ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

25 تغريدة 71 قراءة Jun 06, 2022
لم يكن براديب راثود المزارع الهندي الفقير، يدري أن مجرد امتلاك حصان والسير به في شوارع قريته سيكون ثمنه الضرب المبرح حتى الموت، لماذا قد يقتل أحدهم لأنه امتطى حصانا؟! ولماذا قد تحرم الهندوسية على هذا الرجل ذك الفعل؛ وكيف تسوغ لإهدار دمه واضطهاده وملايين آخرين..
حياكم تحت
قبل العام 1750 قبل الميلاد كان يعيش في الهند سكانها الأصليون من الدرافيديين، وهم ذوي بشرة سوداء، قبل أن يفد إليهم من الشمال الغربي للهند غزاة من القبائل الآرية بيض البشرة، حيث تمكنوا رغم عددهم القليل من السيطرة على الشمال ثم كامل بلاد الهند.
استطاع الآريون أن يصلوا إلى تلك السيطرة بفضل ما امتازوا به من معدات عسكرية متقدمة وعقلية شرهة لا ترضى بأقل من السيادة، ووسط هذا التفوق العسكري والسيطرة المطلقة وامتداد الزمن بهم على هذه الأرض؛ قرروا أن يميزوا أنفسهم وأن يضعوا ذواتهم في مرتبة عالية والبقية دونهم.
أسرف الآريون في تقسيم الناس على حسب ألوانهم وشكل أنوفهم فضلًا عن مهنهم، ذلك التقسيم لم يكن يتعد في حينذاك حدود الزواج، حيث حرموا زواج تلك الأقسام من بعضها البعض، ولم يفعلوا ذلك الأمر إلا رغبة منهم في المحافظة على عنصرهم الآري من الضياع.
في تلك الفترة كانت الهندوسية تشب على الطوق وتحاول أن تتلاقى مع نصوصها وتبلور ذاتها أكثر. وعلى الرغم من انقضاء زمن الآريين وانفتاح الهند على زمن جديد، إلا أن الكتب والمدونات الهندوسية التي خُطت في تلك الفترة تأثرت جدا بما تركه الآريين من تقسيمات طبقية.
كرست مدونة مانو -المقدسة لدى الهندوس- للطبقية الاجتماعية في الهند بشكل صارم، فصنفت المجتمع إلى أربع طبقات هم البراهمة والكاشتر والويش والشودرا، تلك الطبقات التي امتزجت بعادات وأعراف المجتمع الهندي حتى جعلته مفككا تنخر فيه الطبقية ويزدهر فيه الحقد.
البراهمة يمثلون قمة الطبقات الاجتماعية في الهند، حيث يعتقد الهندوس أن الإله خلقهم من فمه، وبالطبع يشغلون أرفع المناصب فمنهم المعلم والكاهن، والقاضي، ولهم يلجأ الجميع في حالات الزواج والوفاة، ولا يجوز تقديم القرابين إلى الآلهة إلا في حضرتهم، ولهم الحق حصرًا في تفسير الكتب المقدسة.
الطبقة الثانية في التصنيف الهندوسي هم الكاشتر، حيث يعتقدون أن الإله خلقهم من ذراعيه، ويضطلع أفراد هذه الطبقة ببعض المهام المهمة مثل حمل السلاح وقيادة الجيوش وصولا إلى الحكم، أما طبقة الفايشيا وهي الطبقة الثالثة، فمنهم التجار والزراع، والذين يعتقد الهندوس أنهم خلقوا من فخذي الإله.
الطبقة الدنيا والأقل شأنًا في هذا التصنيف هي طبقة الشودرا، والتي يعتقد الهندوس أنها خُلِقت من قدمي الإله، وأفراد هذه الطبقة هم العمال وممارسي المهن اليدوية، وهؤلاء مسخرون في العادة لخدمة كل الطبقات الثلاث التي تعلوهم، لكن لحظة .. هناك ما هو أدنى من ذلك!
إذا لم تكن ضمن هذه الطبقات الأربع، فأنت خارج التصنيف وبالتالي منبوذ من العرف الاجتماعي، فيما يعرف في الهند باسم طبقة الداليت، والتي يمثل الهندوس السواد الأعظم منها، بالإضافة إلى كثير من القبائل ذات الديانات الخاصة فضلًا عن أقلية مسلمة، وهذا النبذ يترتب عليه كثير من الأشياء.
المنبوذون القذرون الأنجاس تلك هي بعض المسميات التي تطلق على طبقة الداليت، تلك الطبقة التي يوكل إلى أفرادها أداء مجمل الوظائف البغيظة أو الأقل شأنًا، مثل تنظيف المراحيض وإزالة الفضلات والقمامة والتخلص من الحيوانات النافقة، ودبغ الجلود والتعامل مع جثث الموتى.
تلك الأحكام لم تترسخ في العقل الجمعي الهندي من فراغ، وإنما جاءت بناء على نصوص قانون منو الهندوسي المقدس، والذي تتضمن نصوصه كثير من البنود المنظمة لعيش هذه الطبقة، فهم في هذا القانون أحط من البهائم، وأذل من الكلاب، وكفارة قتلهم تعادل تماما قتل كلب أو قطة أو ضفدعة أو وزع.
