو حلاً لتأجيل العملية كان يعيدني إلى المربع الأول، "أينما تُوجّهه لا يأتِ بخير".
بفضل الله الكريم سبحانه ثم بفضل بعض الأطباء الناصحين تجاوزتُ الأزمة وكتبت عشرات المقالات على مدار سنتين ونصف بتلك اليد وبدون عملية.
بعض الناس في الشركات كذلك الطبيب ذو المشرط، يريدون حلولاً سريعة مختصرة ويفضّلون الحلول التقليدية التي يُجيدونها وإن كانت ليست هي الأفضل، ولها مضاعفات جانبية في المستقبل.
مرّت سنوات على تلك الإصابة، حتى استيقظت في صباح يوم على ألم شديد بكتفي الأيمن ويدي اليمنى، علمت أنه الدِسك من جديد، فالحمد لله رب العالمين.
انطلقتُ عبر الطريق الدائري الشرقي متوجها إلى ذلك المستشفى، مرّت سنوات قبل أن أعود إليه مريضاً هذه المرة وليس عائداً لمريض. نادتني الممرضة لأخذ القياسات الحيوية، طولي ازداد فجأة بحوالي 12 سنتمترا، أخبرتها أن ثمة خطأ فقالت بلطف: "لا، أنت طويل"، فسكتُّ.
دخلتُ على ذلك الطبيب الجراح الذي أوصاني بزيارته طبيب جراح آخر، شرحت له المشكلة وهو ينصت، أخذ القرص واستعرض صور الرنين المغناطيسي ثم أجرى فحصا إكلينيكيا بسيطا وقال: "أنت بخير، أنا بصراحة ما دام المريض أمامي وأستطيع أن أفحصه وأسأله فهذا هو المهم، صور الأشعة لا تعني لي الكثير".
"اسمعني، أنا لا أضجر ولا أتضايق ولا أملُّ من أي نوع من الأسئلة، اسأل ما بدا لك وسأجيب"، بصراحة، لم يسبق لي أن سمعت هذا الكلام على بساطته من طبيب قط.
أخذنا ندردش حول موضوع الألم، وكان ثمة سؤال لطالما دار في ذهني، "كيف يستطع الطبيب أن يحدد مقدار الألم على اختلاف الناس وطرق تعبيرهم ودرجة تحمّلهم؟ وكيف له إن لم يُعاني من ألم لعضو معين من قبل أن يفهم ما يعانيه المريض؟"
قلت له نحن في مجال الابتكار لا بد أن نتعاطف مع المريض ونتقمّص شخصيته لنشعر بما يشعر به ونفهم المشكلة التي يمر بها.
يستخدم الأطباء بعض المقاييس العالمية لتحديد مستوى الألم كأن يسألك أن تحدد المستوى على المقياس من 1 إلى 10 حيث 1 خفيف للغاية و10 مؤلم جداً جداً، ويُراقب الطبيبُ المريضَ وسلوكه وحركته وتعابير وجهه عند وصف الألم.
أخَذَ الجراح ورقة وقلماً، ورسم شكلاً بيانياً، هذا وقت الإصابة بالانزلاق الغضروفي وهنا شدة الألم، في بداية الإصابة يكون الألم في أعلى درجاته، وكلما مرّ الوقت خفّ الألم بإذن الله. %80 من الناس يزول عندهم الألم تماماً بعد سبعة أسابيع، فلا تقلق، القلق يزيد الألم.
في الابتكار، نُحب المقابلات أكثر من الاستبانات، الاستبانة هي كصورة الأشعة تقريبا، لكن المقابلات هي كجلسة المريض مع طبيب متمرّس، نفهم من خلالها ما يمر به صاحب المشكلة، ونراقب حركاته وتعابير وجهه، نُدوّن الأجزاء التي انفعل فيها وهو يحكي قصته، نُحاول أن نكتشف أصل المشكلة وسبب الألم.
قال لي الطبيب النصوح، أتمنى لو كان ثمة حبة دواء تُزيل الألم تماماً وتُنهي المشكلة، لكن الأمر يحتاج إلى عدد من الأدوية وانتباه وصبر وبعض الجلسات.
كذلك الابتكار، ليس ثمة حل سحري من أول مرة، بل هي رحلة استكشاف للمشكلة وفهم عميق وتفكير وتجريب وجرأة وصبر وتفاؤل، حتى نصل إلى الحل الأمثل. نشترك مع الأطباء -وكم تمنيت أن أكون طبيباً- أننا جميعاً نعمل لحياة أفضل لمن نخدمهم، نريد أن نراهم أصحّاء سعداء.
انتبهوا أحبتي لاستخدامكم الجوال وارتفاع شاشة الحاسوب وطريقة الجلسة، فأسلوب العمل الخاطئ من أكبر أسباب الانزلاق الغضروفي في الظهر والرقبة. حفظ الله الجميع.
هنا المقال كاملاً ...

جاري تحميل الاقتراحات...