منصور الحذيفي
منصور الحذيفي

@mansour1917

17 تغريدة 61 قراءة Jun 14, 2022
بهجةُ المُجالسة.. وحلاوة المؤانسة:
يتكرر هذا الموقف أمامي كثيرا: شخص يطلب من زميله في العمل أن يصعد معه إلى السطح أو يهبط معه إلى أسفل المبنى؛ ليُدخّنوا معًا! حتى التدخين يأنس أصحابه بالمشاركة! لاحظت أن رغبة الإنسان في المشاركة والمؤانسة تزيد إذا تعلّق الأمر بالمزاج
=
فالقهوة والشاي يغدوان بالمجالسة أشهى وألذّ، وتزيد تلك اللذة وترتقي بالمزاج أكثر كلما تجانسَ الجُلّاسُ وتقاربت أذواقهم، وتستحكم الوحشة في نفس ذلك الغريب الذي يجلس إلى طاولة المقهى وحده، والكرسي الفارغ في الطرف الآخر من الطاولة يُذكي شعورَه بالحرمان ويُذكّره بوحدته..
=
يقول الكاتب المصري عزت القمحاوي: "ليس هناك أكثر إثارة للأسى من طبق تُعِدُّهُ يدان من أجل فمٍ واحد!".
احملْ صاحبَك على متنِ الحديث:
يحدِّثُني أبي -في أحاديثه المأنوسة- عن رجلينِ في بدايةِ سفرٍ قال أحدُهما للآخر: (تشيلني وإلا أشيلك؟) أي: تحملني أو أحملك؟
=
فاستغرب الآخر، فبيّن له الأول أن المقصود: تبدأ الحديثَ أنتَ فتخفّف عني عناءَ السير، ووعثاءَ السفر.. أو أفعل أنا ذلك؟. ورأيتُ بعد ذلك أن هذه القصة تُحكى عن رجلٍ يُسمى (شنّ)، وهو الذي في المثل المعروف (وافق شنٌّ طبقة)
=
وكثير من القَصص الشعبي مأخوذٌ من كتب التاريخ والأدب والأمثال وإن صِيغَ بالعامية.
ولا يخفى على شريف علمك ورهيفِ إحساسك أنه حتى الأحزان والمصائب يخفّ وقعها على النفس حين يشاركنا فيها الأصدقاء والأحباب الأصفياء أو حتى العابرون
=
فما نسيَتْ عائشةُ -رضي الله عنها- امرأةً من الأنصار كانت تأتيها في أيام حادثة الإفك، وتجلس جوارها فتبكي معها وتُشاطرها ألمَها وتُواسيها بتوجُّعِها دون أن تنطق كلمة..
"فلا بُدَّ من شكوى إلى ذي مُروءةٍ
يواسيك أو يُسْلِيكَ.. أو يتوجَّعُ"
=
وما نسيَ كعب بن مالك فعلَ طلحة -رضي الله عنهما- حين نزل القرآن بتوبة كعب، فحكى كعب عن تهنئة المسلمين له على التوبة، فقال: "قام إليَّ طلحة بن عبيد الله يهرول، حتى صافحني وهنّأني، والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة"
=
هذه المشاركة الوجدانية لها فعلُ السحر في النفوس كلما عظُم الخطْبُ وقعًا، وزادتِ المصاعبُ ضراوةً.
ولا ينقضي طربي وإعجابي من هذا الحديث الآتي، فلنأخذه من فم صاحبه أبي بكرٍ الصديق -رضي الله عنه- فيما رواه الإمام مسلم -رحمه الله-..
=
قال أبو بكر:
"لَمَّا خَرَجْنَا مع النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ مَرَرْنَا برَاعٍ، وَقَدْ عَطِشَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: فَحَلَبْتُ له كُثْبَةً مِن لَبَنٍ، فأتَيْتُهُ بهَا فَشَرِبَ حتَّى رَضِيتُ".
=
"فشربَ حتى رضيت"..
يا الله! أيُّ بلاغةٍ هذه! وأيُّ صحبةٍ! وأيُّ حُب! وأي مشاركةٍ وجدانية! إني -والله- لا أجد في كلام البشر -بعد أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم- مما سمعت وقرأت كلمةً تبلغُ مبلغَ هذه الكلمة في حلاوتها وبلاغتها وإيجازها وصدقِ توصيفها للحب والحدَب!
=
هذا.. وقد تمدَّحَ حاتمُ الطائي بأنه لا يحب أن يستأثر بالزاد وحده، وكأنّ ما حازه من المكارم لا يكفي بدون هذه المنقبة العليَّة، فخاطب امرأته قائلا:
إِذا ما صَنَعتِ الزادِ فَاِلتَمِسي لَهُ
أَكيلاً فَإِنّي لَستُ آكِلَهُ وَحدي
=
كما تمدّحَ عروةُ بن الورد بذلك وفاخرَ خصمَه فقال:
إِنّي اِمرُؤٌ عافي إِنائِيَ شِركَةٌ
وَأَنتَ اِمرُؤٌ عافي إِنائِكَ واحِدُ
(العافي: الوارد إليه أو طالب الزاد، يقولون: عفاه واعتفاه، إذا طلب معروفه).
=
وهذا الشعر وإن كان يُذكر في سياق الكرم والإيثار، فإني أراه يُشير أيضًا إلى خُلُق المؤانسة، وفضيلة المشاركة.
ولا أملك وقد أطلت الحديثَ وأسرفتُ في الثرثرة في موضعٍ قد يناسبه الإيجاز والتخفيف= إلا أن أقف بالحديث عند هذا الحدّ، ثم أعترف لك أني أكتب لك هذه الخواطر عن المؤانسة
=
والمشاركة وأنا وحدي، أتجرّع مراراتِ الوَحدة، وإن كنتُ أجني من ثمارها هذه الكلمات، فأنا ممن إذا خلا فاضت مشاعره، وجادت خواطره، وممن إذا علا الصخب من حوله صَمَّ عن صوت قلبه، ورسيسِ وجدانه
=
ومن العجَب أن الإنسان إذا فقدَ أمرًا صحَّ تصورُه له، وقدَّره حقَّ قدره، وكأنه ينظر إليه من بعيد، ويشعر به أكثر، حين ينفصم عنه، فقد بدأتُ الكتابة في هذا الموضوع عفوًا، ولم أفكّر في سببه ومأتاه إلا عند نهايته، حين عرفتُ أن تلك الوَحدة كانت سببًا في الحديث عن الأنس.
=
وبعدُ.. فلن تلومني الآن إذا عرفتَ أني أُثير في نفسك هذه المعاني عن المؤانسة والمشاركة وأُذكي إحساسَك بها وأنا أجلس في (ديوانية قهوة) على الطريق، بلا أنيس ولا جليس، سوى أُنسِ الكتابة، وسعادةِ الكلمات.
@rattibha رتبها

جاري تحميل الاقتراحات...