لا يجوز للداليت أن يسكنوا في القرى، بل يجب أن يعيشوا على أطرافها وفي تجمعات خاصة بهم، بحيث لا يلوث وجودهم المادي القرية، ليس هذا فحسب، بل يجب أن تكون منازلهم أدنى شأنًا من الجميع، حيث كان الأمر قانونيًا في القرن الماضي حرمان تلك البيوت من المرافق العامة مثل الماء والكهرباء.
يتجنب المجتمع الهندي بطبقاته المصنفة الداليت أو المنبوذين بكل الصور الممكنة، فهو ينظر لهم على أنهم نجس، لذلك لا يقبل ذهابهم إلى المعابد، ويحظر عليهم في الأماكن الريفية الذهاب للحلاق أو استخدام نفس البئر الذي يستخدمه المصنفون.
يحظر على الداليت كذلك استخدام طرق القرية العامة، إذ تخصص لهم طرق فرعية، كما يحظر عليهم تناول الطعام في المطاعم التي يتواجد فيها أي من أفراد الطبقات العليا، أما المقاهي العامة فيخصص لهم مقاعد منفصلة، كما تخصص لهم أكواب وأدوات لا تتعداهم لغيرهم.
من المحظورات التي تتم بحق الداليت كذلك تربية الشارب، وارتداء الأحذية واستخدام المظلات أمام أي من أفراد الطبقات الأخرى. ويخصص للداليت أراض منفصلة عن بقية الطبقات لدفن موتاهم أو بالأحرى حرقهم، كما أن من حق الجميع التعامل مع المنبوذين على سبيل السخرة ودفع أقل الأجور.
حين حل البريطانيون في الهند واحتلوها عام 1858 نظروا في المجتمع الهندي فوجدوه على تقسيماته المجحفة، فما كان منهم إلا أن كرسوا لتلك التقسيمات ضمن التشريعات والقوانين، حيث أصبحت المناصب العليا في الدولة من نصيب البراهمة، أما الداليت فقد زادت مهانتهم بشكل غير مسبوق.
مع استقلال الهند، ومع بزوغ شمس الحرية، حظر مؤسسو الهند الجديدة التمييز الطبقي واعتبروه من آثار الماضي، ومن أجل دفع المجتمع لتقبل هذا الحظر ومجافاة الماضي، أقر الدستور الهندي الذي صدر عام 1950 التمييز الإيجابي والذي يخصص نسب من الوظائف والمناصب لكل الطبقات.
كان هذا التشريع محمودًا في كونه واجه ذلك التمييز المتفشي بين أبناء المجتمع، ومن ثماره أنه فتح المجال لاعتلاء أحد الداليت قمة هرم السلطة في الهند، نعني هنا انتخاب كوشريل رامان نارايانان، رئيسا للبلاد بين 1997 – 2002، لكن لم يغير هذا الكثير بالنسبة للمجتمع.
لا تزال قطاعات من المجتمع الهندي حتى اليوم متمسكة بتلك الطبقية المقيتة، التي لا تجيز زواج تصنيفاته المختلفة من بعضها البعض، ولا سبيل فيها أبدًا للتواضع، فيما تصب الطبقات العليا جام غضبها على المنبوذين، فيتعرضون لانتهاكات وفظائع ومذابح لا تنتهي، لكن لماذا؟!
تعتقد الهندوسية بتناسخ الأرواح، وتعتقد كذلك بأن الأرواح الشريرة والمتمردة التي اقترفت من الذنوب والآثام ما لا يحصى في حيواتها الأولى، قد عوقبت بالحلول في أجساد هؤلاء المنبوذين، لذا فمن وجهة النظر الهندوسية المنبوذين حقيقين بما هم فيه من عذابات نتيجة لما كان منهم سابقًا.
لذلك لا استغراب الآن من ذاك التعامل البشع الذي يلاقيه المنبوذين من قبل الطبقات الأخرى، فهم يعاملونهم هكذا على سبيل التقرب للآلهة، ولا استغراب كذلك من خلو التاريخ تقريبا من ثورات من قبل هؤلاء الداليت، فهم يرون دينيًا أنهم يستحقون ما هم فيه من عذاب.
يقدر عدد المنبوذين في الهند بنحو 200 مليون نسمة، يتعرضون لأبشع جرائم العنف يوميًا، فاثنين من الداليت يعتدى عليهم كل ساعة، و 3 نساء من الداليت يتعرضن للاغتصاب كل يوم، ويقتل اثنين منهم، ويحرق بيتين من بيوتهم يوميًا، وهذا ما يتم الإبلاغ عنه فقط، وذلك بحسب ناشونال جيوغرافيك.
تعرف تلك الظاهرة التمييزية ضد الداليت باسم حظر المساس، والمفاجأة أنها كظاهرة لا ينحصر إتيانها على المجتمع الهندي، بل تعمد بعض المجتمعات إليها بنسب أقل مثل المجتمع الياباني ضد البوراكومين والمجتمع الفرنسي ضد الكاجوت والمجتمع اليمني ضد طبقة الأخدام.
ختاما :
التمييز والطبقية لعنة إنسانية.. يجب علينا جميعا أن نرفضها.. أتذكر في هذا المقام كيف آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أتباعه، فذاك فارسي وذاك رومي وذاك حبشي وهذا عربي، كلهم يتلاقون على الإسلام دون أي تفريق أو ترتيب.
#إلا_رسول_الله_يا_مودي

جاري تحميل الاقتراحات...