فلنفرض،أن هُناك نسوية قذرة. تتبعُ الفتيات الفقيرات أو المسكينات، غير المعنفات، لا يؤذيهن أبوهن الفقير الذي يعمل ليل نهار ليجلب لهن مصروف الكلية،ولنذهب في الافتراض،أنَّهن يعشن حياةً عائلية مُستقرة، وتأتي هذه [الإبليس] لتوسوس بين البنت وأبيها،وتقنعها أنَّها ضحية، وتصنع منها تابعةً.
ولنقل أن هذه الفتاة، تسمي نفسها نسوية، في الشكلِ الخارجي. فهي لا تشتغلُ على حقوق المرأة في التعليم والعمل، ولا علاقةَ له من قريب أو بعيدٍ بالحقوق القانونية، فهي لا تحمي معنَّفةً، ولا تُنقذ سجينةً مربوطة بالسلاسل، ولا تطالب بشيء، ولا حساب تويتر لها، ولا حضور عام مطلقا!
ولنقل أن هذه النسوية [القذرة] وفق الأحكام الأخلاقية لخصمها، لا قضيةَ لها، وإنما هي صانعة أتباع، تبحثُ عن الفقيرات، تغريهن بالمال، والملابس الأنيقة، والسهرات مع الرجال الأنيقين، ذوي الشوارب المهذبة، واللحى المصبوغة، والدشاديش المتناسقة مع الحذاء، والمصر!
نحن نتخيل هُنا.
نحن نتخيل هُنا.
ولنقل أن هذه [الإبليس] ترفع شعار النسوية، بطابعها الغربي، حرية الجسد، وتفاهة فكرة العذرية، بل وربما الأمازونية، وكراهية الرجل، واعتبار نفسها ضحية بمجرد كونها تعيش في محيط عائلي. فلنقل أن هذه هي أدواتها. قد يفعل ذلك ذكرٌ مشحون بالتستسرون، وقد تفعل ذلك امرأة، تسمي نفسها نسوية!
ونحن نتخيل الآن فقط، هذا ليس سيناريو واقعي بالضرورة. فلنضرب أسوأ مثل اجتماعي قد يستفز إنسانا محافظا، ولديه ارتباط بين الجسد والأخلاق.
هذه التي تسمي نفسها نسوية، تغدق العطور، والملابس، وتسهل طريق الفتيات الشابات للسهرات، مع رجال أنيقين. وهذه [حرية شخصية]، والجميع يقول: جو حضاري!
هذه التي تسمي نفسها نسوية، تغدق العطور، والملابس، وتسهل طريق الفتيات الشابات للسهرات، مع رجال أنيقين. وهذه [حرية شخصية]، والجميع يقول: جو حضاري!
ثم تكبرُ الحكاية.فتلك الطالبةُ أو الموظفة براتبٍ بسيط، وبدون نصيب من التعليم والتدريب والمهارة، تأخذُ مكانَها بين الحضاريين الكبار. لماذا؟ لأنَّ النسوية درعَها! هكذا نتخيل، تذكروا، نحن نتخيل هُنا، لا يوجد واقع، هذا خيالٌ سردي. ثم يتضحُ الأمرُ لاحقاً، هُناك ما هو أبعد من اللقاءات!
تسألها الفتاة الصغيرة؟ لماذا تصورينني مع فلانٍ وعلان؟ إنني أخافُ أن يصل خبري إلى عائلتي فتقول لها هذه [المتحررة كثيرا] لا تقلقي، إنني أدخر ذلك لدفتر ذكرياتي! ولم عساها أن تقلق: فهي متمدنة، متحضرة كثيرا، وتعرف الذي تقوله، ولديه رقي كبير في التعامل مع الجميع، ولا سيما الرجال!
ثُم يكبر الأمر، الجلسات الأنيقةُ تتحول مع الوقت إلى سهراتٍ في مزرعةِ رجل أنيق. وتلكَ التي رقصت، أو لبست زيَّا مثيراً في سهرةِ [سواريه] مع القليل من النبيذ، والكثير من البيانو تشعرُ بالقلق. هذه الفتاةُ [المتحررة] ليست كما تبدو. الأمر لا يتعلق باللباس فقط، بل بالجسد! كبرت المُشكلة.
