ومن أعلام العرب الضائعة ؛- الرياش ابن غانم الأندلسي ( - 1048هـ) ،
إبراهيم بن أحمد بن غانم بن محمد بن زكريا الأندلسي الملقب بالرياش ، والرَياش تحريف لكلمة ريس العربية .
وقد ورد اسمه مغلوطاً في بعض المراجع المعاصرة ، والحقيقة أن اسمه "ابن غانم الأندلسي"الرياش تعني "ريس البحر".
كان أول عالم في التاريخ يكتب عن علم المدافع .
وهو كغيره من ال"مـُدِخـَر" تظاهر بالنصرانية والتحق بفرق المدفعية المبحرة إلى الأمريكتين ، بعد عودته هرب إلى تونس وشارك في قتال الأسبان فوقع أسيراً لسبع سنين ثم عاد لتونس فكتب أول كتاب يكتبه عربي عن علم المدفعية.
ولد إبراهيم بن أحمد الرياش في قرية نَولِش افي غرناطة خلال الربع الأول من القرن الحادي عشر الهجري/ الربع الأخير من القرن السادس عشر الميلادي، في احلك فترة قضاها من بقي من الأندلسيين العرب المسلمين في إسبانيا، وهي الفترة الواقعة مابين (958ـ1008هـ/1550 ـ 1599 م).
وقد تظاهر ابن غانم الرياش بالتنصر، وتعلم اللغة الإسبانية لكي يتمكن من تعلم العلوم البحرية والانخراط على إحدى السفن الكبرى الذاهبة إلى أمريكا المكتشفة حديثاً، والتي يسميها ابن غانم الرياش " الهنود المغربية البعيدة ".
وخلال رحلاته عبر " البحر المحيط " ـ أي المحيط الأطلسي ـ وتجوله بين موانئه الأندلسية والأمريكية ، فتعلم ابن غانم الرياش علوم البحر، و تعلم معها أيضاً العلوم المدفعية عن طريق استماعه إلى ربابنة البحر الإسبان ، وملاحظته لطرق التدريب على المدافع،
ويصف ذلك ابن غانم الرياش بقوله:" وكانوا يجتمعون مع أكابر القوم للكلام في تلك الصناعة( صناعة آلات الحرب البارودية )، وتارة يأتون بالكتب المؤلفة في ذلك الفن ، وهي كثيرة، لأن العارفين بالعلم ، المباشرين للعمل، وغيرهم، لما رأوا أن ملوكهم يعظمون أهل ذلك الفن ومن يؤلف فيه فُتنوا به،
وكنت أجالسهم وأحفظ بعض ما يتفقون عليه، وأشتغل بيدي في المدافع، وجميعهم لا يظنون بي أنني أندلسي ، لكن المتعصبين الإسبان اكتشفوا أنه أندلسي ـ أي عربي مسلم ـ فأودعوه في السجن حتى قيَض الله لـه واحداً من أكابر الإسبان الذين كانوا من رفاقه في السفر فوقف إلى جانبه وتوسط لـه حتى
تم إطلاق سراحه، فعاد إلى في إشبيلية. و لاحظ أنه موضوع تحت الرقابة فحاول الحصول على إذن للهجرة إلى المغرب ولكن السلطات الأمنية رفضت منحه الإذن فاضطر إلى دفع رشوة حتى حصل على غايته، عام (1016هـ/1607 م).
وقد هاجر ابن غانم الرياش مع مجموعة من بني قومه إلى تونس فوصلها في عهد
الداي عثمان، أي قبل عام (1017هـ/ 1608 م)، وهي سنة وفاة الداي المذكور واستلام الداي يوسف بعده، ويصف ابن غانم الرياش أحداث هجرته واستقبال أهل تونس لـه بالقول:
"فخرجت من تلك البلاد المحتلة إلى بلاد المسلمين مع جملة الأندلس ( أي الأندلسيين المسلمين )، وكانوا منعوني من ذلك، فعملت بيَنة بأنني من الأندلس لنخرج معهم، ولم ينفعني شيء من ذلك .
ثم أنفقت دراهم في الرشوات، وخرجت من بينهم، وجئت إلى مدينة تونس حرسها الله فوجدت فيها كثيراً من
الأصحاب والأحباب من الأندلس، وأقبل عليً أمير المدينة عثمان داي رحمه الله تعالى، وقدمني على مائتي رجل من الأندلس وأعطاني خمسمائة سلطانية، ومائتي مكحلة ( أي مائتا بارودة)، ومائتي سكيناً، وغير ذلك مما يحتاج إليه في سفر البحر ".
