الزمان الأرسطي هو كائن بين كائنات توجد في أفق الكوسموس ، لم يكتسب الزمان استقلاليته بعد حيث الزمان تابع للحركة وليس العكس الحركة تتبع الزمان مع كانط، فمنذ أفلاطون صار الزمان و بشكل منظم يطرح عَرَضا على هامش نظرية الحركة وخضعت الحركة لخطه المفاضلة بين العالمين
عالم الحقيقة و الثبات و عالم الخطأ و الفساد ، الثبات ماهية الحقيقة او المطابقة بين الموضوع و المحمول ، أما الفساد فهو الخطأ بما هو اختلال للعلاقة بين الموضوع و المحمول هكذا صرنا الى مفاضلة بين نمطين من الكائنات و بذلك الى نمطين من الحركة، حركة العالم الزائل وحركة العالم الخالد.
و في تصنيفه لأنواع الحركة لم يعمل أرسطو الا على الصياغة المنظمة و الصريحة لما لاحت إليه مقالات أفلاطون في شأن ذلك ، وحده عالم السماء او ما فوق القمر يختص بالحركة الدائرية بما هي خلود وحدها الدائرة تقاوم دلالات البداية و النهاية اي الدائرة حركتها لامتناهيه ثابته
الكوسمولوجيا الأفلاطونية مثلما الأرسطية هو ان ابتداء ها من عالم الأرض بوصفه عالم الحركة الزائلة متناهيه، اذ القصد منه يتخطى عالم الحركة بما هو عالم زماني زمانية ناقصه الى عالم تجرد فيه الحركة من ماهيتها من تناهيها اي من نقصها لتصير وفق ما صاغها ارسطو المحرك الذي لايتحرك
وهكذا يكون الزمان تابعا للحركة و الحركة لا تبلغ ماهيتها الا وهي في أفق ما تنتفي فيه الحركة الخالده، لقد كان الإخراج الأفلاطوني-الأرسطي لمفهوم الزمان في إطار نظرية الحركة التي هي أساس نظرية المحرك الذي لايتحرك، كان بمثابه إخراج غير زماني للزمان،طمس لهوية الزمان الفعلي
بدالة زمان متعال لعالم متعال و إله متعال، ضمن هذي الرؤية يكون الزمان الفعلي زمان المعاناة و الهلاك في حين ان الزمان المتعالي بما هو الزمان الخالد هو زمان الخلاص ، و بالرغم ان زمانية عالم الارض يكون فيها "الآن" هو الوحدة الأساس فإن الآن-الحاضر يصير الى آن-ماض في انتظار آن-مستقبل.
هذا الزمان الذي تضيع فيه هوية "الآن"-الحاضر بإستمرار لايليق بماهية الإله-الخالد،لذلك فالوحدة الأساس لزمان الإله هي "الآن" الخالص الذي تنتفي فيه مخاطرات "الآن" المتنقل المميز لعالم الأرض وهكذا ارسطو لقد وقف عند حدود الزمان الكوسمولوجي حيث الزمان مرتهن للحركة .
ولا تختلف العقلانية القديمة عن العقلانية الحديثة الى حدود كانط تحقق منعطف الحقيقة في أفق الزمان، ذلك أن الوجود في الزمان بحسب ديكارت مثلا هو بإستمرار وجود عرضه للخطأ و الشك من هنا ذمه لكل الملكات التي تحتاج الى زمان لكي تعمل:الذاكرة و الخيال.
سيطرة النظرة الأفلاطونية- الارسطية بوصفها الأفق الأوحد للفكر البشري و امتد حتى الى عصر العقلانية الكبرى ديكارت، ليبتنز التي ظلت تضع الزمان ، بفعل تأثير التمثلات المسيحية، في دائرة المصادر الأساسية للخطأ
الوحيد الذي استطاع تحقيق اختراق في الجدار السميك للعقلانية الكبرى هو كانط ، فبإقراره الزمان عمادا للحقيقة يكون كانط قد وافق على إدراج الحساسية،وذلك خلافا لكل تاريخ العقلانية منذ افلاطون.
بوصفها ركنا لنظرية المعرفة أي علاقة أصيلة بالكائن ، الزمان بحسب كانط حدس حسي خالص، وبذلك فهو واقعة ذاتية حيث ان الحدس ملكة للذات، إن الزمان هو حدس وليس مفهوما،و معنى ذلك انه قدرة على تمثل متنوع تجريبي خارجي او متنوع أحوال نفسية و عقلية داخلية مختلفة.
وهذا في حين أن المفهوم لايقوم، بما هو نتاج لعمليتي التجريد و التعميم، الا على انقاض المتنوع أي الأحوال الفردية العيانية و المشخصة.
