زِيوس.
زِيوس.

@zeus494

35 تغريدة 10 قراءة Mar 12, 2023
"فينوس وتانهاوزر" للفنان الإنجليزي "لورانس كوي"
في اللوحة مشهد لا يتكرر كل يوم، الهة الحب فينوس الآلهة مطلقة الجمال والفتنة، ترتمي محاولة التشبث بفارس بشري فاني، تملأ عيناه الدموع بينما تملأ عيناها الرجاء!
بحكيكم قصة تانهاوزر الأسطورية بالإستعانة بأوبرا ريتشارد واغنر، أستمتعوا
بداية بعطيكم نبذة حول تانهاوزر، والي كان شاعر غنائي ألماني، سيرة حياته غامضة بس يرجح انه من عائلة نبيلة
يصور غالبا مرتديا زي فرسان التيوتون وهي طائفة عسكرية مسيحيّة قاتلت في الحملة الصليبية السادسة وكان عضو ناشط في البلاط، لكن بعد خلاف أشتعل مع زملاءه غادر البلاط إلى وجهة مجهولة!
نسنتج مما سبق أن تانهاوزر فارس، وشاعر أيضا، يؤلف نوع معين من الشعر الي نقدر نوصفه بأنه تأليف كلمات أغاني، يسمى هذه النوع Minnesang وهو نوع من أنواع الأدب الألماني، بعد النبذة نتجه نحو القصة، اجواء القصة أستمديتها من أوبرا شهيرة، لأن التفاصيل حول حياة تانهاوزر غامضة
المكان: مدينة آيزناخ، التابعة لمدينة تورينغن التي تتوسط ألمانيا، والتي تحتضن الأودية الطويلة وحوض تورنغن، وتحيط بها غابة تورنغن الكثيفة وجبالها العامرة
الزمان: أوائل القرن الثالث عشر
*الصورة عشان تساعد في تشكيل الإنطباع العام عن المنطقة والبيئة الخلابة الي أحتضنت احداث القصة*
حكم أصحاب الأراضي في وادي تورينغيان منطقة ألمانيا حول قلعة وارتبورغ، ولحسن الحظ، لقد كان الحكام في هذي المنطقة رعاة عظماء للفنون، تحديدا الموسيقى والشعر والرقص، فكانو يقوموا برعاية المناسبات الشعرية عمل مسابقات الشعر الغنائي بين عمال المناجم وسكان المنطقة بكافة مستوياتهم
كان الأدب هو الي يجمعهم، الي يجمع بين النبلاء والعمال، بين الأغنياء والفقراء، بين الرجال والنساء أيضا، كان الشعر يوحد الفروقات الإجتماعية في البلدة، وهذا الشي انشأ بيئة أدبية خصبة جدا ومن اجود البيئات الشعرية والأدبية في المنطقة
فأعتاد السكان والعمال على التوافد على هذه المناسبات الممتعة والمثرية، الي كان يحظرها امراء المناطق أنفسهم، ويستمع الأمير إلى قصائد الحضور سواء عامل منجم أو حاكم بلاط، من بين الفرسان والشعراء كان هناك شخصية لامعة جدا، تانهاوزر !
