لن أؤاخذ على المقدمة الساخرة والمتعالمة؛ لأنها تمهيد لتسليم المتلقّي بما تقوله، من خلال تعالمك وتجهيل مخالفك.
توضيح موقف هؤلاء الفقهاء لا يغيّر من كون رأيهم مخجلًا ومتطرّفًا، يمثلّهم ولا يمثل الإسلام، فالنصّ (الحكم) هنا ثقافيّ وليس دينيًّا؛ لأن رأي بشريّ محض، وسأفصّل:
توضيح موقف هؤلاء الفقهاء لا يغيّر من كون رأيهم مخجلًا ومتطرّفًا، يمثلّهم ولا يمثل الإسلام، فالنصّ (الحكم) هنا ثقافيّ وليس دينيًّا؛ لأن رأي بشريّ محض، وسأفصّل:
1-تبدأ البشرية والانزياح عن الرؤية الدينية عند الفقهاء مع حجر أساس العقد، فتعريف العقد أنه "عقد استمتاع"، "أو عقد يملك به بضع المرأة". والوقوف بتعريفه عند هذا الحدّ، أو قريبًا منه هو الذي أنتج هذه الإشكالية، وأكاد أقول إنه عنصر رئيس فيما حصل للمرأة من انتكاسة بعد إسلام التأسيس.
2-اتّكأ تعريف هذا العقد على مسبقات ثقافية ضاربة في عمق التاريخ ترى المرأة ملكًا للرجل، ومسخرة له، وما يدور في فلك التمليك من التسليع وغيره، مازجًا إياها برؤية الإسلام في ضوابط العقد الشرعية.
وقد أشار ابن عاشور في نصّ مهمّ إلى هذه الجذور، حين قال:
وقد أشار ابن عاشور في نصّ مهمّ إلى هذه الجذور، حين قال:
3-"كان أصل النكاح في البشر اختصاص الرجل بامرأة تكون له دون غيره، فكان هذا الاختصاص يُنال بالقوة، ثم اعتاض الناس عن القوة بذل الأثمان لأولياء النساء ببيعهم بناتهم ومولياتهم، ثم ارتقى التشريع وكمل عقد النكاح، وصارت المرأة حليلة الرجل، شريكته...".
4-تعريفات الفقهاء تتواشج مع أثر ذلك السلوك القديم، والارتقاء فيها يكاد يقتصر على شروط حلّ البضع وحرمته، بينما الارتقاء الفعلي والشراكة التي نصّ عليها القرآن غابت في تعريفات هذه العقود، وطبيعيّ أن يغيب بعد ذلك كثيرٌ من أثرها، أو يخفت في ظلّ هيمنة الأثر القديم.
5-القرآن وصف الزواج بأنه "مودة" و"رحمة"، و"ميثاق غليظ" فيه إمساك بـ"معروف" أو تسريح "بإحسان"، ونصّ على المعاشرة بالمعروف، ولم يعد الجنس مجرد متعة، بل وصفه بالإفضاء، وهو وصف نفيس يعلو بالجنسية عن حيوانيته. هذا كلّه جُرِّد منه تعريف عقد النكاح، فترتبت عليه أحكامٌ فرعٌ منه.
سأكمل بعد الصلاة.
6-وتجريد الفقهاء لمفهوم الزواج من الأثر القرآني ترتب عليه عودة الأثر الجاهلي الممتد عبر التاريخ. والصدقات التي أصبحت في الإسلام أمارات على تمييز عقد النكاح من المعاشرة المذمة عادت إلى أصلها القديم فصارت "ثمنًا" للمرأة يُنَصّ عليه، أو يتضح من السياق.
7-من أمثلة النصّ عليه "لأنه ثمن بُضْعِهِنَّ"، أو قريبًا منه "لأنّ المهر ثوابٌ على البضع"، "والنّكاح معاوضة البضع بالمال"، أو من خلال التمادي في مقايسته بالبيع، فحين ينصون على تسليمه أوّلًا يقولون: "كما في البيع أن المشتري يُسلّم الثمن أوّلًا".
8-ويصبح عقدًا تجاريًّا خالصًا، والمرأة سلعة يجري عليها أحكام السلعة، فمن ذلك قولهم: "وإذا تمَّ العقد، وجب تسليم المرأة في بيت الزوج إذا طلبها"! لاحظ صياغة الحكم!
وهذا كثير في خطابهم، ولا أقصد المقايسة فقط حين تكون للضرورة، وإنما أقصد أبعد من ذلك.
