ظاهرة الغرور الفكري عند المثقفين
ظاهرة تفشت بين المثقفين الذين فتح الله عليهم من علوم الدنيا فحسبوا أنهم وصلوا إلى مستوى يؤهلهم للخوض في أمور الدين كيفما شاؤوا، وأنكى من ذلك أنهم صاروا يفسرون كتاب الله ويتقولون على الله بما لم ينزل به سلطانا.
ظاهرة تفشت بين المثقفين الذين فتح الله عليهم من علوم الدنيا فحسبوا أنهم وصلوا إلى مستوى يؤهلهم للخوض في أمور الدين كيفما شاؤوا، وأنكى من ذلك أنهم صاروا يفسرون كتاب الله ويتقولون على الله بما لم ينزل به سلطانا.
وقد حذر المولى سبحانه من التقول عليه بغير علم وقرنه بالشرك، فيقول:
{ قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّیَ ٱلۡفَوَ ٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡیَ بِغَیۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ یُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَـٰنࣰا وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ } [سُورَةُ الأَعۡرَافِ: ٣٣].
وجاء في حديث الإمام أبي عُبَيْدَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
"مَنْ أَفْتَى مَسْأَلَةً أَوْ فَسَّرَ رُؤْيَا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ كَمَنْ وَقَعَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ فَصَادَفَ بِئْرًا لا قَعْرَ لَهُ وَلَوْ أَنَّهُ أَصَابَ الْحَقَّ".
وقد سئل سيدنا أبو بكر الصديق- رضي الله عنه- مرة عن شيء في كتاب الله فقال: ((أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ)).
وأما مثقفو اليوم فيرون أنهم قد حازوا من العلوم ما يؤهلهم للخوض في الآيات والأحاديث الشريفة ومسائل الدين والغيبيات حسب أفهامهم وما تملي لهم عقولهم،
مع أن هؤلاء لا يرتضون بالعالم الفقيه أو المفسر الراسخ أن يتكلم في دقائق وخبايا تخصصاتهم العلمية، وأما الخوض في أمور الدين فيتحدث فيه من هب ودب.
كذلك، فهناك ثلة من هؤلاء ينتقون من الآيات ما يوفق هواهم ومعتقدهم وابتغاء إثارة الفتن وصرف المؤمنين عن دينهم، كما بين ذلك سبحانه في قوله:
{ هُوَ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ عَلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَ مِنۡهُ ءَایَـٰتࣱ مُّحۡكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتࣱۖ فَأَمَّا ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِمۡ زَیۡغࣱ فَیَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَاۤءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَاۤءَ تَأۡوِیلِهِۦۖ
وَمَا یَعۡلَمُ تَأۡوِیلَهُۥۤ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّ ٰسِخُونَ فِی ٱلۡعِلۡمِ یَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلࣱّ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا یَذَّكَّرُ إِلَّاۤ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ } [سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ: ٧]
ولحماية كتاب الله من خوض الخائضين وتفسير المبطلين وضع علماء الأمة شروطا صارمة لمن أراد أن يفسر شيئا من كتاب الله، ومن هذه الشروط:
١- صحة الاعتقاد والإيمان وملازمة سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فصاحب العقيدة الفاسدة سيتعمد تحريف النصوص والتعسف في الأحكام والتشريعات الدينية بما يُناسب مصالحه وحاجاته ومعتقداته فيضل ويضل الآخرين معه.
٢- التجرد من الهوى فيعتمد في بيان معاني الآيات الكريمة على تفسيرها الصّحيح دون الميل إلى مذهبه أو فكره أو هواه أو رغبات نفسه.
٣- العلم باللغة العربية وفروعها مثل علم النّحو، واشتقاق الكلام، وبناء الكلمة، وعلوم البلاغة الثلاثة: المعاني والبيان والبديع.
٤- العلم بالعلوم المتصلة بالقرآن مثل علم التوحيد وعلم أصول التفسير، والناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، والمحكم والمتشابه، والقراءات.
٥- العلم بأصول الدين، أو ما يسمّى بعلم الكلام ليتجنب الوقوع في الأخطاء العقدية، فيعرف ما يجب لله وما يمتنع عنه، وما يجب للرّسل وما يمتنع عنهم.
٦- القدرة العقلية القادرة على استنباط المعاني وفهم مقاصدها ودلالاتها والعبر المستفادة منها، حتى يتمكن من استيعاب واستنتاج ما وراء النصوص والأقوال الخفية،
وأن يكون قادراً على الترجيح والموازنة إن تعارضت أمامه الأدلة والأحكام وآراء أبناء عصره ومن سبقوه من السلف الصالح.
وكذلك وضعوا للمفسر آدابا يتحلى بها، منها:
١- حسن النية وصحة المقصد، فالأصل في طلب العلوم الشّرعية أن يريد صاحبها بها وجه الله، وأن يتجنّب فتن الدنيا ليوفّقه الله -تعالى- إلى مبتغاه.
١- حسن النية وصحة المقصد، فالأصل في طلب العلوم الشّرعية أن يريد صاحبها بها وجه الله، وأن يتجنّب فتن الدنيا ليوفّقه الله -تعالى- إلى مبتغاه.
٢- التّحلّي بالأخلاق الحسنة: وذلك لأنّ المفسر يُعدّ محلّ قدوة للآخرين، يرشدهم لطريق الصّواب ويؤدّبهم، ولا يمكن له أن يكون مؤدِّباً إلّا إذا كان متّصفاً بمكارم الأخلاق التي تظهر على كلّ حركاته وسكَنَاته، وأقواله وأفعاله، ومظهره.
٣- الامتثال والعمل بما في كتاب الله، لأن صلب موضوع التفسير هو القرآن الكريم، فلا يمكن أن يكون المفسّر ليس له فهم بالقرآن الكريم ولا يعمل بما فيه.
٤- تحرى الصدق والضبط في النقل.
٤- تحرى الصدق والضبط في النقل.
٥- الجهر بالحق، وألا يخاف في قوله لومة لائم.
٦- التواضع ولين الجانب، فالغطرسة العلمية تمنع العالم من الاستفادة من علمه.
٦- التواضع ولين الجانب، فالغطرسة العلمية تمنع العالم من الاستفادة من علمه.
٧- عزة النفس عن سفاسف الأمور، فمن حق العالم أن يعلو فوق حمقى الأشياء، وألا يخاف من جاه أو سلطان.
٨- حسن السمت الذي يكسبه الهيبة والوقار.
٨- حسن السمت الذي يكسبه الهيبة والوقار.
٩- الزهد في الدنيا، وذلك لأنّ الإقبال على الدنيا قد يدفع المفسّر إلى الإعراض عن هدفه والتوجّه لغير مُبتغاه.
جعلني وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
جاري تحميل الاقتراحات...