تانهاوزر بطبيعته الأدبية كان من دعاة أسلوب يسمى Leich، وكان من خلال قصائده يسخر من النوع التقليدي ويتهكم عليه بشكل حاد، حتى انه التابهوهات الدينية ويتطرق للتفاصيل الشهوانية، فكان من الشائع جدا انه تنشب الخلافات بينه وبين الآخرين، وهكذا كان خلافه الأخير سبب في مغادرته البلاط
على ضفاف الأودية الشاهقة، شاعت الأسطورة بأن هولدا آلهة الربيع تقطن هناك، أصبحت الأقاويل ترجح بأن هذه فينوس آلهة الحب الإغريقية، وتقع مغارتها السرية في موقع بين الأودية، شاع بأن آلهة الحب الوثنية سوف تجذب فرسان وارتبورغ الشعراء لعالمها السحري، حيث يأسرهم جمالها، ويأسرها كذلك شعرهم
تضيء مغارة فينوس بلون ذهبي ساحر، يلج ليجد بداخل المغارة عالم بحد ذاته، يضيئ المكان بأكمله، تلمع بحيرة زرقاء في أقصى المكان؛ وعلى ضفافها تستجم الحور الحسان، وتنضم أليهن الباخوسيات يشربن النبيذ، وتندفع ثنائيات العشاق تدريجيا ليعم السحر والرقص الجامح والحياة والحب في المغارة
عاش تانهاوزر في هذا السحر يوما تلو يوم، كل يوم يختلف بسحره وبيئته وطابعه، رأى ما لا يمكن أن يراه في عالم البشر، وتذوق ما لا يمكن تذوقه أيضا، أخذت الأيام تمضي تباعا، مع مرور الأيام حتى السحر والجمال والحور والآلهة والنبيذ يصبح شي إعتيادي، كلما يرغب فيه يوجد هنا في أرض فينوسبيرغ
تشبعت رغباته العطشى، نسج وصاغ العديد والعديد من القصائد والأغاني في ظل هذه الاجواء الساحرة الي سخرت له كل الطقوس الإبداعية، لكن شيء في داخله يتوق للحياة العادية، يتوق لأجراس الكنسية، وتحديات زملاءه الشعراء ومقارعتهم، وصعوبات الحياة ومتاعبها، وفصول السنة المختلفة وقصص العامة
قرر تانهاوزر بشكل قاطع أنه يرغب في العودة، كتب القصائد وختمها بقصيدة تكرم الآلهة فينوس على كل شيء قدمته لأجلها، وأختتم القصيدة بنداء جدي "من مملكتك علي أن أغادر، ملكتي أيتها الآلهة، حرريني"
أنصدمت فينوس من رجاءه، وهرعت في تقديم المزيد من السحر لأجله، والمزيد من المحاولات لإثناءه، تشبثت الآلهة بالبشري الفاني لتقنعه على البقاء، بينما استمر في الإصرار على الذهاب، قلت لكم هذه قصة لا تتكرر كل يوم!
أشتاط غضب الآلهة الجليلة فينوس من إصرار هذا البشري المفتونة به، ووصل غضبها آخره عندما توسل وصلى لمريم العذراء، فنبذته من فينوسبرغ، فجأة وجد نفسه في العراء، اختفت المغارة، اختفت فينوس، وكأن كل شيء لم يكون، وكأنما كل شي كان عبارة عن حلم طويل ولذيذ وساحر
يهيم على وجهه لأيام، يتضرع فيها للرب رغبة في التوبة والتكفير عما قام به، تانزهاور من بيئة مسيحية متدينة، حيث يعتبر الي ارتكبه جرم كبير ولا يغتفر، أشرك بالرب وأتبع هوى آلهة وثنية، لذلك أستمر في الصلوات يوما بعد يوم، في منطقة ليست ببعيدة عن بلدته وارتبورغ، الي ما تجرأ للعودة لها
استمر تانهاوزر في الإنكفاء يأكل من مراعي الأرض، حتى صادف مجموعة من الحجاج العائدين من روما، ولما تقابلو، لقى انهم اصدقائه من عمال المناجم، كان قد مرت سنة ونيف على مغادرته، تبادل معهم الحكايا والذكريات اللطيفة والمشوقة والمغامرات
كان كلما سألوه عن إختفاءه يتهرب من الإجابة، لأن لو عرفوا انه كان في كنف آلهة وثنية فهذا الشي بيعرض حياته للخطر، عشان كذا كلما دعوه للعودة إلى البلدة، كان يجيب بالرفض!
حتى ذكروا له أن إليزابيث أخت الأمبراطور شغفت بشعره وسحرها بأغانيه الي تركها هناك!