وبعد ذلك بدأ ابن غانم الرياش أعمال الجهاد ضد الكفار في "البحر الصغير" أي البحر الأبيض المتوسط لحساب حاكم تونس، الداي عثمان، ولكنه اضطر للعودة بغنائم قليلة بعد أن أصيب بجرح بليغ جعله يشرف على الهلاك.
وبعد أن برئ من جرحه عاد لركوب البحر، في زمن الحاكم الجديد الداي يوسف، ويصف ابن غانم الرياش حملته الجديدة بقوله:" وبعد أن برئت ركبنا أيضاً البحر، وسافرنا فيه في طلب الكفار وأموالهم ( كان الاستيلاء على أموال الكفار يعتبر نوعاً من الجهاد في البحر)،
ونحن بقرب مدينة مالقة، وهي على حاشية هذا البحر الصغير، تلقينا (تقابلنا) بإحدى عشر غراباً ( أي قارباً حربياً)، وذلك في نصف شهر أغشت ( شهر آب، والمعتقد أنه شهر آب من عام1018هـ/ 1609 م) والبحر ساكن، ولا شيء من الريح، ووقع الحرب الشديد، ومات من الجانبين خلق كثير، ودام الطراد الكبير
(دامت المطاردة) حتى لم يبق منا إلا القليل، وأسرونا، وصحَ أن من الكفار أعدائنا مات في ذلك اليوم أكثر من ستمائة رجل كان بينهم أكثر من عشرين من أكابرهم، وأسرونا وأنا مثقل بالجراح ".
وقد اعتقل الإسبان ابن غانم الرياش بعد أسره مدة سبع سنوات،
ثم جرت عملية مبادلة للأسرى بين داي تونس وملك غرناطة الإسباني ، حيث عاد ابن غانم الرياش إلى تونس واستقر في مرفأ "حلق الوادي" (حصن في مدخل تونس من جهة البحر) إذ عينه الداي يوسف رئيساً لمفرزة المدافع الرابضة هناك.
وفي مدينة "حلق الوادي" تسنى لابن غانم الرياش
تأليف كتابه عن المدافع بعد أن رأى جهل رجال المدفعية التونسيين المستقرين هناك وعدم معرفتهم لأصول المهنة.
يصف ابن غانم الرياش الأسباب التي دفعته لتأليف كتابه هذا بقوله:" ولما رأيت الطائفة المسماة بالمدافعين المرتبَين ( المصنفين كجنود مدفعيين بالراتب ) لامعرفة لهم بالعمل
(على العمل بالمدافع)، وأنهم لا يعمَرون ( أي لا يحشون المدافع) ولا يرمون بما يقتضيه العمل، عزمت على تصنيف هذا الكتاب، لأن كل مدفع لـه قيمة مال وتعب في إيجاده (أي في صنعه)، ثم يوكل على تسخيره (أي استعمال المدفع واستخدامه) والرمي به من يكسره ويفنيه (أي يعطبه) في الرمية الأولى أو في
الثانية، والموكل عليه الذي يعمره (أي يلقمه) ويرميه (أي يرمي به) قريباً من الهلاك ( أي أن الرامي الجاهل يعرض نفسه للهلاك)، فحملني على تصنيفه (تأليف الكتاب) النصح لـه و لمن وكله عليه. نسأل الله أن يقبل النية، إنها أبلغ من العمل، وأن ُييسر لي من يعربه بالعربية من الكلام الإشبانيول
، وهو الكلام العجمي المتصرف (السائد) ببلاد الأندلس، ولا قصدت به نفعاً دنياوياً، بل الإخلاص لله تعالى بترجمته، لنكتب منه نسخاً ونبعثها إن شاء الله لبعض المواضع في بلاد المسلمين، ونذكر فيه ما يحصل النفع من وجوه، وللمدافعين القائمين بما يوجب عليهم من الحقوق فيما تصدَروا إليه
وتكلفوا به من خدمة أمراء المسلمين، ويحصل لهم الأجر عند الله سبحانه بتفريج المسلمين بإتقان أعمالهم وتخويف أعدائهم الكافرين".
توفي المجاهد العالم ابن غانم الرياش رحمه الله وغفر الله له وجزاه الله عن المسلمين خيرا في تونس بعد سنة(1048هـ).