20 تغريدة 4 قراءة Jun 13, 2022
( عمار الشريعي)
البصيرة النافذة في عالم الموسيقى
هذا الفنان المعجزة الذى خلق للموسيقى رونق ابداعى خاص و مميز ، هو ليس بالكفيف الذى فقد بصره بل هو صاحب البصيرة العميقة التي جعلته يرى الكون و الموسيقى رؤى العين، فقد تغلب على سجن العتمة بأن صنع مملكة يراها هو..و نراها نحن معه أيضاً.
فعالم "عمار الشريعي" يفيض بهاء و نورا، فيه كل صنوف المتعة الفنية، فحينما ألهمه الله بصيرة ثاقبة استطاع أن يرى ما لا يره من يبصر،
فمنذ طفولته المبكرة في محافظة المنيا بصعيد مصر و فقدانه للبصر و هو يعمل على تطوير ذاته ، فقد أشترى له والده بيانو للعزف عليه بجانب مهاراته في السباحة
و فى مرحلة التعليم الثانوي عمل بقوة على تطوير ذاته بمعدلات مرتفعة فتعلم العزف على البيانو و الاورج و الاوكرديون و الكمان والعود دفعة واحدة
و لم يكتف بذلك فالعبقرية الإبداعية غالباً ما تسعى للمزيد فدرس التأليف الموسيقي عن طريق مدرسة هادلي سكول الأمريكية لتعليم المكفوفين بالمراسلة
و عام ١٩٧٥ جاءت انطلاقته الأولى حيث قدم أول ألحانه مع الراحلة مها صبري فى اغنية" أمسكوا الخشب" و التى أظهرت أننا أمام عبقرية مميزة ستشق طريقها و بقوة رغم كل الاعاقات الموجودة ، متحديا فقد بصره فهو يبصر بقلبه مالم نره نحن، و استمر بنسج خيوط عالمه بصبر و هدوء لتفتح له القمة بابها
ثم يحل العام ١٩٧٩
و يحمل معه الانطلاقة الحقيقية الكبري لعمار الشريعى، حيث ُأسند إليه تأليف الموسيقى التصويرية لمسلسل " الأيام" عن قصة حياة طه حسين..و لم يكن عمار يكتب عن طه حسين فقط بل كتب موسيقاه معبراً عن نفسه فهو يمر بنفس المعاناة و يحمل فى أعماقه ذات الوجع، و نفس الامل..
يأتى عام ١٩٨٠
و هو يحمل فى طياته إضافة إبداعية ما زال صداها يتردد حتى الان حيث قام عمار الشريعي بكتابة الموسيقى التصويرية لمسلسل ( دموع في عيون وقحة ) الذى مازلنا نستمع إليه و نحن نتساءل عن عبقرية مميزة اودعها الله فى إحساس" الشريعي" فجعله يخرج لنا تلك الدرر البهية و الباقية
و من هنا كانت نقطة التميز..و لمع اسم عمار الشريعي كفنان متألق فى لمسته الموسيقية التى تمنح العمل الدرامي رونق خاص و صورة برؤية ممزوجة ببصيرة فنان مُلهم فهو ملك العود بلا منازع ، تستطيع أن تلمح يده الممسكه بعوده من خلال استماعك لأى عمل فنى فستعرفه بلا أدنى شك..وترياته تلامس نبضك..
و حينما أتجه عمار للسينما فقد دخلها بثقل غير اعتيادي و رصيد قوى من إبداع وتطوير للموسيقى يجعله فى مقدمة صُناع الموسيقى التصويرية..عام ١٩٨٦ قدم لنا تحفته الثرية في فيلم"البرئ" محطما كل قواعد الكتابه الموسيقية و مؤسسا لفكر موسيقي متميز ، جاعلا من آلام الناس معزوفه حية يتغنوا بها .
و حينما عاد للتلفزيون مرة أخرى قدم لنا تحفا فنية غنية مخلدة أبرزها موسيقى مسلسل"رأفت الهجان" التى صارت أحد أشهر الأعمال الفنية و الموسيقية قاطبة و ظلت تتردد بقوة حتى فى أيامنا هذه، و من منا لم يستمع إليها و يتأثر بها طول يومه رغم أنها كُتبت عام ١٩٨٧
هكذا هم الخالدون في الذاكرة..
كان خفيف الظل مبتسماً، يضحك بتلقائية و بساطته الشديدة جعلته محبوباً في كل الوسط الفني ، حتى فى ليلة زفافه على الإعلامية ميرفت القفاص و بحضور الراحل سمير صبري غنى عمار الشريعي و بصوته أغنية ( بطلوا ده و اسمعوا ده) كنوع من المشاركه المبهجة مع الحضور..