وأن بعد مغادرته لم تعد تحضر منافسات الشعر بعد وخفت دعم هذه المسابقات، وقالو له "عد وأعدها ألينا لتضيء عالم الشعراء من جديد"
عند ذكر اليزابيث ضعف تانزهاور، لم يكن يتوقع أن من الممكن أن يحصد إعجاب اليزابيث والي كان بالمناسبة معجب بها بشدة، فوافق ورجع معهم للبلدة
عاد تاونهاوزر للبلدة مع رفاقه، أستقبله سكان البلدة جميعا صغارا وكبارا عمالا وأباطرة، فرحين به وبعودته الي اعادت الروح للمكان، يدخل تانهاوزر البلاط ويستقبله الامراء والشعراء والنبلاء والأميرة اليزابيث بدورها، وبهذه المناسبة العظيمة يعقد الأمبراطور مسابقة شعرية على شرف تانهاوزر
وقام الحاكم بتنصيب اليزابيث كحكم للمسابقة، والقصيدة التي تفوز سيستطيع صاحبها الفوز بأي طلب من اليزابيث، وبالطبع كان الطلب البديهي هو طلب يدها، فعشان كذا متوقع تندلة منافسة شرسة
كان موضوع المسابقة يدور حول سؤال "ما هو جوهر الحب؟"
تقدم الفارس الشاعر الأول وولفرام، والي كان صديق لتانزهاور وكان ايضا بدوره مغرم جدا باليزابيث ويتمنى منها ألتفاتة حب ناحيته
بدأ وولفرام في إلقاء قصيدة عن الحب اللطيف والعذري وصفق له الحضور، تبدو على تانهاوز ملامح الإمتعاض تجاه القصيدة الركيكة، لكنه يكبح نفسه
يتقدم الشعراء واحد تلو آخر، لإلقاء القصائد حول الحب والعفة والشرف، يعترض تانهاوزر بصوت عالي ويوبخ الشعراء على هذا الأداء الي يفتقد العاطفة!
هذه القصائد المبتذلة الخالية من الشغف والرغبة والقبلات الرطبة وإلتحامات الأجساد المتعرقة لا تعبر عن جوهر الحب، هذا إبتذال محض لا عاطفة فيه!
تتوتر الأجواء ويتصعد الوضع، يرفع الفرسان سيوفهم ويتهمو تانهاوزر بالتجديف والطعن في فضيلة وشرف المرأة المسيحية، ترتبك إليزابيث وتتمزق بين نشوة الطرب الي يبعثه تانهاوزر وبين القلق من ردود فعل الحضور
يحاول الإمبراطور تهدئة الوضع وإعادة الأمور إلى الإستقرار لإكمال الأمسية
في خضم كل هذا، كما لو أن تانهاوزر غائب عن الوعي، ينتصب على قدميه ويغني أغنية مليئة بالأبيات الشهوانية والنشوة لفينوس "إليك ، إلهة الحب، يجب أن تدوي أغنيتي"
أطبق الصمت ووصل الموقف إلى أوج حدته، ادرك الحضور أن تانهاوزر كان في فينوسبيرغ، مشركا بالآلهة ومتبعا اهواءه الكافرة
تغادر النساء بسرعة من القاعة،يتجمع الفرسان يشهرون سيوفهم في وجه تانهاوزر، يحكمون عليه بالموت بينما يتفق الحاكم
تهب إليزابيث لحمايته بجسدها، تنقذه وتوقفهم، وتقول لهم لندع الأمر للرب أن يقرر مصيره، نعطيه فرصة أخيرة ليذهب للتوبة إلى روما، فإذا قبل البابا توبته ينجو، وإلا فينفى للأبد
يوافق الامبراطور والحضور على إقتراح اليزابيث، وبدوره بدأ تانهاوزر في حزم أمتعته للمغادرة للحج مع مجموعة من الحجاج، في روما سوف يتقرر مصير تانهاوزر
