د.ملاك الجهني Malak Aljuhan
د.ملاك الجهني Malak Aljuhan

@Malakii11j

38 تغريدة 101 قراءة Jun 11, 2022
بين كتاباتهن عن أزواجهن أتنقل هذه الأيام ..
فمن قالت إن (العودة إلى الوراء هي ما يُتيح للحياة أن تُطيح بك..أن تسحقك)*
هي من أدركت أن السير قدما لا يكون إلا بالعودة إلى عهد مضى .. عهده هو ..
*جوان ديديون
"اكتبي ما تشائين .. وسأحمي حرفك!"
هذا ما عنونت به غادة سمان لبعض حديثها عن زوجها ..
والحرف بالحرف يذكر ..
من أصدق ما دونته عائشة عبد الرحمن عن أمين الخولي ذلك الصراع الحتمي بين الثنائية العددية والجوهر الواحد (النفس الواحدة) ..
"لأن الدنيا لا تعرف إلا أننا اثنان!
والحياة تفرض علينا أن نعانيها بهذه الثنائية العددية ورغم هذا كنا النفس الواحدة ..
وذلك ما أعيا الدنيا أن تفهمه أو تتصوره"
شدني في كتابات الزوجات ذلك الاختلاف الكبير بين سرد مجرد للأحداث، وتسجيل صادق للامتنان، وغوص عميق في معنى يقع "وراء عالم الواقع ومقاييس المادة، ومنطق الحس وأبعاد المنظور" كما وصفته بنت الشاطئ ..
تفاوت لا تطمسه إلا واقعة الفقد لتساوي بين أطرافه ..
كان مصابا بالأرق فوظف هذا الأرق في خدمة العمل ..
إحسان الدروبي عن زوجها سامي الدروبي.
تلتقي إحسان الدروبي مع سوزان طه حسين في أن كليهما كرّست وجودها لزوجها، كما في كتاب سوزان (معك) ورغم تقاسمهما كل شيء معًا حتى قالت:
"أنت الذي كتبت لي ذات يوم: لسنا معتادين أن يتألم الواحد منا بمعزل عن الآخر"
فقد كانت سوزان سندا له، في حين وصفت غادة زوجها بقولها "حنون كأم، سند كأب"
وعلى أن التساند قيمة مشتركة في الحياة الزوجية فيبقى أنها تختلف نسبيا من حياة إلى أخرى ..
في حديثها عن طه حسين وموقفه من السعادة لم تشر سوزان لأثر كانط فيها، وهكذا في بقية الكتاب فسوزان كانت شريكة حياة وفكر لكنها لم تغص إلى الأعماق التي غاص إليها طه
وليس هذا شرطا لاكتمال التجربة ولاعيبا فيها
بالتأكيد لكنه ملحظ، ويبقى أن الحديث عن الأمسيات الممطرة أكثر جاذبية من غيرها.
من هذا الضرب من الكتابة أيضًا ما كتبته بوران زوجة علي شريعتي تحت عنوان (أطروحة حياة) لكن ما كتبته كان سيرة موضوعية مجردة عن الطابع العاطفي الشخصي .. وحتى رسائل شريعتي إليها أو إلى (بوراني) كما يخاطبها في رسائله لاتضم رسائلها إليها، فهي الحاضر الغائب في الكتابين.
في إحدى رسائل شريعتي إلى بوران-من منفاه-كتب يعدها بتمضية الحياة معا، ويطالبها برسائل (مفصّلة).. وهذا ملحظ في رسائل عديدة، فالتفاصيل هي ما يعتاش عليه الغائب ويتبلغ به حتى الرسالة التالية.. هي الحبل الذي يشعره بأنه ما زال هناك يتشارك الحياة بكل ما فيها من صغائر وهوامش وأمور أخرى..
احتمت سعاد أبو ريشة في مذكراتها -عن زوجها الشاعر عمر أبو ريشة- بمقدمات أصدقائهما وكأنها تتفادى المواجهة المباشرة مع القارئ .. وقد وفّت في مذكراتها هذه وما بعدها بوعدها له ألا تحطمه (بمطرقة النسيان) فقد قال لها يومًا:
يا سعاد، لا تحطميني بمطرقة النسيان ..
وفي مقدمة سطرتها الشاعرة إنصاف الأعور كتبت:
ثارت-سعاد-على الكتمان حيث أذهلها غياب عمر.. فقدان عمر ..
عمر الذي شغلها، وأشعلها، وأنهضها، وجعلها تولد من جديد، وكأنه يريد بها استمرارا له-حتى قال:
كوني كما أريدك أن تكوني
إعصار ثورتي وعصف جنوني
كوني .. كوني ..
لكنتُ أبدعتك لو لم تكوني!
ومذكرات سعاد عن عمر ليست مرتبة على الأحداث والتسليل الزمني، وإنما استدعاء ماجادت به الذاكرة الواعية (التي تمردت على رياح السلوان) بحسب قولها.