ثُمَّ تتوالى المواقف المُحرجة. فذلك الرجل الأنيق المهذب أصبح يلمسها، ويدعوها إلى غرفته الخاصَّة في الاستراحةِ المرمية بين المزارع، تلك التي بها الطيور، والحيوانات الأليفة، وحوض سباحةٍ، وصوت رجالٍ صاخبٍ من بعيد. ترفض ذلك، وتهدد بالصراخ، فتقفز لها [صديقتها]: ألا تخافين الفضائح؟
ويسقط في يدها! وهذه المرَّة تكشرُ هذه [القوَّادة] عن أنيابها. فهي ليست نسوية، ولا علاقة لها بأي حقوق، هي تبيع أجساد الفتيات، وهذه الفتاة التي جازفت في الخروج وقعت أسيرةً، وهُناك في [سناب شات] ما يكفي من الأدلة أنَّها: رقصت بثوب سهرةٍ قيمته 800 ريال!
مستأجر لمدة ليلة!
مستأجر لمدة ليلة!
وتصرخُ الفتاةُ،وترفض هذه الصفقة الخاسرة، وتهدد بالاتصال بالشرطة، تُصاب هذه التي كانت في بداية السيناريو نسوية، وأصبحت في نهايته [بائعة أجساد/ وسمسارة عُهر] بالخوف. تأخذها لمنزلها وتقول لها: إن قلت ما حدث لأحد، سأخبر عائلتك بكل شيء!
تصمت الفتاة رعباً وخوفا!
ولا يعلم أحدٌ بالحكاية!
تصمت الفتاة رعباً وخوفا!
ولا يعلم أحدٌ بالحكاية!
تعودُ هذه الطالبةُ البائسة إلى حياتِها كما كانت. قرصتها الحياةُ والمجازفةُ ولكنها تحمل السر الكبير معها. قررت أن تخبرَ به إنسانا يبدو لطيفا، قالت له الحكاية وطلبت منه كتمها. لقد كتمها، وكتم هويتها، لكنه أصيب بالذعرِ مما قد تفعله [بائعة الأجساد] التي تحملُ جزافا اسم: نسوية!
وأصيب هذا الإنسان بالصدمة! وعندما عرفَ قوَّة بائعة الأجساد، وخطرها عليه وعلى غيره، بل وربما نفوذها الشديد، أصيب بالمزيد من الخيبة تجاه الحياة! وتعاظم لديه الشعور بضآلةِ قدرته، وغرابة الموقف. أصيب بالحقدِ الشديد، وجن جنون غضبه، وبدأ هجومه الشاسع على جنس النساء بلا تمييز.
وأصبح مُرتابا، تحاصره الكوابيس، فتلك التي سمَّت نفسه نسوية، سممت كيانَه، ولم يعد يمايز، بين امرأة تطالب بحقوق المرأة في بيئة العمل، وإجازات الأمومة، وتلك الرقيعة الصفيقة التي لا قضية لها سوى الدفاع عن خطايا الأخريات، مهما كانت. المهم، أن يوضعن في خانةٍ واحدةٍ ويسحقن جميعهن!
هذا الرجلُ مقدم برامج تلفازية. ومع أن مجالَه الرئيسي هو أخبار السياحة، لكنَّه فقد أعصابَه، وإذا به يشنُّ هجوما شرسا، عن المؤامرة الماسونية الخطرة، ويعمم بطيشٍ بالغٍ. لم يكن يعلمُ أن بعضهن يمسهن الكلام لأنه حقيقي، وكثير منهن أُهنَّ بسبب ما قاله، لقد قدح دون أن يدري شرارة في قش هش!
وقوبل الهياج بالهياج، تقدمت مجموعة كبيرةٌ من الطالبات في مظاهرة حاشدة أما مبنى التلفاز يُطالبن بفصلِه من برنامجه السياحي، لأنَّه تحدث في برنامج آخر عن خطورة [الانحلال] وقرنَ النسوية بالعُهر وبيع الأجساد!
وأهانَ مجموعة [المرأة حياة] التي في الجامعة المجاورة لمبنى التلفاز!.
وأهانَ مجموعة [المرأة حياة] التي في الجامعة المجاورة لمبنى التلفاز!.
شعرَ مقدم البرامج السياحية بالذعر. فمديره المباشرُ كان أحد الرجال الأنيقين، المستفيدين من خدمات تلك الفتاة [الراقية] جدا، فتاة السهرات، والنبيذ، والبيانو، وعلى الجانب الأميرات الصغيرات، المبهورات بالملابس الفخمة، والعطور النادرة. هُدد بالفصل من العمل، فأصيب بالخوف على رزقه!
بعد مظاهرة الطالبات شاعَ عنه الكثير من الكلام. ولأن مديره كان قذراً، فقد فصله من العمل بتهمةٍ كيدية، في حالةٍ من الغضبِ، ذهب إلى مبنى الحزب السلفي، طالبا الغوث والحماية، فما كان منهم إلا أن قدموها له، نتيجة لعلمِهم بحقيقة مدير القناة، ومعرفتهم بوقائع بائعة الأجساد ذات النفوذ!