وهذا كثير في خطابهم، ولا أقصد المقايسة فقط حين تكون للضرورة، وإنما أقصد أبعد من ذلك.
9-فلم تعد القضية مقايسة، ولا مبالغة فيها، وإنما صار النكاح عين البيع والاستئجار إلخ...فصار قولها "آجرتك نفسي"، وقول أبيها: "بعتك ابنتي بكذا"، أو يقول الخاطب لها: "اشتريتك بكذا" فهذه صيغٌ يعقد بها النكاح في بعض المذاهب.
10-وبهذا تكون بعد البيع/الزواج أمَةً ورقيقًا، فنصّ "النكاح رقٌّ" أثير عندهم، ويرجع بعضهم وجوب خدمة الزوجة زوجها إلى هذا النصّ، فهي بموجبه رقيق، وعلى العبد الخدمة، كما يقول بعضهم.
11-بل تبلغ من الاندماج بالرق حدًّا يرى بعضهم معه أنه " لا يُقْتَل الزوج بامرأته، لأنه ملكها بعقد النكاح فأشبه الأمَة"، والمشتغل بتحليل الخطاب حين يجري مفاهيم الاستعارة التصورية سيجد استعارات: النكاح بيع، النكاح رقّ، الزوجة بُضع، لأن الخطاب الفقهي يكاد يختزلها في هذا العضو.
12-وتحليل الخطاب منهج كاشف للمدونة التي يشتغل عليها، وقد أجرت باحثة على تحليلًا على الخطاب اليهودي فخرجت باستعارة "النساء شيء قابل للتملك"، وهنا قدرة الخطاب في كشف أثر الثقافة القديمة ومنها اليهودية في الإسلام، فالاستعارات التي ذكرت أنا، تقارب الاستعارة الأمّ التي ذكرتها الباحثة.
13، إذن، أنا حين وصفت الرأي السابق بأنه مخجل أو متطرف أيضًا؛ فذلك لأنه خطاب متورط في آثار الثقافة القديمة، وضعيف الرحم بمبادئ الإسلام، فالمرأة فيه غدت سلعة، ونفقتها ثمنٌ خالص لبضعها، لا أمارة حلّ، ولا أثر إطلاقًا للآيات التي أشرت إليها قبل قليل، فقد غدا عقدًا تجاريًّا صرفًا.
14-حين تقول لي لأن ضبطهم كذا، أقول لك: أعذرك؛ فأنت نظرت إلى ما استقرّ عندهم، لكنك لا تملك الأدوات التي تجعلك قادرًا على مساءلة خطابهم، وكشف أثر الثقافة فيه، وكيف انزاحت مؤسسة الزواج معهم من مؤسسة سامية إلى مؤسسة عقد تجاري غريب عن رؤية الإسلام.
15-يعني أنا حين أنقد آراءهم لست كما يزعم المتجنّون ضد الدين، ولا لأنني أريد وضع قانون جديد، ولا أيضًا لأنني أقلل من قدرهم، وإنما لأن لي أدواتي التي تمكني من قراءة جذور المشكلة، وهدفي تصحيح هذا الوضع، بإعادته إلى رؤية القرآن، والفقهاء ليسوا جناة عمد، وإنما ضحايا سياق مهيمن.
16-فالشافعي -مثلًا- حين يرى أن الوطء ليس من حق الزوجة، وهو حقّ للزوج، والحنفية حين يرى بعضهم أنه لا يجب لها الوطء في الزواج إلا مرة في العمر، هم لا يحكمون بذلك وهم في وعيهم الديني، فهم تقاة، وإنما هم تحت وطأة السياق الثقافي الذي يشكّل غطاء كما المادي تمامًا.
17-وهو غطاء غيّب أمام الشافعي وأبي حنيفة في مسألة الوطء "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف"، فغدت عندهم مقايضة النفقة بالفرج بعيدة عن منهج الآية، وخاضعة لتصورات النكاح بيع، النكاح رق، والمرأة بُضع، قيمتها كلها مختزلة فيه، وكرامتها متعلقة به.
18-وختامًا، آمل أن يكون قد استوعب الآخرون الذين لا يتأخرون عن رمي تهم استهداف الإسلام، التدليس لضرره، الجهل، الرسالة التي أحملها، إن أخطأت فيها أو أصبت، فأنا حريص على ألّا تُغتال كرامة جنس أو فئة باسم الإسلام، ورؤية الإسلام بريئة منها، والتصحيح فضيلة، وليس عارًا أو انتقاصًا.
جاري تحميل الاقتراحات...