والحضور الوجداني في مذكراتها قوي جدا وهو ماحرصت عليه الكاتبة أكثر من حرصها على حفظ سيرة الشاعر بصورة موضوعية صرفة كماصنعت بوران مع شريعتي.
سأتحدث لاحقا عن الطابع التقديسي الذي كتبت به سعاد عن عمر بمقابل الطابع النقدي الذي كتبت به عبلة الرويني عن أمل دنقل.. لكنني سأبدد القداسة التي أضفتها سعاد على شاعرها بقصة نقلت عنه وتشير إلى تعامله مع المرأة (أداتيًا) كعادة بعض الأدباء، أي بوصفها مجرد ملهمة ومحرضة لقريحته الشعرية.
والعهدة على أ. محمد الهجين مؤلف (الأنس بالراحلين) وقد نقلها عن (عباقرة النغم: حياتي بين الشعر والشعراء) لأحمد سعيد محمدية مؤسس دار العودة البيروتية التي أصدرت دواوين شعر للميعة وأبي ريشة، على أن محمدية لم يعنون لفصله المخصص في الكتاب عن لميعة بوصف (شاعرة الرجال) كما اختار الهجين.
والحق أنني لا أجد تفسيرا للقداسة لدى سعاد إلا أن يقال فارق العمر بينها وبين عمر، وهذه يرد عليها أنها تزوجته في أربعينها وهو في ستينه أي أنها لم تك غرة ساذجة وإنما ناضجة.
وإنما هي برأيي الاستعدادات النفسية لدى الشخص فبعض الناس حبه سرف وبغضه تلف ولا يحسن إلا أن يغلو في هذا وذاك ..
ليس مريد البرغوثي فقط من لم يطق عيشًا بعد وفاة زوجته رضوى عاشور، بل جبرا إبراهيم جبرا كذلك، وقد ذكرت بلقيس شرارة في مذكراتها (هكذا مرت الأيام) المهداة لزوجها الراحل،أن جبرا لم يطق عيشا بعد زوجته لميعة فسجل مذكراته(شارع الأميرات)وحكى قصة التقائه بها وحياته معها وتوفي بعدها بعامين.
بلغ من تقديس سعاد لأبي ريشة أنها صرحت في أكثر من موضع أنه لو كان لها أن تعبده لعبدته، وخلعت عليه من صفات الألوهية ماخلعت ..
ولم تنتقد له رأيا ولا موقفا، بل كان على الدوام محقا، ويبصر ما لا تبصره.
والطريف أنها ذكرت أنها كانت تجمع فضلات شعره بعد حلاقته طيلة خمس عشرة سنة من زواجهما.
ورغم حبه لها فلم يكن يتردد في وصفها بالقاصر، ونعتها بالغبية في أكثر من موضع، فلم يكن يراها رغم كبر سنها على دراية بالمشاعر، ولا فهم للناس، ولا الحياة .. وهي لا تذكر هذه النعوت بصيغة استياء ولا نقد، على أن الحب لا يقتضي إلغاء شخصية طرف لصالح طرف ولا تنزيهه مطلقا من العيوب ..
لكن من اعتاد أن يكون ظلاً وحسب، لن يخرج عن طبيعة الظل، إذ يتشكل بشكل صاحبه ويتحرك حيث يتحرك، ويزول وجوده بزواله .. فلا قيمة معنوية للظل، وهكذا هي كل علاقة تبدأ وتنتهي بطرف واحد.
مع هنريت وجورج واختلاف العلاقة التي تضم فاعلين لا واحدا ..
بدأ الكتاب بمقدمة للناشر تركي الدخيل، وأعقبه تمهيد لهنرييت، وفيه اعتراف بتقييمها المتحيز ضده، والصورة الذهنية السلبية التي رسمتها له ابتداء خشية على نيله من مكانتها بين أصدقائهما المشتركين .. وأول لقاء جمعهما في المكتبة وأول كتاب أعارته له، والحقيبة التي ضمت رسائلهما الأولى.
ذكرتني حقيبتهما الخمرية بصندوق الهدايا الذي كان يضم الرسائل التي تبادلتها وزوجي رحمه الله، والتي لم يكن ذلك زمنها لكننا أحببنا عيش تجربة تبادلها، ومثلها بطاقات المعايدة والمناسبات الخاصة التي كتبناها لبعضنا طيلة فترة زواجنا، ولم أعد لمحتوياته إلا بعد رحيله لأنقلها إلى ألبوم ..
الطريف أنها ذكرت أنه كان يُعبّد الطريق لقلبها بحديثه عن(احترامه للمرأة وتقديره لها…وتكراره أنه ينفر إلى حد التقزز من النساء الخانعات الذليلات)، تلك القصة التي أصبحت مبتذلة ككل الكلام المدبج في مديح المرأة الواثقة، ومع ذلك فلم يكن ماذكر هو سبب انجذابها له بل حادثة الكنزة الصوفية!