مرَّت سبعُ سنوات، وتخرجت تلك الفتاة التي أخبرته بالحكاية. أما تلك بائعة الأجساد، فقد ماتت في حادث سيارة بعد أن صدمت شاحنة نقل بضائع بعد أن أسرفت في النبيذ. أما داعية الضغط والإرهاق، فقد أصبح يصرخُ في برنامجه كل يوم. وعندما بزغ مفهوم النسوية الغربية، خصص له برنامج مباشر يومي.
واختلفَ الناس في حكايته. أما تلك الفتاة، فقد أصبحت مُعيدةً في الجامعة، وكتبت كتاباً عن تجربتها. كانَ المذيعُ الذي قاربَ الستين على الهواء مباشرةً، كتم ثلاثة اتصالات لفتياتٍ من خارج البلاد اتصلن ليشتمنه. أصبحت قضية حياته أن يتصدى للنسوية الليبرالية الغربية، ولم يعد يعبأ بشيء!
أخبرته متصلةٌ عن الكتاب، فقرأه ثمَّ غادر منزله. لم ينم طوال الليل، وعندما حان موعد برنامج المباشر، أخرجَ الكتابَ، وصرخَ في العالم: هذه هي الفتاةُ التي أخبرتني الحكاية! هذه ليست روايةً من الخيال، هذه الحقيقة، اسم تلك الميتة: فلانة، وهذه هي التي أخبرتني بالقصة التي كانت سبب جنوني!
شاع خبر المعيدة، وروايتها التي نُسبت للواقع. تضامنت مجموعة المرأة المُسلمة، مع جماعة المرأة أولا، وقدن مظاهرة حاشدةً ضدَّ ذلك الستيني، الذي أوقف برنامجه من البث. رفعت ضده القضايا، وفصله الحزب السلفي من العضوية، وصدر ضده حكم نافذٌ بتهمة التشهير، ومنع من التقاعدِ.
أعلنَ خبر وفاتِه في الجرائد. تعاطفَ الناس مع مأساته، وخرجت المعيدةُ في التلفاز لتعترف: نعم، هذه ليست حكاية كاذبة، لقد كان صادقا!
كُتبت عنه عشرات المقالات، وأبَّنه الحزب السلفي، وكتب عنه ثلاث قصائد رثاء. سافرت المعيدةُ إلى خارج بلادِها، وأصبحت عدمية تمقت كل ما له علاقة بالحياة.
كُتبت عنه عشرات المقالات، وأبَّنه الحزب السلفي، وكتب عنه ثلاث قصائد رثاء. سافرت المعيدةُ إلى خارج بلادِها، وأصبحت عدمية تمقت كل ما له علاقة بالحياة.
وهذه حكاية مقدم البرامج السياحية، الذي أصيب بالصدمةِ من حقيقة الواقع المرير. بعد سنواتٍ طويلة، كتبت الأستاذة الدكتورة فلانة عن حكايتها مع عالم الجريمة المنظمة، وكيف أنها فهمت متأخرا، أن الأمر لا يتعلق بالمناهج الفكرية، ولا السياسية، وأن تجارة البشر هي الخطر الكبير في هذا الكوكب!
وبعد سنوات وسنوات قرأ كتابَها مقدمٌ للبرامج الرياضية، أصيب هو الآخر بالصدمة، وبعد أن كان إنسانا لطيفا، إذا به يتحولُ إلى آلةِ دعايات، وفي قمة حماسِه شتم مديرة القناة وخاض نقاشا حادا معها، واتهمها بترويج الفسق والفجور، والرياضة النسائية المشينة!، رفعت عليه قضية مستعجلة!
سأله القاضي: لماذا شتمتها؟
أجاب: لأنَّ الفكر نسوي قذر!
ردَّ عليه محامي مديرة القناة: وهل هذا عذر لتكون قذرا؟
انتهى!
أجاب: لأنَّ الفكر نسوي قذر!
ردَّ عليه محامي مديرة القناة: وهل هذا عذر لتكون قذرا؟
انتهى!
وهذا الذي كُتب أعلاه، ضربٌ من ضروب التأمل بالخيال. فهي ليست قصة واقعية، ولم يمت أحدٌ فيها، ولم يصب أحد بالجنون، ولم تتدخل الأحزاب في حكاية مأساةٍ كادت أن تحدث. هذه حكاية من الخيال، عن أزمة المسميات، والتعميم، وعن صدمة حقيقة الواقع، وقسوة الحياة في هذا الكوكب التعيس!
جاري تحميل الاقتراحات...