The Quiet Don
The Quiet Don

@AlrammahAli

23 تغريدة 13 قراءة May 26, 2022
( قواعد في تعلم الفكر الغربي ودخوله )
سعدت كثيرا في الفترات السابقة حينما رأيت الكثير من الشباب بدأ يتوسع في قراءاته ليدخل للفكر الغربي وإن اخطأ البعض بعدم استيعابه لفكره الأصيل ولكن عموما الانفتاح القرائي مندوحة.
لذا أحببت أن أرسم هذه القواعد فلا يتخبط القارئ حينها في قراءاته.
١) الدخول للفكر الغربي تعلما لا تعالما والفرق بينهما أن التعالم طريقته ذبابية أما التعلم فنَحلية.
فالنحلة تأخذ الرحيق لتصنع منه العسل وهكذا يكون المتعلم فهو يستفيد أما الذبابة فتقع على كل شيء ولكنها قذارتها تغلب طهارتها وهكذا المتعالم يتصيد ما يظنه من الأخطاء ليتعالم حولها.
والمتعلم يدرك نقصه أبدا لذا يحاول الاستفادة دائما من غيره بينما الذبابي يرى الكمال في ذاته والعجيب أنه لا يؤمن بحقوق المرأة ويفاضل بعنصرية بين الشعوب لدمائها ولونها ولا يؤمن بالسلم العالمي وينكر أن يتولى زمام الأمة أن يأتي بالاختيار الحر وفوق ذلك كله ينتقد الفكر الغربي!
والأولى بمثل هذا أن يصحح فكره ونظراته قبل أن يحرج قومه وأهله ودينه بمثل هذه السخافات والهرائيات.
٢) أخذ المناهج والمقاصد لا الجزيئات والفرعيات والأقوال الشاذة فالنحلة تبحث عن الكليات أما الفرعيات فهينٌ أمرها.
وذلك لأنه ما من فكر أو عالم ولو كان إسلاميا إلا وقد وقع بشذوذات وأخطاء جاءت جراء ظروف معينة وبالتالي لا يصح تحميلها للمنهج العام وإلا لحكمنا على المسلمين جميعا بقولهم بزواج المتعة ونكاح الدبر لأن منهم من قال بذلك فهل يحسب هذا عليهم جميعا؟
قد يعترض البعض هنا ويطيل الكلام بأن مثل هذه الأقوال قد رُد عليها وأن مثلها بالفكر الغربي لم يرد عليها وكأنه استوعبه كله!
وبالإمكان الرد عليه بأن هناك من قال بأن الإسلام يؤخذ بأوسع مذاهبه وأضيقها أيضا!
فهل نبقى نلف وندور حتى ننفي وجود خيرٍ عند غيرنا وكأننا ملائكة؟
فلا تظنن أن بذكرك لجون لوك وأنه كان داعية لتحرير العبيد وفي نفس الوقت كان يترزق من المتاجرة بهم، بأنك ستفحم فكره، ولا ذكرك لعنصرية هيجل لبروسيا (ألمانيا) ستنسف ما عنده. وذكرك لعلاقات فلان الجنسية وكلامه في ذلك لن يحطم فلسفته.
فلا تبعد النجعة وكن مع الفكر وكلياته ومقاصده.
٣) فهم السياق والمساق والمبررات وذلك لأن هذا من أسباب الموضوعية والفهم العميق لا السطحي.
فقد نقع على أقوال ممجوجة لبعض الفلاسفة ولكن حين نبحث عن حيثياتها نجد لها ما يبررها فنتفهم موقفه ولو لم نوافقه ككلام بعضهم عن تنحية الدين عن السياسة!
فما جاء هذا القول من فراغ وإنما لتزمت ديني وحروب دينية طاحنة ألجأت العاقل أن يقول مثل هذا القول وله حظ من النظر.
وعلى مثل ذلك تقول في تسييل الأخلاق وأنها نسبية فقد جاءت هذه النظرة ردة فعلٍ على المركزية الأوربية حينها وأن الأخلاق أخلاقها فحسب!
فهكذا يجب أن نفهم الآخر بموضوعية.
إن فهم الآخر عن طريق مناهجه الكلية وفهم سياقه ومساقاته التطبيقية يعالج فهمنا حتى لبعض رموزنا التراثية.
فقد تقع لكلام عند ابن تيمية فتتهمه بالتجسيم وتنظر لكلام للرازي فتراه معطلا!
لكن حينما تدرك مناهج الرجلين ومساق أفكارهما وما كانا يخشيان منه، ستتفهم كلامهما وتحفظ لسانك عنهما.
٤) نتقبل أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم وإلا فكل عالم مسلم وغير مسلم نستطيع التصيد عليه واتهامه وكم حفلت كتب التراجم والأدب بمثل هذه الأخبار.
وقصة صلاة القفال معروفة في خبث الانتقائية والتصيد والابتسار وهي الأسلوب الذبابي المتبع عند من يرون أنفسهم نقدة للفكر الغربي!
٥) لن يموت الفكر الغربي بل هو في طريقه للتطور الدائم كذلك ما انتهى الاتحاد السوفيتي فبعد أقل من نصف قرن صارت روسيا تناطح العالم كله!