حادثة الكنزة الصوفية :)
شدني في حديثها ذلك الأمر البدهي الذي لفرط بداهته لا نشعر بأثره، وهو زاد العلاقة اليومي، الزاد الذي لا ينفد لدى أهل العلم والقراء عموما .. والذي لا ينتهي بالوقوف عند حدود ماهو جاد، بل يطبع حتى النكتة والطرفة والمواقف الساخرة بطابعه المختلف المتجدد ..
بين هنرييت وسعاد أبوريشة بون فكري شاسع ففي حين قدست سعاد عمر، اختارت هنرييت "تقديس نزعتها الفردية"!
وغلوها في فرديتها مقابل لغلو سعاد في غيرها.. وكل غلو قبيح مهما كانت مبرراته.
الجميل أنها ذكرت أن جورج كان يكتب لها رسائله بالعربية، وتكتب له بالفرنسية لأنها تجيدها أكثر من العربية، وأنه علمها العربية وقواعدها، ويتباهى بذلك :)
وكانت هنرييت قد ذكرت أن أول كتاب استعاره منها جورج كان رواية (المثقفون) لدو بوفوار بنسختها الفرنسية، وأنه أعادها قائلا أنه سيترجمها، ومن الاستطرادات المفاجئة لي ترجمة جورج للرواية بالفعل، وكنت قد قرأتها بترجمة ماري طوق، والغريب أن ترجمتي طرابيشي وطوق كلتاهما صدرتا عن دار الآداب!
وقد يكون سبب إصدار دار الآداب ترجمة أخرى للرواية غير ترجمة طرابيشي: ملحوظات تتصل بجودة الترجمة باعتبارها من باكورة ترجماته في مطلع شبابه، وربما كان السبب قانونيا يتصل بمسائل حقوق الترجمة، وربما كان ذلك لسبب آخر ..
أما المفاجأة التي استوقفتني في كتاب هنرييت عن جورج كانت (علاقته بفرويد)، وكنت قد طالعت جميع ترجمات جورج لكتب فرويد لأغراض تتصل باهتمامي بالتحليل النفسي بوصفه أداة منهجية مهمة في تحليلات تيارات الفكر الحداثي ومابعده، رغم تجاوز الأخير لفرويد ونقده أو إعادة قراءته وتطوير أطروحاته ..
فعبر فرويد تمكن جورج من فهم علاقته بوالده، وعبر فرويد استطاع جورج تفسير سلوكه في تقطيع الخبز عند جلوسه على المائدة بطريقة كانت تحرج هنرييت، ولأسباب تتصل بحياته الخاصة تعلق بفرويد وبجّله، الأمر الذي يؤكد أن اختيارات المفكرين الواعية لاتستقل عن خلفيات شديدة الخصوصية وربما الخفاء.
غدا إن شاء الله سأكتب عن الشخص/ الطرف الثالث في علاقة هنرييت وجورج !
الطرف الثالث في علاقة جورج وهنرييت هو الشخصية الأدبية أو العلمية أو الفكرية التي كانت محور اهتمام جورج إما ترجمةً أو دراسةً ونقدًا لأعمال صاحبها، وكان حضوره طاغيا في حوارات جورج مع أسرته وتفسيراته لمواقف الحياة، حتى سمّته هنرييت بـ (الدخيل)!
أحسب أن هذه الحال تتكرر لدى بعض الباحثين ممن لا يخلفون بحوثهم وراءهم في مكاتبهم، بل تؤاكلهم وتشاربهم وتشاركهم حواراتهم الأسرية وغيرها .. ويعتمد هذا على مستوى المشاركة بين الطرفين، ووعي كل منهما باهتمامات الآخر ..
وللقلب حماقاته أيضا!
/
لم أتعجب لجمع (سعاد) زوجة عمر أبو ريشة لفضلات شعره طيلة خمسة عشر عاما من حلاقتها لشعر رأسه، فطبيعة حبها له أشبه بالعبادة .. لكنني تعجبت من بحث (انطوانيت) زوجة جورج طرابيشي في ملابسه عن ورقة أو قصاصة أو أي إشارة لعلاقته بامرأة أخرى تخفف من حزن فقدها له ..
كنت أوافق على مقولة تولستوي هذه👇
وبعد مطالعة مذكرات الزوجات وجدت مقولته تتسع للعائلات السعيدة وغير السعيدة، فللسعادة والتعاسة تجلياتهما المختلفة وطرقهما الخاصة كذلك، ومايراه شخص ما مجلبة للسعادة قد يكون مجلبة لضدها من وجهة نظر شخص آخر، رغم وجود جوانب مشتركة في السعادة وأضدادها.
هذا الكتاب من الكتب التي خرجت عن شرطي وهو الكتابة في زوج فقيد، فقد ألفته صاحبته في حياة زوجها محمود السمرة (وزير الثقافة الأردني السابق)، وقدّم هو نفسه لكتابها عن حياتهما معًا، ومع ذلك فلم أقاوم قراءته، والطريف أنني اكتشفت مصدر بعض الكلمات التي كانت جدتي لأمي-رحمها الله-تستعملها.

جاري تحميل الاقتراحات...