يغادر ويلمح اليزابيث راكعة للعذراء تدعو ان تقبل توبته، ترجوا أن يعود محبوبها، لا تكاد تصدق انه عاد وإذا به يغادر مجددا
ظلت اليزابيث تنتظر الأيام والليالي، بلا كلل أو ملل، عند نافذتها المطلة على مدخل البلدة التي سيدخل الحجاج من خلالها، تأملها وولفرام طويلا واستشعر مدى شغفها وأملها الكبير بعودة تانهاوزر، حتى جاء يوم عودة الحجاج، الطبول تقرع والحجاج يدخلون البلدة، تهرع على عجل تبحث عن تانهاوزر بينهم
لكنها لا تجده، تحاول البحث عثبا حتى يتملكها اليأس، واستوعبت أن توبته لم تقبل، فكان عليه أن يفي بالإتفاق ولا يعود للبلدة أبدا، تنهار اليزابيث في مكانها، يلمحها وولفرام ويحاول مساعدتها، لكنها تشكره بلطف وتطلب منه ان يتركها بحالها ويتركها لمصيرها، انها ترى موتها، العذراء تنتظرها
تنبأت اليزابيث بموتها ويبدو انها تقبلت ذلك بروح راضية، ويبراقبها وولفرام ويعلم ايضا بدوره انها تنبأت بموتها، فيبدأ في الترانيم الحزينة لإليزابيث المسكينة، يمضي بلا وعي حتى يغادر حدود البلدة يتملكه الحزن والحسرة على روح اليزابيث، فإذا به يصادف تانهاوزر ووجهه قد شحب لونه
كان من الصعب جدا التعرف على تانهاوزر الذي يبدو شاحب جدا ومرهق جدا وتبدو عليه ملامح الإعياء، حتى انه كان يتكئ على عصا ليتمكن من مواصلة الطريق، يسأله وللفرام عن وجهته، يقول له تانهاوزر بأنه يبحث عن وجهته مجددا نحو فينوسبيرغ، نحو مغارة آلهته المحبوبة فينوس، وفي كنفها
يحاول وولفرام ان يردعه بكل الطرق، لكن تانهاوزر مصر على رأيه، يخبره تانهاوزر كيف انه وصل الى روما ودخل ومعه كافة المذنبين، ولكن عندما وصل دوره الى المتحدث بإسم الرب، لم يقبل توبته، وبدلا عن ذلك، قال له أنت ملعون إلى الأبد، ملعون
فلم يجد عالم يقبله مثل فينوسبيرغ، مثل فينوس
بعد أن انتهى من سرد قصته لوولفرام، ينادي فينوس لكي تأخذه "اليك يا سيدتي فينوس أعود، فأقبليني"
بدأت صورة باهتة بالرقص والتموج أمامهما، ظهرت وهي ترحب به فاتحة ذراعيها وتؤنبه قليلا "اهلا أيها رجلي الجاحد، أهلا بك يا عبدي المتمرد"
يتأمل وولفرام هذا الوضع المجنون وهو عاجز عن عمل شيء، يتذكر فجأة الكلمة الوحيدة القادرة على التأثير على تانهاوزر "اليزابيث"
وصرخ وولفرام بإسم اليزابيث مرارا وتكرارا، وعند صراخه بإسمها تقترب المشاعل وتظهر مسيرة جنائزية، يدرك وولفرام ان هذا جسد اليزابيث وانها قد ماتت في هذه اللحظة
عندما يرى تانهاوزر جنازة موت اليزابيث وراء الأفق، يفهم ويدرك أنها دفعت روحها فداء له، فيصرخ بدوره، "اليزابيث لقد خلصتني، انت خلاصي"
وتنفجر فينوس في الغضب "لقد خسرتني، لقد خسرتني للأبد" وتختفي مملكتها مجددا، ويهرع تانهاوزر نحو الجنازة لحمل نعش اليزابيث يهمس "قديستي، صلي لأجلي"
##

جاري تحميل الاقتراحات...