و مع أن الزمان ذاتي وبذلك غير مرئي، فهو شرط موضوعية ما يظهر اي الظاهرة ماثلة ضمن صورة الحدس الحسي الخالص "الزمان" و تنطوي صورة الحدس هاته على متنوع خالص ( أبعاد الزمان) ينتظم وفقا له المتنوع التجريبي ( الوقائع) يشكل هذا الإنتظام خطوة أساسية في أفق الحقيقة
إن انتظام الوقائع ضمن الزمان باعتباره شرطا ذاتيا لايعني أن الذات تتدخل في تشكيل الوقائع أي في تشكيل فِعل الظهور، بل إنها تُمثل فقط جملة الشروط التي تسمح بظهور ماهو اصلا فِعل الظهور ظهوره بالنسبة للذات.
بهذا المعنى فالزمان هو صورة حدس حسي خالص، أي صورة تنطوي على متنوع خالص يستجلي فعل الظهور ما يظهر ، بذلك فهذه الصورة هي صورة قدرتنا على التلقي.
إن انتظام المتنوع التجريبي ضمن الزمان ليس الإ خطوة في أفق الحقيقة، ذلك ان تزمين الظواهر يتخطى هذه الخطوة الى حيث يبلغ ما يسميه كانط بالخيال المتعدي "transcendental " تُشكل مَلكة الخيال قمة الحساسية الخالصة، أي منتهى قدرتنا على التلقي حيث يصبح التمثل الحسي الزماني للواقع مكتملا
الخيال المتعدي هو على خلاف الخيال التجريبي، الأول خيال منتج أما الثاني فهو مجرد خيال معيد للإنتاج، أي يعيد تشكيل و ترسيم الوقائع السابقة ( ترسيم الغائب من الأحوال،تخيل-ترسيم منزلي أنا ،مثلا الذي هو غائب حيث أنا موجود) يعيد الخيال المعيد للإنتاج تشكيل وقائع بعينها،إنه محض تكرار
أما الخيال المنتج فهو ينتج ما يسميه كانط بالأخطوطات، ينتج الخيال الأخطوطات إما من خلال عملية التركيب أو من خلال عملية التخطيط، ذلك في أفق التوليف بين المحددات الزمكانية و المفاهيم التي هي منتوجات تلقائية للفاهمة ، تلك هي وظيفة تزمين للظواهر حيث الظواهر ليست كذلك الا بقدر تزمينها.
ضمن شرط الزمان ترتقي الوقائع الى مستوى الظواهر أي تصبح موضوعات بالنسبة الى الذات،إن منتوجات الخيال المتعدي هي الأخطوطات،وهي محددات،زمانية،رسومات خالصة تعتمدها المفاهيم ( المنتوجات العفوية للفاهمة) والخيال ينتج هذه الأخطوطات إما عن طريق التركيب،تركيب أجزاء لاحقة مع أخرى سابقة
لواقعة بعينها حيث يتم الإنطلاق من حالة هي هنا والآن(كرسي مثلا) أي الإنطلاق من محدد زمكاني اذ المطلوب هو المحدد المفهومي، هنا نحن بصدد انتظام لزمان و مكان لكنه انتظام غير محدد بعد ضمن المفهوم ، وحين تحديد ذلك أي ملاءمة هذا الإنتظام لمفهوم ما آنذالك يتحقق التركيب ويصبح تحديد الشيء
أمرا ممكنا: هذا الكرسي يعني التركيب اذن انتظام اجزاء الحالة العيانية ضمن الزمان وتلاؤمها مع مفهوم ما ، على خلاف ذلك إنتاج الخيال المتعدي لأخطوطة من خلال التخطيط، هنا نحن نملك مفهوما و المعضلة هي تحديد لزمان يناسب هذا المفهوم.
إن الخيال المتعدي هو قمة الحساسية الخالصة حيث المهمة هي تحديد زمكان يجعل عمل الفاهمة ممكنا، بتعبير آخر فعل التزمن الذي تحتاجه الحقيقة لكي تصبح ممكنة لم يقبل كانط بمفهوم الزمان عند لايبنتز حيث الزمان هو نظام التتابعات الممكنةالنتيجة إذاك هي أن الزمان تابع لما يتتابع تابع لموضوع ما
وليس ذلك غير التصور اليوناني للزمان بما هو زمان كوسمولوجي يتبع فيه الزمان للحركة، حركة الكوسموس ، الحال انه مع كانط انتقلت العلاقة بين الفلسفة و الزمان انتقالا هائلا حيث اصبحت الحقيقة غير ممكنة الا في افق الزمان و بذلك يحق لنا القول: إن كانط فتح عصرا تكون فيه علاقة بالكائن
كما بمفهوم الحقيقة مؤسسة على الزمان، وبهذا المعنى اصبحت الفلسفة المعاصرة ممكنة مع كانط : هيجل و هايدجر و هوسرل و برجسون.
@rattibha رتبها
جاري تحميل الاقتراحات...