13 تغريدة 3 قراءة Dec 26, 2022
"حيثُ أعمل كانت تعمل فتاةٌ لطيفة مرحة، في صوتها أثر عجيب يبعث في الهواء روحًا من الفرح والطمأنينة يجعل مكان العمل أكثر سكينة وجمال، كانت فتاة من النوع الذي يعلن عن حضوره بقوة، بحيث يمكنك من إلقاء نظرة على جو الحيوية في المكان أن تعرف هل هي موجودة أم لا.
كانت تحب أن تتفقد الناس ريثما تسلم عليهم باهتمام وصدق، وكانت من النادرين الذين يسألون الأسئلة الاعتيادية مثل: "كيف حالك" وتلاحظ إذا ما تسرب في وجه الشخص ملمحٌ من حزن أو همّ ثم أجاب "الحمد لله" أن تستقصي وتعيد السؤال بنظرة حانية لتمنح الشخص فرصةً لو أراد أن يحكي عن همّ يشغل قلبه،
فإذا وجدت شيئًا من ذلك استمَعَتّ وأبدَتْ اهتمامها وهي تتحرى أن لا تكون مزعجة أو تُشعِر من تتحدث معها أنه مُلزَم بأن يحكي أي شي.
كانت تتقن مهارة الأمومة -الرعاية-، مع حدود نفسية واضحة وثقة بنفسها جيدة، مما أكسبها محبة واحترام كل من عرفها.
أما أنا فاكتفيتُ لمدة طويلة بملاحظتها،
ولم يطرأ في خُلدي أن أعرفها عن قرب -لا أدري لماذا-، ولم أدرِ أيضًا لمَ كنت أشعر بأنّ جمرةً تطأ قلبي حزنًا كلما رأيتُها مبتهجة.
ولكي لا تخطؤوا فهمي فإني أحب أن أرى الناس في سعادة وفرح، لكنني لسبب ما شعرتُ بوجود خطأ ما لا أعلم عنه شيئًا، وبالفعل علمتُ ماهيته في وقت متأخر
كان يعتري هذه الفتاة نفس ما يعتري الإلكترون بحسب العقيدة الكمومية، إذ أنّها كانت تسلك نهجين مختلفين اعتماداً على وجود الراصد من عدمه، فحين يكون هنالك راصد نجد الفتاة التي وصفتُها أعلاه، لكنها حين تختلي بنفسها أثناء انهماك الناس في العمل لاحظتُ أنها تكتسي ملمح الجثث همودًا وخمولًا
وترتسم على حواجبها سِمة من الهمّ الثقيل، وفي حالات نادرة -حينما تنسى أن ترتدي بإحكام القناع الذي تخفي به شخصيتها هذه- يكون في صوتها نبرة حزن ممزوجة بخوف، وتشرد مثبتة عينيها إلى أعلى وهي تفكر -وربما تحلم- بعيدًا خارج حدود الزمان والمكان، وفي مرة نادرة لمحتُ دموعًا تنزل عن عينيها.
حين استدعيتُ مرةً كل هذه المناظر والمواقف، أبدَى لي مجموعُها تلك الحقيقة التي أعتقد أنها واضحة لكم الآن: أنّ هذه الفتاة كانت تحرس حزنها ومأساتها بأشدّ ما تستطيع، وترغب ألا يتسرّب بعض ألمها إلى الخارج فيراه أحد وتشعر أنها مكشوفة أمام الناس، لكن هذه الفكرة ليست آخر التحليل، أعتقد
أنّ حقيقة أنها كانت تظهر النقيض تمامًا لتبالغ في إخفاء هذه الشخصية يدلّ على فكرة أخرى، هي كانت -بلاوعي- تمنحُ ما يطلب قلبُها أن يُمنَح إليها، كانت تمنح السكينة التي كان قلبها يرجو أن يحظى بها، كانت تسلّي عن الناس في أحزانهم وهي في الحقيقة تبحث عن سلوى نفسها، كانت تستمع لهم،
بينما في الحقيقة هي تودّ من يستمع إليها، لا أعني في كلامي أنها فعلت ذلك على نحو واعٍ تتوسل أن يصبح لطفها دَينًا على كل من تعاملت معهم، وإنما هكذا هي النفس، تطلب الخروج عن ألمها الداخلي عبر التعاطف مع الناس، ومحاولة حمايتهم من الشعور بهذا الألم، حتى إذا خرج أحدهم
عن ألَمٍ ألمَّ به شعرت النفس التي تعاطفت معه وساعدته بالخروج أنها هي نفسها من خرجت عنه، مؤقتًا على الأقل. وكذلك كانت هي حينما تكون "تحت تأثير الراصد" كما يقول الفيزيائيون.
لكنها إذا خلت إلى نفسها عاد إليها ألمها الخاص التي لم تنفك تحاول تشتيته عنها، حتى تغرق فيه بكل عجز.
ما هو ذلك الألم الذي كان يسيطر عليها، وما هي الظروف التي تجعلها معذبة لتلك الدرجة؟
في الغالب لن أعرف الجواب، وذلك لسببين:
أولًا: أني قررتُ أن أوقف فضولي ورغبتي في إنقاذ الناس الذين لا تربطني بهم صِلَة، لأنّ تلك من أكثر طباعي تهورًا وسخافة.
ثانيًا: أنّ هذه الفتاة أصبحت بعد فترة قصيرة من تعارفنا تتجنبني أنا بالتحديد دون كل الناس، وكانت تتجنب بالتحديد أن تجتمع عيناي وعيناها في لحظة واحدة، أعتقد أنّ ذلك لسببين أيضًا: أنها لمحت الحزن الذي يتسرب إلى عينَيّ حين أراها، وأنها لمحت الهمّ الذي يعتريني حين لا يراني أحد".
-كريم عبدالقادر.

جاري تحميل الاقتراحات...