اى بساطة و تواضع أراه؟
و هناك دائما حالة من النضج الفنى تضع الموسيقار فى دائرة متقاربة من الابداع و التمكن
فحينما قدم لنا موسيقى مسلسل"ارابيسك" استطاع أن ينقل لنا بموسيقاه الثرية معانى تختص ليس فقط بفن الارابيسك بل قصد ان يوضح أن الأصالة باقية في الشخصية المصرية مهما حدث و أستعمل آلة القانون كأساس موحد
وتريات عمار الشريعي دائماً ما تلتحم مع العود لتصنع الصورة الصميمة لفكرة المشهد ، فهو دوماً ينسج المشهد فى عقله ثم يصدره إلى بصيرته و منها إلى الاته المختلفة ليمنح بموسيقاه حياة للمشهد ولعل موسيقى" حديث الصباح والمساء" بمثابة البوصلة التى تسير بنا نحو فكر الشريعى فى رؤية الموسيقى.
و فى مجال الأغنية قدم الشريعى عشرات الالحان المغناة بأصوات عمالقة الغناء المصريين، فقد كان علما من أعلام الأغنية الخفيفة ذات اللحن الرخيم ذو القوة و الأصالة..فلا تخلو أغانيه من العود او القانون و بصمته الخاصةلها طابع خاص جدا
أغنية بتسأل يا حبيبي التى غنتها عفاف راضي..بصوت الشريعى
و لازلت حتى الآن ابحث عن السر الذى يجعل" العود" يطيع افكار (الشريعى) و ينفذها بدقة متناهية تصل لحد الإبهار، لعله سرا يحتاج إلى دخول للعمق أكثر و قراءة لذات عمار الشريعي التى فاضت بقوة الأداء و البصيرة النافذة فهذا الاعجاز الموسيقى يمنحك أملا في الغد..هكذا صنع موسيقى مسلسل العائله
و حينما فكر في ان يمنح محبيه و جمهوره العريض فرصة ان يتذوقوا الموسيقى و يقرأوا لغتها الرسمية الناطقة على نغماته و لسانه قدم لنا برنامجه الشهير" غواص في بحر النغم" و بإيعاز من عبقريته الصميمة جعلنا نغوص معه فى بحار فنه و أمواج نغماته التى مازالت تُعزف في أعماقنا حتى اليوم.
و رومانسية الموسيقى لدى عمار الشريعي مرتبطة بشكل وثيق بما يشعره في أعماقه،ففي مسلسل" إمرأة من زمن الحب" استطاع أن يقدم و بمهارة صورة رومانسيه للزمن و للأشخاص و للحقيقة و للكون، قدم كل شيء بفكر يسوده فن البصيرة، اى عبقرية تلك تمنحك ان ترى بالروح صورة واضحة المعالم لا لبس فيها؟
و حينما كان يحتضن العود بين ذراعيه فهو بالتأكيد كان يمنحه قوة من اعماقه و لمحة من وجدانه و نب قلبه فتسري تلك القوة لتخرج لنا بمنتج فنى مؤثر و فعال ، إن لم تره ستشعر به، لأنه قادر على اختراق خلاياك و التحصن بها ،عمار له سطوة موسيقية فريدة تستشعر أثرها بمجرد أن تلامس موسيقاه آذناك.
و فى مسلسل" أميرة فى عابدين" قدم الشريعى صورة نوعية مختلفة لموسيقاه إن دلت فهى تدل على نضج موسيقي يسبق الوقت و يسرق الروح، فمازال عوده الأصيل يمنحنا طاقة كبيرة تسري في ارواحنا متمسكاً بقدرته على إختراق الأرواح بفنه و بقدرته على خلق حالة من الصخب داخل النفس.
و اتى مسلسل" أوبرا و عايدة" ليكمل ما قد نقص، فهو اللوحة الفنية الملونة برتوش بديعة المعنى تحمل في داخلها عمق الفن و قوة الاحساس و القدرة على فك طلاسم اللغز، إننا أمام حالة فنية فريدة لا تجد الكلمات لها وصفا فمهما كتبت عن عبقرية الشريعى فلن تسعفني الكلمات
ختاماً: يطول الحديث عن عبقرية الشريعى و أعماله التي أثرى الفن بها ،فهو باقي فى الذاكرة و القلب أيضا، رحل منذ ١٠ أعوام و صدى موسيقاه مازال ينضح على كل ركن من أركان الفن و الموسيقى، كان صاحب بصمة لن يكررها الزمن، و لمسته الفنية الخالدة ستظل دوما باقية مهما مر الزمن.
تمت.

جاري تحميل الاقتراحات...