لذلك لا تعش مع أوهام المتعالمين ولا تظن سقوط غيرك بل اعمل كما أنه سيبقى أبد الآبدين فحينها تعرف كيف تعد مؤونتك العلمية وقوتك الفكرية.
٦) البعد عن العاطفة والنتائج المسبقة مثل: هكذه حضارتنا التي نعتز بها، نحن سبقناهم، هم أخذوا منا، هذه هويتنا...
فالعلم أسلوبه هو الموضوعية العلمية لا تفاخر الشعراء ولا هوشة أطفال (من حلواه أكبر من الآخر، من جمع أكثر من عيدية العيد...).
وليس الفتى من قال كان أبي..
٧) لا تقحم دينك في النقاش العلمي فمحل الدين التصديق والتسليم أو الكفر والرفض والعلم محله النقاش الحر والتطور لذلك كن مع النظريات وتحليلها فهي من منتوج البشر، بمعنى أن أناقش الفكر الغربي بما يقابله عندنا أي مناقشة النظريات بنظريات لا بدين فالدين من الله لا من البشر.
فلا تفاضل بين الدين والنظريات أصلا وإنما النظريات تفاضل بمثلها كأن تقارن بين الديمقراطية والتغلب ونظرية تقسيم الشعوب لمعاهدة ومسالمة ومحاربة وغير ذلك (تصل ل١١ قسم أحيانا) وبين نظرية شعوب ديمقراطية وشبه ديمقراطية وخارجة عن القانون أو نظريات التقنين والعقود التجارية ونحو ذلك.
فلا تقارن بين (وأمرهم شورى بينهم) وبين الديمقراطية، أو بين (أوفوا بالعقود) وبين عقود تجارية غربية معينة وهكذا.
بل قارن بين التنزيلات النظرية الفقهية التراثية وبين النظريات الغربية وكلها تكون محكومة بالقيم العظمى (القرآنية عند المسلم) والإنسانية أو غير ذلك عند غيره.
٨) دراسة النتائج الفكرية كلها لا بسلبيها فقط فالمنهج العلمي المادي قاد البعض للحروب وتطوير الأسلحة ونحو ذلك ولكن أيضا ساعد البشرية بالأدوية والخدمات الإنسانية ورفاهيتها، فالأفكار تقاس نتائجها بطيبها وسيئها لا أن تكال بمكيالين وهنا الفكر النقدي يحدد المشكلة الحقيقية وماهيتها بدقة.
٩) الدراسة الدقيقة للمذاهب كافة لا ابتسارها بقول واحد صدر من أحد الغربيين فيلصق بالغرب كله، فهناك الماركسية واللبرالية والعلمانية والبرغماتية وهنا فروقا بين الماركسية الشيوعية اللينينية وغير اللينينية وهي المنتشرة حاليا وهناك مذاهب ضمن هذه المذاهب وهكذا.
١٠) فهم قانون السببية فهما صحيحا لا على أنه علة ومعلول وإنما على أنه عدة أسباب وظروف نعلم بعضها لا كلها، أدت لنتائج معينة وبالتالي فلا تربط أمورا ليس بينهما أي رابط.
وهذا كثيرا ما يقع عند سطحي الفكر كسول البحث وذلك لتعجله بالنتائج المعلبة الجاهزة!
فأئمة المادية كانوا أكثر أخلاقيا من غيرهم غير الماديين بالرغم أن الفلسفة المادية ذاتها قد تقود لانعدام الأخلاق نظريا!
لكن هذا السبب لم ينتج علماء ماديين لا أخلاقيين بالضرورة!
كما أن الداروينية الحيوية لا تقود بالضرورة للداروينية الاجتماعية العنصرية مثلا!
ونظرية النسبية الفيزيائية لا تقود بالضرورة لتسييل الأخلاق والقيم والإيمان بنسبيتها بالضرورة!
وهكذا دوما، فلا تظن أن انحطاطك ومصائبك كلها بسبب الوافد الأجنبي فهذا قد يكون جزء منه صحيحا لكن هناك أسباب أخرى فلست ملاكا لا عيب فيك!
فالأسباب دائما كثيرة فلا تبتسرها في علة أو علتين!
وقبل الختام أنبه لأمرين:
- قد أكون بالغت نوعا ما في تحرير هذه النقاط ولكن كل هذا لأني أطمح لكبح السعار الهجومي غير الموضوعي على الفكر الغربي وبذلك يهوّن المرء على نفسه ويتواضع للعلم ولو قليلا.
- خذ العلم من ثقة مسلما أو غير مسلم أي ممن فهم الغرب حقا لا من يتعالم في نقده وتسطيحه.
ختاما:
لابد أن نعرف موقعنا العالمي حاليا والحقيقة ليست محصورة عند قوم معينين ولذلك امرنا سبحانه بالسعي في الأرض والتعارف بين الشعوب وغير ذلك مما يدلل على ضرورة الانفتاح والاستفادة من الغير.
وأخيرا كم يصلح هذا البيت للبعض:
لسانك لا تذكر به عورة امرءٍ
فكلك عوراتٌ وللناس ألسنً

جاري تحميل الاقتراحات...