ولد هارون الرشيد في مدينة الري في بلاد فارس في سنة (149 ه / 766 م) و هو ثاني ابناء محمد المهدي الذي كان واليا على اقليم خراسان و طبرستان في عهد ابوه الخليفة ابو جعفر المنصور
و في عام (151ه / 768م) عين ابو جعفر المنصور محمد المهدي وليا للعهد فانتقلت اسرة هارون الرشيد من مدينة الري الى بغداد و تربى هارون الرشيد بين الامراء العباسيين و تلقى العلوم و القرآن و السنة على يد أفضل علماء عصره و عين محمد المهدي يحيى بن خالد البرمكي مربي و كاتب لابنه هارون
و غي عام (158ه/774م) تولى المهدي الخلافة بعد وفاة والده ابو جعفر المنصور و أراد المهدي تدريب ابنه هارون على الفروسية في سن مبكر لكي يصبح مجاهدا عظيما في المستقبل و في عام (163ه/779م) ارسل المهدي ابنه هارون على رأس جيش يضم العديد من الامراء لغزو الروم و كان عمره 15 سنة فقط
و رغم صغر سنه الا ان هارون الرشيد استطاع اثبات كفاءته بفتح قلعة رومية بعد حصار طويل و مكافأة له عينه والده واليا على اقليم اذربيجان و ارمينيا و بعد نجاح الحملة العسكرية بسنتين ارسله والده المهدي على رأس جيش آخر الى بلاد الروم
و استطاع الجيش العباسي هزيمة اثنين من الجيوش البيزنطية ووصلوا الى مضيق البسفور الذي تطل عليه القسطنطينية مما دفع الامبراطورة ايريني الى طلب الصلح مقابل جزية سنوية تدفعها
في هذا الوقت كان الهادي موسى أخ هارون الرشيد الأكبر وليا للعهد و كان الرشيد ولي ولي العهد فاقترحت زوجة المهدي (خيزران) خلع الهادي من ولاية العهد و تعيين هارون لذكائه و كفاءته فأرسل المهدي الى ابنه الهادي يطلب منه العودة لبغداد لكنه رفض
فخرج المهدي على رأس جيش كبير لمواجهة الهادي و لكن في اثناء مسيرة الجيش تنتهي حياة المهدي بشكل مفاجئ و أعلن هارون التبعية لأخيه و بايعه بالخلافة و لكن حكمه لم يدم اكثر من سنة و نصف ليتولى من بعده هارون الرشيد الخلافة
تولى هارون الرشيد الخلافة عام (170ه/786م) وهو عمره 22 سنة و كان اول اعماله تعيين يحيى البرمكي وزير له و اعطى البرامكة سلطات واسعة بالدولة فعين فضل البرمكي نائبا على جميع ولايات المشرق و عين جعفر البرمكي نائبا على الشام و جميع ولايات المغرب
امر الرشيد ببناء مدينة طرسوس و التي كانت من اهم المناطق الحدودية المحصنة للمسلمين مع الروم و في هذه الفترة استطاع ادريس بن عبدالله الفرار من الحجاز الى بلاد المغرب و أسس فيها دولة الأدارسة لتكون ثالث دولة تنشق عن الخلافة العباسية و فشلت جميع محاولات العباسيين لاستعادتها
و اعلن ابراهيم بن الأغلب والي افريقية تأسيس دولة الأغالبة في طرابلس مع التبعية الاسمية للعباسيين ، و كانت سياسة هارون الرشيد تجاه بلاد المغرب و افريقية و الأندلس قائمة على الاعتراف بالامر الواقع و اصبح انقسام العالم الاسلامي و قيام دول مستقلة عن الخلافة امر لا مفر منه
في هذه الاثناء كان هارون الرشيد يرسل عدة حملات عسكرية خلال فصل الصيف ضد الروم و كانت الامبراطورية البيزنطية في هذا الوقت تحكمها الامبراطورة ايريني كوصية على عرش ابنها قسطنطين السادس لكنها قررت خلعه و الانفراد بالحكم و عقدت صلح مع هارون الرشيد مقابل جزية سنوية
و في عام (186ه/802م) قام وزير المالية "نقفور" بخلع الامبراطورة و اعلن نفسه امبراطور على الروم و كان اول اعماله الامتناع عن ارسال الجزية السنوية للخلافة العباسية و أرسل لهارون الرشيد رسالة يقول فيها :
"من نقفور ملك الروم الى هارون ملك العرب اما بعد ان الملكة ايريني التي كانت قبلي اقامتك مقام الرخ و اقامت نفسها مقام البيدق و حملت اليك من اموالها ما كنت حقيقا بحمل امثالها اليها لكن ذلك ضعف النساء و حمقهن فاذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من اموالها والا فالسيف بيننا و بينك"
و عندما قرأ هارون الرشيد الرسالة غضب غضبا شديدا و كتب له : "بسم الله الرحمن الرحيم ، من هارون أمير المؤمنين الى نقفور كلب الروم ، اما بعد فقد قرأت كتابك و الجواب ما تراه دون ما تسمعه"
و خرج هارون الرشيد على رأس جيش كبير و توغل فالاناضول حتى وصل الى مدينة هرقلة و دمر جميع تحصيناتها و اخذ العديد من الغنائم و الأسرى فطلب نقفور الصلح مقابل دفع جزية سنوية
و بعد الانتصار على الروم ذهب هارون الرشيد الى الحج و كان معروفا عنه انه يحج عاما و يغزوا في العام الذي بعده
كان البرامكة معروفين بكفائتهم في ادارة شؤون الدولة لكن زيادة نفوذهم في الدولة بشكل كبير دفع هارون الرشيد للتخلص منهم فيما عرف بنكبة البرامكة فأمر بسجنهم و صادر جميع اموالهم و هذا بعد رجوعه من الحج
انتشر في عهد الرشيد الامن و السلام و كانت الدولة العباسية هي اقوى و اغنى دولة في العالم وقتها و يقال انه في نهاية عهد الرشيد كان في خزينة الدولة العباسية 900 مليون درهم
كان للرشيد ميول ادبية و كان محبا للشعر و الادب و اللغة العربية و لم تكن مجالسه تخلوا من الشعراء و من اشهرهم الشاعر ابو العتاهية و قام الرشيد بتأسيس مكتبة بيت الحكمة و التي كانت مفتوحة امام العلماء و الكتاب و الأدباء و كانت تحتوي على قرابة المليون كتاب
و بدأت بغداد خلال فترة حكم الرشيد بالازدهار و أصبحت مركزا للمعرفة و التجارة و اهتم الرشيد بالترجمة و في عهده تم ترجمة العديد من الكتب مثل كتاب "الأصول في الهندسة" لإقليدس
هارون الرشيد خليفة و حاكم و قائد عظيم و ليس زير نساء او شخصا غارقا في الفساد و الشهوات كما تصفه المسلسلات العربية او كما صوره كتاب "الف ليلة و ليلة" و إلا لكانت انهارت الدولة العباسية في عهده لكن الي صار العكس تماما و اصبحت الدولة العباسية الاقوى في العالم وقتها
توفي هارون الرشيد في مدينة طوس في بلاد فارس في عام (193ه/809م) بعد ما استمر بالحكم لمدة 23 سنة ، رحمه الله تعالى و اسكنه فسيح جناته .
انتهى الثريد ، فضلا لا تنسوا اللايك و الريتويت ❤
جاري تحميل الاقتراحات...