زيد مكي
زيد مكي

@zaidmaki00

15 تغريدة 15 قراءة Jun 07, 2022
لَهْجَةٌ غِبْتُمْ عَنْهَا
العالم مملوء بالعلماء والمفكرين المصلحين الذين خرقوا حاجز زمانهم وحلقوا إلى أمكنة يحسبها مقدسو السلف انحرافًا وضلالًا، ولا ريب أن كل عملاق من هؤلاء العمالقة تجرع كأسًا من أذى وتضييق الجهلاء،
ولكنه لا يجزع عن طلب الحق مهما قسا عليه الدهر، ولا يكاد يخلو أي مجتمع من المصلحين والمجددين الذين وهبوا أنفسهم لإصلاح ما تبقى من الضياع والهبوط المعرفي.
الباحث والمفكر يحتاج إلى من يعقل ويعي ما يقول لتجنب الاتهامات التي يرمى بها والتي تلطخ جوهر المسألة بالكراهية، أما المقاطعة وإثارة الضغائن لا تجدي نفعًا مهما طال بها الزمان.
ومن الجدير بالتعجب أنك إذا سألت أحدهم هل قرأت شيئًا من كتبهم أو هل استطعت أن تكمل محاضرة من محاضراتهم؟ غالبًا تجد استطرادًا حماسيا بالنفي ويقول كلا وألف كلا! لا يجوز الاستماع إلى أهل البدع والضلال، بل واجب على الجميع مقاطعتهم والابتعاد عن كل ما يتعلق بهم!
إذن كيف ستعرف الحقيقة إذا فرضت على نفسك حواجز وهمية لا أصل لها؟! لا تقل لي أمرني مولاي وشيخي. لا يا سيدي، انتبه، الحق لا يعرف بالرجال!
لا تنفك الملابسات ولا تكشف الحقائق إلا بالعلم وبالاصرار عليه، فطريق البحث ليس طريقًا يسيرًا يحظى به كل من لبس لباس العلم وإنما يتحقق بالجهد والمثابرة واستشعار مراقبة الله قبل أن نطلق أي حكم على مخالفينا.
فدع عنك الغوغاء الملتهبة وقاوم هيمنتها الضارية لكي تتسنى لك رؤية الحق، وجانب كل جاهل يجرك نحو القيل والقال وابحث عن الصواب بنفسك متجردًا من كل عنت وتعصب،
وحتمًا ستصل إلى نتيجة يطمئن لها قلبك وإن أدى ذلك إلى سخط الناس، فالمهم هو ما تحدثك به الفطرة وليس ما يفرضه عليك المتعصبون، وكل ذلك لا يتحقق إلا بالصبر والهدوء.
أما المتعجلين فلا صبر ولا تريث عندهم، يسألونك سؤالًا ويريدون منك أن تجاوب إما بنعم أو بلا، وإن لم تفعل، نعتوك بالمكر والخداع واللف والدوران.
أساسًا لا قدرة لهم لاستماع الجواب المفصل لأنهم يعيشون وهمًا معرفيًا يحسبون أنهم أصابوا الحقيقة، والآخر يمارس الدجل والحيلة لا شيء غير ذلك.
لعل الذي يلقي بنظره إلى الواقع المعاش من دون تدقيق وتفحص، يرى بأن حمَلة الشعارات يكنّون احترامًا وتقديرًا للعلماء بل لكل العلماء الذين زوّدوا هذا العالم بعطائهم من دون استثناء، ولكن هذه نظرة لا واقع لها، والواقع يقول عكس ذلك تمامًا،
لأنك إذا أمعنت النظر جيدًا ستنجلي لك العداوة والبغضاء الصادرة من ألسنتهم التي ظاهرها تقرب إلى الله وباطنها مخالفته، فهم يمجّدون ويمدحون العلماء الذين رضوا بهم وفقط، لا لأنهم من أهل العلم بل لأنهم يكتمون الحقائق ويعرضون ما يوافق الحشود والجماهير.
أما الذي يمارس الإصلاح والتجديد فهو للكفر أقرب وللإيمان أبعد وإن كان تراثه وعلمه يفوق تراث نخبة من الأعلام.
المشكلة أن أسماعنا اعتادت على خطاب مستهلك تفوح منه رائحة القدم لا جديد فيه، وما دمنا نعشق هذا الخطاب الذي عفى عليه الزمن لن نكون مؤهلين لتلقي ما ينسجم مع العصر، ولن نعي خطاب أي مصلح ما دمنا نوهم أنفسنا بالاكتفاء المعرفي.
ولذلك يعاني المجدد من جهل عاشقي الخطاب القديم، ويعيش ويموت غريبًا بين أشباه العلماء والرجال إلى أن يأتي زمان يُعرف فيه قدره وحجمه.

جاري تحميل الاقتراحات...